إِنَّ الفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَهُنَا -وَأَومَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ المَشْرِقِ- مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ وَأَنْتُمْ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ، مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ: {وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً} [طه: ٤٠] . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ سَالِمٍ: لَمْ يَقُلْ: سَمِعْتُ. قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (أَلاَ إِنَّ الْفِتْنَةَ هَهُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ) هذا الحديث سبق شرحه في كتاب الإيمان. قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (لَيْسَتِ السَّنَةُ أَنْ لاَ تُمْطَرُوا) والمراد بالسنة هنا: القحط، ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ} [الأعراف: ١٣٠] . عون المعبود، شرح سنن أبي داوود، الإصدار ١.٠٨ - للآبادي ٤١٤ - حدثنا مَحْمُودُ بنُ خَالِدِ أخبرنا الْوَلِيدُ قال قال أَبُو عَمْرِو - يَعْنِي الأَوْزَاعيّ "وَذَلِكَ أَنْ تَرَى مَا عَلَى الأرضِ مِنَ الشّمْسِ صَفْرَاءَ" . - (والشمس بيضاء مرتفعة) : أي لم تصفر (حية) : حياة الشمس عبارة عن بقاء حرها لم يفتر وبقاء لونها لم يتغير (ويذهب الذاهب إلى العوالي) : أي يذهب واحد بعد صلاة العصر إلى العوالي فيأتي العوالي كما في رواية مسلم. قال الحافظ في الفتح: والعوالي عبارة عن القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجدها، وأما ما كان من جهة تهامتها فيقال لها السافلة (والشمس مرتفعة) : أي دون ذلك الأرتفاع لكنها لم تصل إلى الحد الذي توصف به لأنها منخفضة، وفي ذلك دليل على تعجيله صلى الله عليه وسلم لصلاة العصر لوصف الشمس بالارتفاع. بعد أن تمضى مسافة أربعة أميال. قال الحافظ في الفتح. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه. - (والشمس) : الواو فيه للحال والمراد بالشمس ضوؤها (في حجرتها) : وهي بضم المهملة وسكون الجيم: البيت أي ضوء الشمس باقية في قعر بيت عائشة (قبل أن تظهر) : أي تصعد وتعلق بالحيطان. قال الخطابي معنى الظهور ها هنا الصعود والعلو، يقال ظهرت على الشيء إذا علوته، ومنه قوله تعالى: {ومعارج عليها يظهرون} انتهى. وقال النووي: كانت الحجرة ضيقة العرصة قصيرة الجدار بحيث كان طول جدارها أقل من مسافة العرصة بشيء يسير، فإذا صار ظل الجدار مثله كانت الشمس أبعد في أواخر العرصة. انتهى. والمستفاد من هذا الحديث تعجيل صلاة العصر في أول وقتها. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. - (بيضاء نقية) : أي صافية اللون عن التغير والاصفرار. - (عن عبيدة) : بفتح العين هو ابن عمرو السلماني كذا في الفتح (يوم الخندق) : وهو يوم الأحزاب وكان في ذي القعدة قيل سنة أربع ورجحه البخاري، سميت الغزوة بالخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمره عليه الصلاة والسلام لما أشار به سلمان الفارسي، فإنه من مكائد الفرس دون العرب. وسميت بالأحزاب لاجتماع طوائف من المشركين قريش وغطفان واليهود ومن معهم على حرب المسلمين وهم كانوا ثلاثة آلاف (حبسونا) : أي منعونا (عن صلاة الوسطى) : أي عن إيقاعها. وقال النووي من باب قول الله تعالى {وما كنت بجانب الغربي} وفيه المذهبان المعروفان مذهب الكوفيين جواز إضافة الموصوف إلى صفته، ومذهب البصريين منعه ويقدرون فيه محذوفاً وتقديره هنا عن صلاة الصلاة الوسطى أي عن فعل الصلاة الوسطى (صلاة العصر) : بالجر بدل من صلاة الوسطى أو عطف بيان لها وهو مذهب أكثر الصحابة قاله ابن الملك. وقال النووي: الذي يقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها العصر وهو المختار وقال الماوردي: نص الشافعي أنها الصبح، وصحت الأحاديث أنها العصر فكأن هذا هو مذهبه لقوله: إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بمذهبي عرض الحائط. وقال الطيبي: وهذا مذهب كثير من الصحابة والتابعين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد وداوود والحديث نص فيه. وقيل الصبح، وعليه بعض الصحابة والتابعين، وهو مشهور مذهب مالك والشافعي، وقيل الظهر، وقيل المغرب، وقيل العشاء، وقيل أخفاها الله تعالى في الصلوات كليلة القدر وساعة الإجابة في الجمعة. انتهى. وقيل صلاة الضحى أو التجهد أو الأوابين أو الجمعة أو العيد أو الجنازة (ملأ الله) : دعا عليهم وأخرجه في صورة الخبر تأكيداً وإشعاراً بأنه من الدعوات المجابة سريعاً، وعبر بالماضي ثقة بالاستجابة (بيوتهم) : بكسر الباء وضمها. قاله على القاري (وقبورهم ناراً) : قال الطيبي: أي جعل الله النار ملازمة لهم الحياة والممات، وعذبهم في الدنيا والآخرة. انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. - (فآذني) : بمد الهمزة وكسر الذال المعجمة وتشديد النون أي أعلمني (فأملت على) : بفتح الهمزة وسكون الميم وفتح اللام الخفيفة من أملي وبفتح الميم واللام مشددة من أملل يملل أي ألقيت على فالأولى لغة الحجاز وبني أسد والثانية لغة بني تميم وقيس (وصلاة العصر) : بالواو الفاصلة وهي تدل على أن الوسطى غير العصر لأن العطف يقتضي المغايرة. وأجيب بوجوه أحدها أن هذه القراءة شاذة ليست بحجة ولا يكون له حكم الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن ناقلها لم ينقلها إلا على أنها قرآن والقرآن لا يثبت إلا بالتواتر بالإجماع، وإذا لم يثبت قرآناً لا يثبت خبراً قاله النووي. وثانيها أن يجعل العطف تفسيرياً فيكون الجمع بين الروايات. وثالثها أن تكون الواو فيه زائدة ويؤيده ما رواه أبو عبيد بإسناد صحيح عن أبي بن كعب أنه كان يقروها (والصلاة الوسطى صلاة العصر) : بغير واو (قانتين) : قيل معناه مطيعين، وقيل ساكتين أي عن كلام الناس لا مطلق الصمت (قالت عائشة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الباجي: يحتمل أنها سمعتها على أنها قرآن ثم نسخت كما في حديث البراء الذي رواه مسلم، فلعل عائشة لم تعلم بنسخها أو اعتقدت أنها مما نسخ حكمه وبقي رسمه، ويحتمل أنه ذكرها صلى الله عليه وسلم على أنها من غير القرآن لتأكيد فضيلتها فظنتها قرآناً فأرادت إثباتها في المصحف لذلك. قال الزرقاني في شرح الموطإ. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والترمذي والنسائي. - (الزبرقان) : بكسر زاء المعجمة وسكون الموحدة وكسر راء المهملة (بالهاجرة) : أي في شدة الحر عقب الزوال (أشد) : أي أشق وأصعب (فنزلت حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) : قال الطيبي: أي ما كان ينبغي أن تضيعوها لثقلها عليكم فإنها الوسطى أي الفضلى (وقال) : أي زيد بن ثابت، أو قال النبي صلى الله عليه وسلم والأول هو الصواب قاله في المرقاة. قلت: وتؤيده رواية الطحاوي عن زيد بن ثابت قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهجير وكانت أثقل الصلوات على أصحابه فنزلت {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} لأن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين انتهى (إن قبلها صلاتين) : أي إحداهما نهارية وأخرى ليلية (وبعدها صلاتين) : أي إحداهما نهارية وأخرى ليلية أو هي واقعة وسط النهار وإعلم أنه يظهر من حديث زيد هذا أن الصلاة الوسطى هي الظهر، وحديث على المتقدم يدل علي أن صلاة الوسطى هي العصر. وقد اختلف الناس في ذلك على أقوال بعد اتفاقهم على أنها آكد الصلوات، فمنهم من قال إنها الصبح، ومنهم من قال إنها المغرب، وغير ذلك. قال الحافظ: شبهة من قال إن صلاة الوسطى الصبح قوية لكن كونها العصر هو المعتمد. قال الترمذي هو قول أكثر علماء الصحابة انتهى. وقال النووي: والصحيح من هذه الأقوال قولان العصر والصبح وأصحهما العصر للأحاديث الصحيحة. وقال على القاري: والظاهر أن هذا اجتهاد من الصحابي نشأ من ظنه أن الآية نزلت في الظهر فلا يعارض نصه عليه الصلاة والسلام أنها العصر انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه البخاري في التاريخ. - (من العصر ركعة) : قال البغوي: أراد بركعة ركوعها وسجودها ففيه تغليب (ومن أدرك من الفجر ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك) : قال الحافظ: الإدراك الوصول إلى الشيء، فظاهره أنه يكتفي بذلك وليس ذلك مراد بالإجماع، فقيل يحمل على أنه أدرك الوقت فإذا صلى ركعة أخرى فقد كلمت صلاته، وهذا قول الجمهور، وقد صرح بذلك في رواية الدراوردي عن زيد بن أسلم أخرجه البيهقي من وجهين ولفظه "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس وركعة بعدما تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة" وللبيهقي من من وجه آخر من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى" ويؤخذ من هذا الرد على الطحاوي حيث خص الإدراك باحتلام الصبي وطهر الحائض وإسلام الكافر ونحوها، وأراد بذلك بصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة. وادعى بعضهم أن أحاديث النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس ناسخة لهذا الحديث، وهي دعوى يحتاج إلى دليل فإنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن يحمل أحاديث النهي على مالا سبب له من النوافل. ولا شك أن التخصيص أولى من ادعاء النسخ. ومفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركاً للوقت انتهى. قال المنذري: والحديث أخرجه مسلم والنسائي وأخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث الأعرج عن أبي هريرة. - (تلك صلاة المنافقين) : قال ابن الملك: إشارة إلى مذكور حكماً أي صلاة العصر التي أخرت إلى الاصفرار (فكانت) : الشمس (بين قرني شيطان) : أي قريباً من الغروب قال الخطابي: اختلفوا في تأويله على وجوه، فقال قائل معناه مقارنة الشيطان الشمس عند دنوها للغروب على معنى ما روى أن الشيطان يقارنها إذا طلعت فإذا ارتفعت فارقها فإذا استوت قارن ها فإذا زالت فارقها فإذا دنت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها، فحرمت الصلاة في هذه الأوقات لذلك وقيل معنى قرن الشيطان قوته من قولك أنا مقرن لهذا الأمر أي مطيق له قوي عليه قال الله تعالى {وما كنا له مقرنين} أي مطيقين وذلك أن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات لأنه يسول لعبدة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأوقات الثلاثة. وقيل قرنه حزبه وأصحابه الذين يعبدون الشمس يقال هؤلاء قرن أي