لا أدري ذو القرنين كان نبيا أو لا" وذكر وهب في "المبتدأ" أنه كان عبدا صالحا وأن الله بعثه إلى أربعة أمم أمتين بينهما طول الأرض وأمتين بينهما عرض الأرض وهي ناسك ومنسك وتأويل وهاويل، فذكر قصة طويلة حكاها الثعلبي في تفسيره. وقال الزبير في أوائل: "كتاب النسب" حدثنا إبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران عن هشام بن سعد عن سعيد بن أبي هلال عن القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل سمعت ابن الكوا يقول لعلي بن أبي طالب: أخبرني ما كان ذو القرنين؟ قال: كان رجلا أحب الله فأحبه، بعثه الله إلى قومه فضربوه على قرنه ضربة مات منها، ثم بعثه الله إليهم فضربوه على قرنه ضربة مات منها، ثم بعثه الله فسمي ذو القرنين. وعبد العزيز ضعيف، ولكن توبع على أبي الطفيل، أخرجه سفيان بن عيينة في جامعه عن ابن أبي حسين عن أبي الطفيل نحوه وزاد: وناصح الله فناصحه. وفيه لم يكن نبيا ولا ملكا. وسنده صحيح سمعناه في الأحاديث المختارة للحافظ الضياء، وفيه إشكال لأن قوله: "لم يكن نبيا" مغاير لقوله "بعثه الله إلى قومه" ، إلا أن يحمل البعث على غير رسالة النبوة. وقيل: كان ملكا من الملائكة حكاه الثعلبي، وهذا مروي عن عمر أنه سمع رجلا يقول يا ذا القرنين فقال: تسميه بأسماء الملائكة؟ وحكى الجاحظ في "الحيوان" أن أمه كانت من بنات آدم وأن أباه كان من الملائكة، قال واسم أبيه فيرى واسم أمه غيرى، وقيل: كان من الملوك وعليه الأكثر، وقد تقدم من حديث علي ما يومئ إلى ذلك، وسيأتي في ترجمة موسى في الكلام على أخبار الخضر، واختلف في سبب تسميته ذا القرنين فتقدم قول علي، وقيل: لأنه بلغ المشرق والمغرب أخرجه الزبير بن بكار من طريق سليمان بن أسيد عن ابن شهاب قال: إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرن الشمس من مطلعها، وقيل: لأنه ملكهما وقيل: رأى في منامه أنه أخذ بقرني الشمس، وقيل: كان له قرنان حقيقة، وهذا أنكره علي في رواية القاسم بن أبي بزة، وقيل: لأنه كان له ضفيرتان تواريهما ثيابه، وقيل: لأنه كانت له غديرتان طويلتان من شعره حتى كان يطأ عليهما، وتسمية الضفيرة من الشعر قرنا معروف ومنه قول أم عطية "وضفرنا شعرها ثلاثة قرون" ومنه قول جميل "فلثمت فاها آخذا بقرونها" وقيل: لأنه عمر حتى فني في زمنه قرنان من الناس، وقيل: لأن قرني الشيطان عند مطلع الشمس وقد بلغه، وقيل: لأنه كان كريم الطرفين أمه وأبوه من بيت شرف، وقيل: لأنه كان إذا قاتل قاتل بيديه وركابيه جميعا، وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر والباطن، وقيل: لأنه ملك فارس والروم. وقد اختلف في اسمه فروى ابن مردويه من حديث ابن عباس وأخرجه الزبير في "كتاب النسب" عن إبراهيم بن المنذر عن عبد العزيز بن عمران عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: ذو القرنين عبد الله بن الضحاك بن معد بن عدنان، وإسناده ضعيف جدا لضعف عبد الله وشيخه، وهو مباين لما تقدم أنه كان في زمن إبراهيم فكيف يكون من ذريته لا سيما على قول من قال كان بين عدنان وإبراهيم أربعون أبا أو أكثر، وقيل: اسمه الصعب وبه جزم كعب الأحبار وذكره ابن هشام في "التيجان" عن ابن عباس أيضا. وقال أبو جعفر بن حبيب في كتاب "المحبر" هو المنذر بن أبي القيس أحد ملوك الحيرة وأمه ماء السماء ماوية بنت عوف بن جشم، قال وقيل: اسمه الصعب بن قرن بن همال من ملوك حمير. وقال الطبري هو إسكندروس بن فيلبوس وقيل فيلبس وبالثاني جزم المسعودي، وقيل: اسمه الهميسع ذكره الهمداني في كتب النسب قال: وكنيته أبو الصعب وهو ابن عمرو بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وقيل: ابن عبد الله بن قرين بن منصور بن عبد الله بن الأزد، وقيل: بإسقاط عبد الله الأول، وأما قول ابن إسحاق الذي حكاه ابن هشام عنه أن اسم ذي القرنين مرزبان بن مردية، بدال مهملة وقيل: بزاي فقد صرح بأنه الإسكندر، ولذلك اشتهر على الألسنة لشهرة السيرة لابن إسحاق. قال السهيلي: والظاهر من علم الأخبار أنهما اثنان أحدهما كان على عهد إبراهيم ويقال إن إبراهيم تحاكم إليه في بئر السبع بالشام فقضى لإبراهيم والآخر كان قريبا من عهد عيسى. قلت: لكن الأشبه أن المذكور في القرآن هو الأول بدليل ما ذكر في ترجمة الخضر حيث جرى ذكره في قصة موسى قريبا أنه كان على مقدمة ذي القرنين، وقد ثبتت قصة الخضر مع موسى وموسى كان قبل زمن عيسى قطعا، وتأتي بقية أخبار الخضر هناك إن شاء الله تعالى. فهذا على طريق من يقول إنه الإسكندر، وحكى السهيلي أنه قيل: إنه رجل من ولد يونان بن يافث اسمه هرمس ويقال هرديس وحكى القرطبي المفسر تبعا للسهيلي أنه قيل إنه أفريدون، وهو الملك القديم للفرس الذي قتل الضحاك الجبار الذي يقول فيه الشاعر: فكأنه الضحاك في فتكاته بالعالمين وأنت أفريدون وللضحاك قصص طويلة ذكرها الطبري وغيره. والذي يقوي أن ذا القرنين من العرب كثرة ما ذكروه في أشعارهم، قال أعشى بني ثعلبة: والصعب ذو القرنين أمسى ثاويا بالحنو في جدث هناك مقيم والحنو بكسر المهملة وسكون النون في ناحية المشرق. وقال الربيع بن ضبيع: والصعب ذو القرنين عمر ملكه ألفين أمسى بعد ذاك رميما وقال قس بن ساعدة: والصعب ذو القرنين أصبح ثاويا باللحد بين ملاعب الأرياح وقال تبع الحميري: قد كان ذو القرنين قبلي مسلما ملكا تدين له الملوك وتحشد من بعده بلقيس كانت عمتي ملكتهم حتى أتاها الهدهد وقال بعض الحارثيين يفتخر بكون ذي القرنين من اليمن يخاطب قوما من مضر: سموا لنا واحدا منكم فنعرفه في الجاهلية لاسم الملك محتملا كالتبعين وذي القرنين يقبله أهل الحجا وأحق القول ما قبلا وقال النعمان بن بشير الأنصاري الصحابي ابن الصحابي: ومن ذا يعادينا من الناس معشر كرام وذو القرنين منا وحاتم انتهى. ويؤخذ من أكثر هذه الشواهد أن الراجح في اسمه الصعب، ووقع ذكر ذي القرنين أيضا في شعر امرئ القيس وأوس بن حجر وطرفة بن العبد وغيرهم. وأخرج الزبير بن إبراهيم بن المنذر عن محمد بن الضحاك بن عثمان عن أبيه عن سفيان الثوري قال: بلغني أنه ملك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان وكافران، سليمان النبي عليه السلام وذو القرنين ونمرود وبختنصر. ورواه وكيع في تفسيره عن العلاء بن عبد الكريم سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة فسماهم. قوله: (سببا طريقا) هو قول أبي عبيدة في "المجاز" ، وروى ابن أبي شيبة من حديث علي مرفوعا أنه قيل له: كيف بلغ ذو القرنين المشرق والمغرب؟ قال: سخر له السحاب وبسط له النور وبدت له الأسباب. قوله: (زبر الحديد واحدها زبرة وهي القطع) هو قول أبي عبيدة أيضا قال: زبر الحديد أي قطع الحديد واحدها زبرة. قوله: (حتى إذا ساوى بين الصدفين يقال عن ابن عباس الجبلين) وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: (بين الصدفين) قال: بين الجبلين. وقال أبو عبيدة: قوله: (بين الصدفين) أي ما بين الناحيتين من الجبلين. قوله: (والسدين الجبلين) روى ابن أبي حاتم من حديث عقبة بن عامر مرفوعا في قصة ذي القرنين وأنه سار حتى بلع مطلع الشمس، ثم أتى السدين وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء فبنى السدين، وفي إسناده ضعف، والسدين بالفتح والضم بمعنى قاله الكسائي. وقال أبو عمرو بن العلاء: ما كان من صنع الله فبالضم وما كان من صنع الآدمي فبالفتح، وقيل: بالفتح ما رأيته وبالضم ما توارى عنك. قوله: (خرجا أجرا) روى ابن أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: خرجا قال أجرا عظيما. قوله: (آتوني أفرغ عليه قطرا أصب عليه رصاصا ويقال الحديد ويقال الصفر وقال ابن عباس النحاس) أما القول الأول والثاني فحكاهما أبو عبيدة قال في قوله: (أفرغ عليه قطرا) أي أصب عليه حديدا ذائبا، وجعله قوم الرصاص انتهى. والرصاص بفتح الراء وبكسرها أيضا، وأما الثالث فرواه ابن أبي حاتم من طريق الضحاك قال: (أفرغ عليه قطرا) قال صفرا وأما قول ابن عباس فوصله ابن أبي حاتم بإسناد صحيح إلى عكرمة عن ابن عباس قال: (أفرغ عليه قطرا) قال: النحاس. ومن طريق السدي قال: القطر النحاس المذاب، وبناه لهم بالحديد والنحاس. ومن طريق وهب بن منبه قال: شرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل له عرقا من نحاس أصفر فصار كأنه برد محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد. قوله: (فما اسطاعوا أن يظهروه يعلوه) هو قول أبي عبيدة قال: (فما اسطاعوا أن يظهروه) أي أن يعلوه، تقول ظهرت فوق الجبل أي علوته. قوله: (اسطاع استفعل من طعت له فلذلك فتح أسطاع يستطيع وقال بعضهم استطاع يستطيع) يعني بفتح الهمزة من أسطاع وضم الياء من يسطيع. قوله: (جعله دكاء ألزقه بالأرض ويقال ناقة دكاء لا سنام لها والدكداك من الأرض مثله حتى صلب وتلبد) قال أبو عبيدة (جعله دكاء) أي تركه مدكوكا أي ألزقه بالأرض، ويقال ناقة دكاء أي لا سنام لها مستوية الظهر، والعرب تصف الفاعل والمفعول بمصدرهما فمن ذلك جعله دكا أي مدكوكا. قوله: (وقال قتادة (حدب) أكمة) قال عبد الرزاق في التفسير عن معمر عن قتادة في قوله: (حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون) قال من كل أكمة. ويأجوج ومأجوج قبيلتان من ولد يافث بن نوح، روى ابن مردويه والحاكم من حديث حذيفة مرفوعا "يأجوج أمة ومأجوج أمة كل أمة أربعمائة ألف رجل لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف رجل من صلبه كلهم قد حمل السلاح، لا يمرون على شيء إذا خرجوا إلا أكلوه، ويأكلون من مات منهم" وسيأتي مزيد لذلك في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى. وقد أشار النووي وغيره إلى حكاية من زعم أن آدم نام فاحتلم فاختلط منيه بتراب فتولد منه ولد يأجوج ومأجوج من نسله، وهو قول منكر جدا لا أصل له إلا عن بعض أهل الكتاب. وذكر ابن هشام في "التيجان" أن أمة منهم آمنوا بالله فتركهم ذو القرنين لما بنى السد بأرمينية فسموا الترك لذلك. قوله: (وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم رأيت السد مثل البرد المحبر قال رأيته) وصله ابن أبي عمر من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن رجل من أهل المدينة أنه "قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج، قال: كيف رأيته؟ قال مثل البرد المحبر طريقة حمراء وطريقة سوداء. قال: قد رأيته" ورواية الطبراني من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن رجلين عن أبي بكرة "أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:" فذكر نحوه وزاد فيه زيادة منكرة وهي: "والذي نفسي بيده لقد رأيته ليلة أسري بي لبنة من ذهب ولبنة من فضة" وأخرجه البزار من طريق يوسف بن أبي مريم الحنفي عن أبي بكرة ورجل رأى السد فساقه مطولا. فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد الحادي عشر >> كِتَاب الرِّقَاقِ >> باب الحديث: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ فَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يَلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أَحَدُكُمْ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا الشرح: قوله (باب) كذا للأكثر بغير ترجمة وللكشميهني "باب طلوع الشمس من مغربها" وكذا هو في نسخة الصغاني وهو مناسب ولكن الأول أنسب لأنه يصير كالفصل من الباب الذي قبله ووجه تعلقه به أن طلوع الشمس من مغربها إنما يقع عند إشراف قيام الساعة كما سأقرره. قوله (أبو الزناد عن عبد الرحمن) هو الأعرج وصرح به الطبراني في مسند الشامين عن أحمد بن عبد الوهاب عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه. قوله (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها إلخ) هذا بعض حديث ساقه المؤلف في أواخر كتاب الفتن بهذا الإسناد بتمامه وفي أوله "لا تقوم الساعة حتى يقتتل فئتان عظميتان" الحديث. وذكر فيه نحو عشرة أشياء من هذا الجنس ثم ذكر ما في هذا الباب وسأذكر شرحه مستوفي هناك وأقتصر هنا على ما يتعلق بطلوع الشمس لأنه المناسب لما قبله وما بعده من قرب القيامة خاصة وعامة. قال الطيبي: الآيات أمارات للساعة إما على قربها وإما على حصولها فمن الأول الدجال ونزول عيسى ويأجوج ومأجوج والخسف ومن الثاني الدخان وطلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة والنار التي تحشر الناس وحديث الباب يؤذن بذلك لأنه جعل في طلوعها من المغرب غاية لعدم قيام الساعة فيقتضي أنها إذا طلعت كذلك انتفى عدم القيام فثبت القيام. قوله (فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون) وقع في رواية أبي زرعة عن أبي هريرة في التفسير "فإذا رآها الناس آمن من عليها" أي على الأرض من الناس. قوله (فذاك) في رواية الكشميهني "فذلك" وكذا هو في رواية أبي زرعة ووقع في رواية همام عن أبي هريرة في التفسير أيضا "وذلك" بالواو. قوله (حين لا ينفع نفسا إيمانها الآية) كذا هنا وفي رواية أبي زرعة "إيمانها لم تكن آمنت من قبل" وفي رواية همام "إيمانها ثم قرأ الآية" قال الطبري: معنى الآية لا ينفع كافرا لم يكن آمن قبل الطلوع إيمان بعد الطلوع ولا ينفع مؤمنا لم يكن عمل صالحا قبل الطلوع عمل صالح بعد الطلوع لأن حكم الإيمان والعمل الصالح حينئذ حكم من آمن أو عمل عند الغرغرة وذلك لا يفيد شيئا كما قال تعالى (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) وكما ثبت في الحديث الصحيح "تقبل توبة العبد ما لم يبلغ الغرغرة" وقال ابن عطية: في هذا الحديث دليل على أن المراد بالبعض في قوله تعالى (يوم يأتي بعض آيات ربك) طلوع الشمس من المغرب وإلى ذلك ذهب الجمهور وأسند الطبري عن ابن مسعود أن المراد بالبعض إحدى ثلاث هذه أو خروج الدابة أو الدجال قال: وفيه نظر لأن نزول عيسى بن مريم يعقب خروج الدجال وعيسى لا يقبل إلا الإيمان فانتفى أن يكون بخروج الدجال لا يقبل الإيمان ولا التوبة. قلت: ثبت في صحيح مسلم من طريق أبي حازم عن أبي هريرة رفعه "ثلاث إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض" قيل فلعل حصول ذلك يكون متتابعا بحيث تبقى النسبة إلى الأول منها مجازية وهذا بعيد لأن مدة لبث الدجال إلى أن يقتله عيسى ثم لبس عيسى وخروج يأجوج ومأجوج كل ذلك سابق على طلوع الشمس من المغرب فالذي يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة بتغير الأحوال العامة في معظم الأرض وينتهي ذلك بموت عيسى بن مريم وأن طلوع الشمس من المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوي وينتهي ذلك بقيام الساعة ولعل خروج الدابة يقع في ذلك اليوم الذي تطلع فيه الشمس من المغرب. وقد أخرج مسلم أيضا من طريق أبي زرعة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رفعه "أول الآيات طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحى فأيهما خرجت قبل الأخرى فالأخرى منها قريب" وفي الحديث قصة لمروان بن الحكم وأنه كان يقول: أول الآيات خروج الدجال فأنكر عليه عبد الله بن عمرو. قلت: ولكلام مروان محمل يعرف مما ذكرته. قال الحاكم أبو عبد الله: الذي يظهر أن طلوع الشمس يسبق خروج الدابة ثم تخرج الدابة في ذلك اليوم أو الذي يقرب منه. قلت: والحكمة في ذلك أن عند طلوع الشمس من المغرب يغلق باب التوبة فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر تكميلا للمقصود من إغلاق باب التوبة وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التي تحشر الناس كما تقدم في حديث أنس في بدء الخلق في مسائل عبد الله بن سلام ففيه "وأما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب" وسيأتي فيه زيادة في "باب كيف الحشر" قال ابن عطية وغيره ما حاصله: معنى الآية أن الكافر لا ينفعه إيمانه بعد طلوع الشمس من المغرب وكذلك العاصي لا تنفعه توبته ومن لم يعمل صالحا من قبل ولو كان مؤمنا لا ينفعه العمل بعد طلوعها من المغرب. وقال القاضي عياض: المعنى لا تنفع توبة بعد ذلك بل يختم على عمل كل أحد بالحالة التي هو عليها. والحكمة في ذلك أن هذا أول ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلوي فإذا شوهد ذلك حصل الإيمان الضروري بالمعاينة وارتفع الإيمان بالغيب فهو كالإيمان عند الغرغرة وهو لا ينفع فالمشاهدة لطلوع الشمس من المغرب مثله. وقال القرطبي في "التذكرة" بعد أن ذكر هذا: فعلى هذا فتوبة من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد له مردودة فلو امتدت أيام الدنيا بعد ذلك إلى أن ينسى هذا الأمر أو ينقطع تواتره ويصير الخبر عنه آحادا فمن أسلم حينئذ أو تاب قبل منه. وأيد ذلك بأنه روى أن الشمس والقمر يكسيان الضوء بعد ذلك ويطلعان ويغربان من المشرق كما كانا قبل ذلك. قال وذكر أبو الليث السمرقندي في تفسيره عن عمران بن حصين قال: إنما لا يقبل الإيمان والتوبة وقت الطلوع لأنه يكون حينئذ صيحة فيهلك بها كثير من الناس فمن أسلم أو تاب في ذلك الوقت لم تقبل توبته ومن تاب بعد ذلك قبلت توبته. قال وذكر الميانشي عن عبد الله بن عمرو رفعه قال: تبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة. قلت: رفع هذا لا يثبت. وقد أخرجه عبد ابن حميد في تفسيره بسند جيد عن عبد الله بن عمرو موقوفا وقد ورد عنه ما يعارضه فأخرج أحمد ونعيم بن حماد من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو رفعه: الآيات خرزات منظومات في سلك إذا انقطع السلك تبع بعضها بعضا. وأخرج الطبراني من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو رفعه: إذا طلع الشمس من مغربها خر إبليس ساجدا ينادي إلهي مرني أن أسجد لمن شئت الحديث. وأخرج نعيم نحوه عن أبي هريرة والحسن وقتادة بأسانيد مختلفة. وعند ابن عساكر من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري رفعه: بين يدي الساعة عشر آيات كالنظم في الخيط إذا سقط منها واحده توالت. وعن أبي العالية بين أول الآيات وآخرها ستة أشهر يتتابعن كتتابع الخرزات في النظام. ويمكن الجواب عن حديث عبد الله بن عمرو بأن المدة ولو كانت كما قال عشرين ومائة سنة لكنها تمر مرورا سريعا كمقدار مرور عشرين ومائة شهر من قبل ذلك أو دون ذلك كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رفعه "لا تقوم الساعة حتى تكون السنة كالشهر" الحديث وفيه "واليوم كاحتراق السعفة" وأما حديث عمران فلا أصل له وقد سبقه إلى هذا الاحتمال البيهقي في "البعث والنشور" فقال في "باب خروج يأجوج ومأجوج" فصل ذكر الحليمي أن أول الآيات الدجال ثم نزول عيسى لأن طلوع الشمس من المغرب لو كان قبل نزول عيسى لم ينفع الكفار إيمانهم في زمانه ولكنه ينفعهم إذ لو لم ينفعهم لما صار الدين واحدا بإسلام من أسلم منهم. قال البيهقي: وهو كلام صحيح لو لم يعارض الحديث الصحيح المذكور أن "أول الآيات طلوع الشمس من المغرب" وفي حديث عبد الله بن عمرو طلوع الشمس أو خروج الدابة وفي حديث أبي حازم عن أبي هريرة الجزم بهما وبالدجال في عدم نفع الإيمان. قال البيهقي: إن كان في علم الله أن طلوع الشمس سابق احتمل أن يكون المراد نفي النفع عن أنفس القرن الذين شاهدوا ذلك فإذا انقرضوا وتطاول الزمان وعاد بعضهم إلى الكفر عاد تكليفه الإيمان بالغيب وكذا في قصة الدجال لا ينفع إيمان من آمن بعيسى عند مشاهدة الدجال وينفعه بعد انقراضه. وإن كان في علم الله طلوع الشمس بعد نزول عيسى احتمل أن يكون المراد بالآيات في حديث عبد الله بن عمرو آيات أخرى غير الدجال ونزول عيسى إذ ليس في الخبر نص على أنه يتقدم عيسى. قلت: وهذا الثاني هو المعتمد والأخبار الصحيحة تخالفه ففي صحيح مسلم من رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة رفعه "من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه" فمفهومه أن من تاب بعد ذلك لم تقبل. ولأبي داود والنسائي من حديث معاوية رفعه "لا تزال تقبل التوبة حتى يطلع الشمس من مغربها" وسنده جيد. وللطبراني عن عبد الله بن سلام نحوه. وأخرج أحمد والطبري والطبراني من طريق مالك بن يخامر بضم التحتانية بعدها خاء معجمة وبكسر الميم وعن معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو رفعوه "لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت طبع الله على كل قلب بما فيه وكفى الناس العمل" وأخرج أحمد والدارمي وعبد بن حميد في تفسيره كلهم من طريق أبي هند عن معاوية رفعه "لا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها" وأخرج الطبري بسند جيد من طريق أبي الشعثاء عن ابن مسعود موقوفا "التوبة مفروضة ما لم تطلع الشمس من مغربها" وفي حديث صفوان بن عسال "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن بالمغرب بابا مفتوحا للتوبة مسيرة سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه" أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح وأخرجه أيضا النسائي وابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان. وفي حديث ابن عباس نحوه عند ابن مردويه وفيه " فإذا طلعت الشمس من مغربها رد المصراعان فليتئم ما بينهما فإذا أغلق ذلك الباب لم تقبل بعد ذلك توبة ولا تنفع حسنة إلا من كان يعمل الخير قبل ذلك فإنه يجري لهم ما كان قبل ذلك "وفيه" فقال أبي بن كعب: فكيف بالشمس والناس بعد ذلك؟ قال: تكسي الشمس الضوء وتطلع كما كانت تطلع وتقبل الناس على الدنيا فلو نتج رجل مهرا لم يركبه حتى تقوم الساعة "وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند نعيم ابن حماد في كتاب الفتن وعبد الرزاق في تفسيره عن وهب بن جابر الخيواني بالخاء المعجمة قال" كنا عند عبد الله بن عمرو فذكر قصة قال ثم أنشأ يحدثنا قال: إن الشمس إذا غربت سلمت وسجدت واستأذنت في الطلوع فيؤذن لها حتى إذا كان ذات ليلة فلا يؤذن لها وتحبس ما شاء الله تعالى ثم يقال لها: اطلعي من حيث غربت قال فمن يومئذ إلى يوم القيامة لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل. وأخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق كذلك ومن طريق أخرى وزاد فيها قصة المتهجدين وأنهم هم الذين يستنكرون بطء طلوع الشمس. وأخرج أيضا من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال "تأتي ليلة قدر ثلاث ليال لا يعرفها إلا المتهجدون يقوم فيقرأ حزبه ثم ينام ثم يقوم فيقرأ ثم ينام ثم يقوم فعندها يموج الناس بعضهم في بعض حتى إذا صلوا الفجر وجلسوا فإذا هم بالشمس قد طلعت من مغربها فيضج الناس ضجة واحدة حتى إذا توسطت السماء رجعت" وعند البيهقي في "البعث والنشور" من حديث ابن مسعود نحوه "فينادي الرجل جاره يا فلان ما شأن الليلة لقد نمت حتى شبعت وصليت حتى أعييت" وعند نعيم بن حماد من وجه آخر عن عبد الله بن عمرو قال "لا يلبثون بعد يأجوج ومأجوج إلا قليلا حتى تطلع الشمس من مغربها فيناديهم مناد: يا أيها الذين آمنوا قد قبل منكم ويا أيها الذين كفروا قد أغلق عنكم باب التوبة وجفت الأقلام وطويت الصحف" ومن طريق يزيد بن شريح وكثير بن مرة "إذا طلعت الشمس من المغرب يطبع على القلوب بما فيها وترتفع الحفظة وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملا" وأخرج عبد بن حميد والطبري بسند صحيح من طريق عامر الشعبي عن عائشة "إذا خرجت أول الآيات طرحت الأقلام وطويت الصحف وخلصت الحفظة وشهدت الأجساد على الأعمال" وهو وإن كان موقوفا فحكمه الرفع. ومن طريق العوفي عن ابن عباس نحوه ومن طريق ابن مسعود قال "الآية التي يختم بها الأعمال طلوع الشمس من مغربها" فهذه آثار يشد بعضها بعضا متفقة على أن الشمس إذا طلعت من المغرب أغلق باب التوبة ولم يفتح بعد ذلك وأن ذلك لا يختص بيوم الطلوع بل يمتد إلى يوم القيامة ويؤخذ منها أن طلوع الشمس من مغربها أول الإنذار بقيام الساعة وفي ذلك رد على أصحاب الهيئة ومن وافقهم أن الشمس وغيرها من الفلكيات بسيطة لا يختلف مقتضياتها ولا يتطرق إليها تغيير ما هي عليه قال الكرماني: وقواعدهم منقوضة ومقدماتهم ممنوعة وعلى تقدير تسليمها فلا امتناع من انطباق منطقة البروج التي هي معدل النهار بحيث يصير المشرق مغربا وبالعكس. واستدل صاحب "الكشاف" بهذه الآية للمعتزلة فقال: قوله (لم تكن آمنت من قبل) صفة لقوله (نفسا) وقوله (أو كسبت في إيمانها خيرا) عطف على (آمنت) المعنى أن أشراط الساعة إذا جاءت وهي آيات ملجئة للإيمان ذهب أوان التكليف عندها فلم ينفع الإيمان حينئذ من غير مقدمة إيمانها قبل ظهور الآيات أو مقدمة إيمانها من غير تقديم عمل صالح فلم يفرق كما ترى بين النفس. الكافرة وبين النفس التي آمنت في وقته ولم تكتسب خيرا ليعلم أن قوله (الذين آمنوا عملوا الصالحات) جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تنفك إحداهما عن الأخرى حتى يفوز صاحبها ويسعد وإلا فالشقوة والهلاك. قال الشهاب السمين: قد أجاب الناس بأن المعنى في الآية أنه إذا أتى بعض الآيات لا ينفع نفسا كافرة إيمانها الذي أوقعته إذ ذاك ولا ينفع نفسا سبق إيمانها ولم تكسب فيه خيرا فقد علق نفي نفع الإيمان بأحد وصفين: إما نفي سبق الإيمان فقط وإما سبقه مع نفي كسب الخير ومفهومه أنه ينفع الإيمان السابق وحده وكذا السابق ومعه الخير ومفهوم الصفة قوي فيستدل بالآية لمذهب أهل السنة ويكون فيه قلب دليل المعتزلة دليلا عليهم. وأجاب ابن المنير في "الانتصاف" فقال: هذا الكلام من البلاغة يلقب اللف وأصله يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة قبل إيمانها بعد ولا نفسا لم تكسب خيرا قبل ما تكتسبه من الخير بعد فلف الكلامين فجعلهما كلاما واحدا إيجازا وبهذا التقرير يظهر أنها لا تخالف مذهب أهل الحق فلا ينفع بعد ظهور الآيات اكتساب الخير ولو نفع الإيمان المتقدم من الخلود فهي بالرد على مذهبه أولى من أن تدل له. وقال ابن الحاجب في أماليه: الإيمان قبل مجيء الآية نافع ولو لم يكن عمل صالح غيره ومعنى الآية لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها العمل الصالح لم يكن الإيمان قبل الآية أو لم يكن العمل مع الإيمان قبلها فاختصر للعلم ونقل الطيبي كلام الأئمة في ذلك ثم قال: المعتمد ما قال ابن المنير وابن الحاجب وبسطه أن الله تعالى لما خاطب المعاندين يقوله تعالى (وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه) الآية علل الإنزال بقوله (أن تقولوا إنما أنزل الكتاب) إلخ إزالة للعذر وإلزاما للحجة وعقبه بقوله (فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة) تبكيتا لهم وتقريرا لما سبق من طلب الاتباع ثم قال (فمن أظلم ممن كذب) الآية. أي أنه أنزل هذا الكتاب المنير كاشفا لكل ريب وهاديا إلى الطريق المستقيم ورحمة من الله للخلق ليجعلوه زادا لمعادهم فيما يقدمونه من الإيمان والعمل الصالح فجعلوا شكر النعمة أن كذبوا بها ومنعوا من الانتفاع بها ثم قال (هل ينظرون) الآية أي ما ينتظر هؤلاء المكذبون إلا أن يأتيهم عذاب الدنيا بنزول الملائكة بالعقاب الذي يستأصل شأفتهم كما جرى لمن مضى من الأمم قبلهم أو يأتيهم عذاب الآخرة بوجود بعض قوارعها فحينئذ تفوت تلك الفرصة السابقة فلا ينفعهم شيء مما كان ينفعهم من قبل من الإيمان وكذا العمل الصالح مع الإيمان فكأنه قيل يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها ولا كسبها العمل الصالح في إيمانها حينئذ إذا لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا من قبل ففي الآية لف لكن حذفت إحدى القرينتين بإعانة النشر ونظيره قوله تعالى (ومن يستنكف من عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا) قال: فهذا: الذي عناه ابن المنير بقوله إن هذا الكلام في البلاغة يقال له اللف والمعنى يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة من قبل ذلك إيمانها من بعد ذلك ولا ينفع نفسها كانت مؤمنة لكن لم تعمل في إيمانها عملا صالحا قبل ذلك ما تعمله من العمل الصالح بعد ذلك قال: وبهذا التقرير يظهر مذهب أهل السنة فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتساب الخير أي لإغلاق باب التوبة ورفع الصحف والحفظة وإن كان ما سبق قبل ظهور الآية من الإيمان ينفع صاحبه في الجملة. ثم قال الطيبي: وقد ظفرت بفضل الله بعد هدا التقرير على آية أخرى تشبه هذه الآية وتناسب هذا التقرير معنى ولفظا من غير إفراط ولا تفريط وهي قوله تعالى (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم) الآية فإنه يظهر منه أن الإيمان المجرد قبل كشف قوارع الساعة نافع وأن الإيمان المقارن بالعمل الصالح أنفع وأما بعد حصولها فلا ينفع شيء أصلا والله أعلم. انتهى ملخصا. قوله (ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته) بكسر اللام وسكون القاف بعدها مهملة هي ذات الدر من النوق. قوله (يليط حوضه) بضم أوله ويقال ألاط حوضه إذا مدره أي جمع حجارة فصيرها كالحوض ثم سد ما بينها من الفرج بالمدر ونحوه لينحبس الماء؛ هذا أصله وقد يكون للحوض خروق فيسدها بالمدر قبل أن يملأه وفي كل ذلك إشارة إلى أن القيامة تقوم بغتة كما قال تعالى (لا تأتيكم إلا بغتة) . فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد الحادي عشر >> كِتَاب الرِّقَاقِ >> باب قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ أَزِفَتْ الْآزِفَةُ اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ الحديث: حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُ يَا آدَمُ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ قَالَ يَقُولُ أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ قَالَ وَمَا بَعْثُ النَّارِ قَالَ مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ فَذَاكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ قَالَ أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفًا وَمِنْكُمْ رَجُلٌ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ قَالَ فَحَمِدْنَا اللَّهَ وَكَبَّرْنَا ثُمَّ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَطْمَعُ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنَّ مَثَلَكُمْ فِي الْأُمَمِ كَمَثَلِ الشَّعَرَةِ الْبَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الْأَسْوَدِ أَوْ الرَّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الْحِمَارِ الشرح: قوله (جرير) هو ابن عبد الحميد. قوله (عن الأعمش عن أبي صالح) في رواية أبي أسامة في بدء الخلق وحفص بن غياث في تفسير سورة الحج كلاهما "عن الأعمش حدثنا أبو صالح" وهو ذكوان وأبو سعيد هو الخدري. قوله (يقول الله) كذا وقع للأكثر غير مرفوع وبه جزم أبو نعيم في "المستخرج" وفي رواية كريمه بإثبات قوله "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا وقع لمسلم عن عثمان بن أبي شيبة عن جرير بسند البخاري فيه ونحوه في رواية أبي أسامة وحفص وقد ظهر من حديث أبي هريرة الذي قبله أن خطاب آدم بذلك أول شيء يقع يوم القيامة ولفظه "أول من يدعي يوم القيامة آدم عليه السلام فتراءى ذريته" بمثناة واحدة ومد ثم همزة مفتوحة ممالة وأصله فتتراءى فحذفت إحدى التاءين وتراءى الشخصان تقابلا بحيث صار كل منهما يتمكن من رؤية الآخر ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق الدراوردي عن ثور "فتتراءى له ذريته" على الأصل وفي حديث أبي هريرة "فيقال هذا أبوكم" وفي رواية الدراوردي "فيقولون هذا أبوكم" . قوله (فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك) في الاقتصار على الخير نوع تعطيف ورعاية للأدب وإلا فالشر أيضا بتقدير الله كالخير. قوله (أخرج بعث النار) في حديث أبي هريرة "بعث جهنم من ذريتك" وفي رواية أحمد "نصيب" بدل "بعث" والبعث بمعنى المبعوث وأصلها في السرايا التي يبعثها الأمير إلى جهة من الجهات للحرب وغيرها ومعناها هنا ميز أهل النار من غيرهم وإنما خص بذلك آدم لكونه والد الجميع ولكونه كان قد عرف أهل السعادة من أهل الشقاء فقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وعن يمينه أسودة وعن شماله أسودة الحديث كما تقدم في حديث الإسراء وقد أخرج ابن أبي الدنيا من مرسل الحسن قال "يقول الله لآدم: يا آدم أنت اليوم عدل بيني وبين ذريتك قم فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم" . قوله (قال وما بعث النار) الواو عاطفة على شيء محذوف تقديره سمعت وأطعت وما بعث النار أي وما مقدار مبعوث النار وفي حديث أبي هريرة "فيقول يا رب كم أخرج" . قوله (من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) في حديث أبي هريرة "من كل مائة تسعة وتسعين" قال الإسماعيلي: في حديث أبي سعيد "من كل ألف واحد" وكذا في حديث غيره ويشبه أن يكون حديث ثور يعني راويه عن أبي الغيث عن أبي هريرة وهما. قلت: ولعله يريد بقوله غيره ما أخرجه الترمذي من وجهين عن الحسن البصري عن عمران بن حصين نحوه وفي أوله زيادة قال "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فرفع صوته بهاتين الآيتين: يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم - إلى شديد فحث أصحابه المطي فقال: هل تدرون أي يوم ذاك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذاك يوم ينادي الله آدم" فذكر نحو حديث أبي سعيد وصححه وكذا الحاكم وهذا سياق قتادة عن الحسن من رواية هشام الدستوائي عنه ورواه معمر عن قتادة فقال عن أنس أخرجه الحاكم أيضا ونقل عن الذهلي أن الرواية الأولى هي المحفوظة وأخرجه البزار والحاكم أيضا من طريق هلال بن خباب بمعجمة وموحدتين الأولى ثقيلة عن عكرمة عن ابن عباس قال "تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ثم قال: هل تدرون" فذكر نحوه وكذا وقع في حديث عبد الله بن عمر وعند مسلم رفعه "يخرج الدجال - إلى أن قال - ثم ينفخ في الصور أخرى فإذا هم قيام ينظرون ثم يقال: أخرجوا بعث النار" وفيه "فيقال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون. فذاك يوم يجعل الولدان شيبا" وكذا رأيت هذا الحديث في مسند أبي الدرداء بمثل العدد المذكور رويناه في "فوائد طلحة بن الصقر" وأخرجه ابن مردويه من حديث أبي موسى نحوه فاتفق هؤلاء على هذا العدد ولم يستحضر الإسماعيلي لحديث أبي هريرة متابعا وقد ظفرت به في مسند أحمد فإنه أخرج من طريق أبي إسحاق الهجري وفيه مقال عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود نحوه. وأجاب الكرماني بأن مفهوم العدد لا اعتبار له فالتخصيص بعدد لا يدل على نفي الزائد والمقصود