بل أحسن صحبته، أخرجه بن مندة من حديث أبي هريرة بإسناد حسن، وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام فلذلك التمس من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحضر عنده ويصلي عليه، ولا سيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر والطبري من طريق سعيد كلاهما عن قتادة، قال: أرسل عبد الله بن أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما دخل عليه قال أهلكك حب يهود فقال يا رسول الله إنما أرسلت إليك لي ولم أرسل إليك لتوبخني، ثم سأله أن يعطيه قميصة يكفن فيه، وهذا مرسل مع ثقة رجاله. ويعضده ما أخرجه الطبراني من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما مرض عبد الله بن أبي جاءه النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه، فقال: قد فهمت ما تقول، فامنن عليّ فكفني في قميصك وصل عليّ ففعل، وكان عبد الله ابن أبي أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله، إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك، وهذا من أحسن الأجوبة فيا يتعلق بهذه القصة كذا في الفتح (فقال أعطني قميصك أكفنه) إلى قوله: (فأعطاه قميصه) هذا مخالف لحديث جابر عند البخاري. قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بعد ما دفن، فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه. قال الحافظ: قد جمع بينهما بأن معنى قوله في حديث ابن عمر فأعطاه، أي أنعم له بذلك، فأطلق على العدة اسم العطية مجازاً لتحقق وقوعها. وكذا قوله في حديث جابر بعد ما دفن عبد الله بن أبي، أي دلى في حفرته. وكان أهل عبد الله ابن أبي خشوا على النبي صلى الله عليه وسلم المشقة في حضوره، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته، فأمر بإخراجه إنجازاً لوعده في تكفينه في القميص والصلاة عليه. ووجه إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم قميصه لعبد الله بن أبي، مبين في حديث جابر. قال: لما كان يوم بدر أتى بأساري وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم له قميصاً فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه. فكساه النبي صلى الله عليه وسلم إياه، فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه الذي ألبسه. قال ابن عيينة: كانت له عند النبي صلى الله عليه وسلم يد فأحب أن يكافئه، رواه البخاري (فآذنوني) من الإيذان أي أعلموني (أليس قد نهى الله أن تصلي على المنافقين) وفي رواية البخاري: فقال يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه. قال الحافظ كذا في هذه الرواية: إطلاق النهي عن الصلاة. وقد استشكل جداً حتى أقدم بعضهم فقال: هذا وهم من بعض رواته، وعاكسه غيره فزعم أن عمر اطلع على نهي خاص في ذلك. وقال القرطبي: لعل ذلك وقع في خاطر عمر، فيكون من قبيل الإلهام. ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين" . سبل السلام، شرح بلوغ المرام، الإصدار ١.٠٤ - للصنعاني الجنائز: جمع جنازة بفتح الجيم وكسرها، وفي القاموس: الجنازة الميت ويفتح أو بالكسر الميت وبالفتح السرير أو عكسه أو بالكسر السرير مع الميت. [رح ١] ــــ عَنْ أَبي هُريرة رضي الله عنه قالَ: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "أَكْثروا ذِكْرَ هاذِم اللّذات: الموت" رواه التّرمذي والنسائيُّ وصحّحه ابنُ حبّان. ــ (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم "أكثروا ذكر هاذم اللّذات: المَوْت" ) بالكسر بدل من هاذم (رواه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان) والحاكم وابن السكن وابن طاهر وأعله الدارقطني بالإرسال. وفي الباب عن عمر وعن أنس وما تخلو عن مقال، قال المصنف في التلخيص نقلاً عن السهيلي: إن الرواية في هاذم بالذال المعجمة معناه القاطع وأمّا بالمهلة فمعناه المزيل للشيء وليس مراداً هنا، قال المصنف: وفي هذا النفي نظر لا يخفى (قلت) : يريد المعنى على الدال المهملة صحيح فإن الموت يزيل اللذات كما يقطعها ولكن العمدة الرواية. والحديث دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يغفل عن ذكر أعظم المواعظ وهو الموت، وقد ذكر في آخر الحديث فائدة الذكر بقوله "فإنكم لا تذكرونه في كثير إلا قلله ولا قليل إلا كثره" . وفي رواية للديلمي عن أبي هريرة "أكثروا ذكر الموت فما من عبد أكثر ذكره إلا أحيى الله قلبه وهوّن عليه الموت" وفي لفظ لابن حبان والبيهقي في شعب الإيمان "أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكره عبدٌ قط في ضيق إلا وسعه ولا في سعة إلا ضيقها" وفي حديث أنس عن ابن لال في مكارم الأخلاق "أكثروا ذكر الموت فإن ذلك تمحيص للذنوب وتزهيد في الدنيا" وعند البزار "أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه ولا في سعة إلا ضيقها" وعند ابن أبي الدنيا "أكثروا من ذكر الموت فإنه يمحق الذنوب ويزهد في الدنيا فإن ذكرتموه عند الغني هدمه وإن ذكرتموه عند الفقر أرضاكم بعيشكم" . [رح ٢] ــــ وعن أَنسٍ رضيَ الله عنهُ قال: "قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم:" لا يتمنّينَّ أَحدُكُم الموتَ لِضُرٍ نزل به، فإنْ كانَ لا بُدّ مُتمنياً فَليقُل: اللّهُمَّ أَحيني ما كانت الحياةُ خيْراً لي، وتَوَفّني إذا كانت الوفاةُ خيْراً لي "متفقٌ عليْه. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم (لا يتمنّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْت لضُرَ نزلَ به فإنْ كان لا بُدَّ) أي لا فرار ولا محالة كما في القاموس (مُتَمنِّياً فَلْيَقُل) بدلاً من لفظ التمني الدعاء وتفويض ذلك إلى الله: (اللهم أَحْيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفّني إذا كانت الوفاة خيراً لي، متفق عليه) . الحديث دليل على النهي عن تمني الموت للوقوع في بلاء أو محنة أو خشية ذلك من عدوُ أو مرض أو فاقة أو نحوها من مشاق الدنيا لما في ذلك من الجزع وعدم الصبر على القضاء وعدم الرضا. وفي قوله" لضر نزل به "ما يرشد إلى أنه إذا كان لغير ذلك من خوف فتنة في الدين فإنه لا بأس به، وقد دل له حديث الدعاء" إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون "، أو كان تمنياً للشهادة كما وقع ذلك لعبد الله ابن رواحة وغيره من السلف، وكما في قول مريم {يا ليتني مت قبل هذا} فإنها إنما تمنت ذلك لمثل هذا الأمر المخوف من كُفر من كَفر وشقاوة من شقي بسببها. وفي قوله:" فإن كان لا بدّ متمنياً "يعني إذا ضاق صدره وفقد صبره عدل إلى هذا الدعاء، وإلا فالأولى له أن لا يفعل ذلك. [رح ٣] ــــ وعن بريدةَ رضي اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال:" المؤْمِنُ يموتُ بِعَرَقِ الجبين "رواهُ الثلاثة وصحّحهُ ابنُ حبّان. (وعن بريدة رضي الله عنه هو ابن الحصيب (أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال:" المُؤْمِنُ يمُوتُ بعرقِ) بفتح العين المهملة والراء (الجبين ". رواه الثلاثة وصححه ابن حبان) وأخرجه أحمد وابن ماجه وجماعة، وأخرجه الطبراني من حديث ابن مسعود. وفيه وجهان: أحدهما: أنه عبارة عما يكابده من شدة السياق" النزع "الذي يعرق دونه جبينه أي يشدد عليه تمحيصاً لبقية ذنوبه، والثاني: أنه كناية عن كدّ المؤمن في طلب الحلال وتضييقه على نفسه بالصوم والصلاة حتى يلقى الله تعالى، فيكون الجارّ والمجرور في محل النصب على الحال. والمعنى على الأوّل أن حال الموت ونزوع الروح شديد عليه فهو صفة لكيفية الموت وشدته على المؤمن، والمعنى على الثاني أن يدركه الموت في حال كونه على هذه الحالة الشديدة التي يعرق منها الجبين فهو صفة للحال التي يفاجئه الموت عليها. [رح ٤] ــــ وعَنْ أَبي سعيد وأَبي هُريرة رضيَ الله عنهما قالا: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم:" لَقِّنوا مَوْتاكُم لا إله إلا الله "رَوَاهُ مسلمٌ والأرْبعةُ. (وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم:" لَقِّنُوا مَوْتاكم) أي الذين في سياق الموت فهو مجاز (لا إله إلا اللَّهُ "رواه مسلم والأربعة) وهذا لفظ مسلم، ورواه ابن حبان عن أبي هريرة بلفظه وزيادة،" فمن كان آخر قوله لا إله إلا الله دخل الجنة يوماً من الدهر وإن أصابه ما أصابه قبل ذلك "وقد غلط من نسبه إلى الشيخين أو إلى البخاري، وروى ابن أبي الدنيا عن حذيفة بلفظ" لقنوا موتاكم لا إله إلا الله، فإنها تهدم ما قبلها من الخطايا ". وفي الباب أحاديث صحيحة. وقوله:" لقنوا "المراد تذكير الذي في سياق الموت هذا اللفظ الجليل وذلك ليقولها، فتكون آخر كلامه فيدخل الجنة كما سبق، فالأمر في الحديث بالتلقين عام لكل مسلم يحضر وهو في سياق الموت، وهو أمر ندب، وكره العلماء الإكثار عليه والموالاة، لئلا يضجر ويضيق حاله ويشتد كربه، فيكره ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق، قالوا: وإذا تكلم مرة فيعاد عليه التعريض ليكون آخر كلامه، وكأن المراد بقول لا إله إلا الله أي وقول محمد رسول الله فإنها لا تقبل إحداهما إلا بالآخرى كما علم. والمراد" بموتاكم ": موتى المسلمين. وأما موتى غيرهم، فيعرض عليهم الإسلام، كما عرضه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على عمه عند السياق، وعلى الذمي الذي كان يخدمه، فعاده وعرض عليه الإسلام فأسلم، وكأنه خص في الحديث موتى أهل الإسلام لأنهم الذين يقبلون ذلك ولأن حضور أهل الإسلام عندهم هو الأغلب بخلاف الكفار فالغالب أنه لا يحضر موتاهم إلا الكفار . (فائدة) يحسن أن يُذكَّر المريض بسعة رحمة الله ولطفه وبرّه، فيحسن ظنه بربه. لما أخرجه مسلم من حديث جابر" سمعت رسول اللهصَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول قبل موته: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ". وفي الصحيحين مرفوعاً من حديث أبي هريرة" قال: قال الله: أنا عند ظن عبدي بي ". وروى ابن أبي الدنيا عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون أن يلقنوا العبد محاسن عمله عند موته، لكي يحسن ظنه بربه" وقد قال بعض أئمة العلم: إنه يحسن جمع أربعين حديثاً في الرجاء تقرأ على المريض فيشتد حسن ظنه بالله تعالى، فإنه تعالى عند ظن عبده به. وإذا امتزج خوف العبد برجائه عند سياق الموت فهو محمود. أخرج الترمذي بإسناد جيد من حديث أنس: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم دخل على شاب وهو في الموت فقال: "كيف تجدك؟" قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول اللهصَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجوه وآمنه مما يخاف" . (فائدة أخرى) ينبغي أن يوجه من هو في السياق إلى القبلة، لما أخرجه الحاكم وصححه من حديث أبي قتادة: أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حين قدم المدينة سأل عن البراء بن معرور قالوا: توفي وأوصى بثلث ماله لك يا رسول الله وأوصى أن يوجه للقبلة إذا احتضر، فقال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "أصاب الفطرة، وقد رددت ثلثه على ولده" ثم ذهب فصلى عليه وقال: "اللهم اغفر له وأدخله جنتك وقد فعلت" وقال الحاكم: لا أعلم في توجيه المحتضر للقبلة غيره. [رح ٥] ــــ وعن مَعْقل بن يسارٍ رضي اللَّهُ عنهُ أنَّ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: "اقرَءُوا على موتاكُم يس" رواهُ أبو داود والنسائي وصححه ابنُ حِبَّان. (وعن معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "اقرءُوا على مَوْتَاكُمْ) قال ابن حبان: أراد به من حضرته المنية لا أن الميت يقرأ عليه (يس" رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان) وأخرجه أحمد وابن ماجه من حديث سليمان التيمي عن أبي عثمان، وليس بالنهدي عن أبيه عن معقل بن يسار، ولم يقل النسائي وابن ماجه عن أبيه، وأعله ابن القطان بالاضطراب والوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه، ونقل عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث مضطرب الإسناد مجهول المتن ولا يصح، وقال أحمد في مسنده: حدثنا أبو المغيرة: حدثنا صفوان قال: كانت المشيخة يقولون: إذا قرئت يس عند الميت خفف عنه بها. وأسنده صاحب الفردوس عن أبي الدرداء وأبي ذر قالا: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "ما من ميت يموت فيقرأ عنده يس إلا هوّن الله عليه" اهـ. وهذان يؤيدان ما قاله ابن حبان من أن المراد به المحتضر وهما أصرح في ذلك مما استدل به. وأخرج أبو الشيخ في فضائل القرآن وأبو بكر المروزي في كتاب الجنائز عن أبي الشعثاء صاحب ابن عباس أنه يستحب قراءة سورة الرعد وزاد فإن ذلك يخفف عن الميت وفيه أيضاً عن الشعبي قال: كانت الأنصار يستحبون أن يقرءُوا عند الميت سورة البقرة. [رح ٦] ــــ وعَنْ أُمِّ سَلَمة رضيَ الله عَنْها قالت: دَخلَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على أَبي سَلَمَةَ وقد شَقَّ بصرهُ فَأَغْمَضَهُ ثمَّ قال: "إن الرُّوح إذا قُبض تَبِعهُ الْبصرُ" فَضَجَّ ناسٌ من أَهلْهِ، فقال: "لا تدعُوا على أَنفسكُمْ إلا بخير فإن الملائكةَ يُؤَمِّنُون على ما تقُولون" ثمَّ قال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأبي سَلمة، وارْفَعْ درجتهُ في المهْديِّين، وافْسح لَهُ في قبره ونوِّرْ لَهُ فيه، واخلْفهُ في عقبه "رواهُ مُسْلمٌ. (وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أبي سلمة وقد شَقَّ بصره) في شرح مسلم أنه بفتح الشين ورفع بصره فاعل شق هكذا ضبطناه وهو المشهور، وضبطه بعضهم بصره بالنصب وهو صحيح أيضاً فالشين مفتوحة بلا خلاف. (فأغمضه ثم قال:" إن الرُّوح إذا قُبض تبعه البصرُ "فضج ناس من أهله فقال:" لا تَدعُوا على أنْفُسكم إلا بخَيْر فإنَّ الملائكة يؤمنون على ما تقُولون ") أي من الدعاء (ثم قال: اللّهُم اغفر لأبي سلَمَة وارفَعْ درجته في المَهْديّين، وافْسح لهُ قبرهِ، ونَوِّرْ لهُ فيه واخْلفْهُ في عقِبه" رواه مسلم) يقال: شق الميت بصره إذا حضره الموت وصار ينظر إلى الشيء لا يرتد عنه طرفه. وفي إغماضه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم طرفه دليل على استحباب ذلك، وقد أجمع عليه المسلمون. وقد علل في الحديث ذلك بأن البصر يتبع الروح أي ينظر أين يذهب. والحديث من أدلة من يقول إن الأرواح لطيفة متحللة في البدن، وتذهب الحياة من الجسد بذهابها، وليس عرضاً كما يقوله آخرون. وفيه دليل على أنه يدعى للميت عند موته، ولأهله، وعقبه، بأمور الآخرة والدنيا. وفيه دلالة على أن الميت ينعم في قبره أو يعذب. [رح ٧] ــــ وعن عائشة رضي الله عنها "أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حين تُوُفي سُجِّيَ بِبُرْد حِبَرَة" مُتّفقٌ عليه. (وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حين توفي سجي ببرد حبرة) بالحاء المهملة فموحدة فراء فتاء تأنيث بزنة عنبة (متفق عليه) . التسجية بالمهملة والجيم التغطية أي: غطي، والبرد يجوز إضافته إلى الحبرة ووصفه بها، والحبرة ما كان لها أعلام، وهي من أحب اللباس إليه صلى الله عليه وآله وسلم. وهذه التغطية قبل الغسل. قال النووي في شرح مسلم: إنه مجمع عليها، وحكمته صيانة الميت عن الانكشاف، وستر صورته المتغيرة عن الأعين، قالوا: وتكون التسجية بعد نزع ثيابه التي توفي فيها لئلا يتغير بدنه بسببها. [رح ٨] ــــ وعنها رضي الله عنها أَنَّ أَبا بكر الصِّديق رضي الله عنْهُ قَبّلَ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعْدَ مَوْتِه "رواهُ البخاريُّ. (وعنها) أي عائشة رضي الله عنها (أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قَبّل النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعد موته. رواه البخاري) . استدل به على جواز تقبيل الميت بعد موته، وعلى أنها تندب تسجيته، وهذه أفعال صحابة بعد وفاته لا دليل فيها لانحصار الأدلة في الأربعة نعم هذه الأفعال جائزة على أصل الإباحة وقد أخرج الترمذي من حديث عائشة أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قبّل عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي أو قال: وعيناه تذرفان .. قال الترمذي: حديث عائشة حسن صحيح. [رح ٩] ــــ وعن أَبي هُريرة رضي الله عنْهُ عن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ:" نَفْسُ المؤمن مُعلّقةٌ بِدَيْنِهِ حَتى يُقْضى عَنْهُ "رواهُ أَحْمدُ والترمذيُّ وحسّنَهُ. وقد ورد التشديد في الدين حتى ترك صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم الصلاة على من مات وعليه دين حتى تحمله عنه بعض الصحابة، وأخبر صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أنه يغفر للشهيد عند أول دفعة من دمه كل ذنب إلا الدين. وهذا الحديث من الدلائل على أنه لا يزال الميت مشغولاً بدينه بعد موته، ففيه حث على التخلص عنه قبل الموت، وأنه أهم الحقوق، وإذا كان هذا الدين المأخوذ برضا صاحبه فكيف بما أخذ غصباً ونهباً وسلباً؟ [رح ١٠] ــــ وعن ابن عباسٍ رضيَ اللَّهُ عنهُما أَنَّ النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال في الذي سقط عنْ راحلته فمات:" اغْسِلُوهُ بماءٍ وسِدْرٍ وكفنوهُ في ثَوْبَيْنِ "مُتّفقٌ عليهِ. (وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال في الذي سقط عن راحلته فمات) وذلك هو واقف بعرفة على راحلته كما في البخاري: (اغْسلوه بماءٍ وسِدْر وكفنُوه في ثوبين" متفق عليه) تمامه "ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه" وبعده في البخاري "فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً ". الحديث دليل على وجوب غسل الميت، قال النووي: الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية، قال المصنف بعد نقله في الفتح: وهو ذهول شديد فإن الخلاف فيه مشهور عند المالكية، حتى إن القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سنة. ولكن الجمهور على وجوبه، وقد رد ابن العربي على من لم يقل بذلك وقال: وقد توارد القول والعمل وغسل الطاهر المطهر فكيف بمن سواه؟. ويأتي كمية الغسلات في حديث أمّ عطية قريباً. وقوله:" بماء وسدر "ظاهره: أنه يخلط السدر بالماء في كل مرة من مرات الغسل، قيل: وهو يشعر بأنّ غسل الميت للتنظيف لا للتطهير، لأن الماء المضاف لا يتطهر به؛ قيل: وقد يقال يحتمل أنّ السدر لا يغير وصف الماء فلا يصير مضافاً، وذلك بأن يمعك بالسدر ثم يغسل بالماء في كل مرة، وقال القرطبي: يجعل السدر في ماء ثم يخضخض إلى أن تخرج رغوته ويدلك به جسد الميت ثم يصب عليه الماء القراح هذه غسلة؛ وقيل: لا يطرح السدر في الماء أي لئلا يمازج الماء فيغير وصف الماء المطلق. وتمسك بظاهر الحديث بعض المالكية فقال: غسل الميت إنما هو للتنظيف فيجزي الماء المضاف كما الورد ونحوه، وقالوا: إنما يكره لأجل السرف. والمشهور عند الجمهور أنه غسل تعبدي يشترط فيه ما يشترط في الاغتسالات الواجبة والمندوبة. وفي الحديث النهي عن تحنيطه ولم يذكره المصنف كما عرفت، وتعليله بأنه يبعث ملبياً يدل على أن علة النهي كونه مات محرماً، فإذا انتفعت العلة انتفى النهي، وهو يدل على أنّ الحنوط للميت كان أمراً متقرّراً عندهم. وفيه أيضاً النهي عن تخمير وتغطية رأسه لأجل الإحرام، فمن ليس بمحرم يحنط ويخمر رأسه. والقول بأن ينطع حكم الإحرام بالموت كما تقول الحنفية وبعض المالكية خلاف الظاهر، وقد ذكر في الشرح خلافهم وأذلتهم وليست بناهضة في مخالفة ظاهر الحديث فلا حاجة إلى سردها. وقوله" وكفنوه في ثوبين "يدل على وجوب التكفين، وأنه لا يشترط فيه أن يكون وتراً، وقيل: يحتمل أن الاقتصار عليهما لأنه مات فيهم وهو متلبس بتلك العبادة الفاضلة، ويحتمل أنه لم يجد له غيرهما، وأنه من رأس المال، لأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أمر به ولم يستفصل هل عليه دين مستغرق أم لا؟ وورد الثوبان في هذه الرواية مطلقين وفي رواية في البخاري" في ثوبيه "وللنسائي" في ثوبيه اللذين أحرم فيهما "قال المصنف: فيه استحباب تكفين الميت في ثياب إحرامه؛ وأن إحرامه باق وأنه لا يكفن في المخيط. وفي قوله" يبعث ملبياً "ما يدل لمن شرع في عمل طاعة في حيل بينه وبين تمامها بالموت أنه يرجى له أن يكتبه الله في الآخرة من أهل ذلك العمل. [رح ١١] ــــ وعَنْ عائشةَ رضي الله عَنْها قالتْ:" لمّا أَرادُوا غُسْلَ رسولِ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالوا: واللَّهِ ما نَدْري نُجَرِّد رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من ثيابه كما نُجَرِّدُ مَوْتانا أَمْ نغسله وعليه ثيابه؟ "الحديثَ، رواهُ أَحْمَدُ وأَبو داود. وتمامه عند أبي داود" فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ثم كلمهم ملكهم من ناحية البيت، لا يدرون من هو: أن اغسلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليه ثيابه فقاموا إلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه بالقميص دون أيديهم ". وكانت عائشة تقول:" لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلا نساؤه "وفي رواية لابن حبان" وكان الذي أجلسه في حجره علي بن أبي طالب رضي الله عنه "وروى الحاكم قال:" غسل النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عليّ رضي الله عنه وعلى يد عليّ خرقة فغسله فأدخل يده تحت القميص فغسله والقميص عليه "وروى ذلك الشافعي عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه. وفي هذه القصة دلالة على أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كغيره من الموتى. [رح ١٢] ــــ وعنْ أُمِّ عطيّة رضي الله عَنْها قالت: دخل عَلَيْنا النّبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ونحْن نغسِّل ابنته فقال:" اغْسِلْنها ثلاثاً أوْ خمساً أَوْ أَكثر منْ ذلك إن رأَيْتُنَّ ذلك بماءٍ وسِدْرٍ، واجْعَلْن في الآخرة كافوراً أو شَيْئاً مِنْ كافور "فلَمّا فرغْنا آذَنّاهُ فأَلقى إليْنا حِقْوَه فقالَ:" أَشْعِرْنها إيّاهُ "مُتفقٌ عليه. وفي رواية" ابْدأنَ بميامِنها ومَوَاضِع الوضُوءِ منها "وفي لفظٍ للبخاري" فَضَفَرْنا شَعْرها ثلاثة قرونٍ فَأَلْقيْناها خلفها ". (وعن أمّ عطية رضي الله عنها تقدم اسمها وفيه خلاف وهي أنصارية (قالت: دخل علينا النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ونحن نغسل ابنته) لم تقع في شيء من روايات البخاري مسماة، والمشهور أنها زينب زوج أبي العاص كانت وفاتها في أوّل سنة ثمان، ووقع في روايات أنها أم كلثوم. ووقع في البخاري عن ابن سيرين:" لا أدري أي بناته "(فقال:" اغْسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إنْ رأَيتن ذلك بماءٍ وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أَوْ شيئاً من كافور ") هو شك من الروايات أي اللفظين قال. والأول محمول على الثاني لأنه نكرة في سياق الإثبات، فيصدق بكل شيء منه (فلما فرغنا آذناه) في البخاري" أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال لهنّ: فإذا فرغتن آذنني "ووقع في رواية البخاري" فلما فرغن "عوضاً عن فرغنا (فألقى إلينا حقوه) في لفظ البخاري" فأعطانا حِقوه "وهو بفتح المهملة ويجوز كسرها وبعدها قاف ساكنة والمراد هنا الإزار. وأطلق على الإزار مجازاً إذ معناه الحقيقي معقد الإزار فهو من تسمية الحال باسم المحل (فقال:" أَشْعرنْها إيّاه "متفق عليه) أي اجعلنه شعارها أي الثوب الذي يلي جسدها (وفي رواية) أي للشيخين عن أم عطية (ابْدَأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" ) (وفي لفظ للبخاري) أي عن أم عطية (فَضَفَرنا شعرها ثلاثة قُرون فأَلْقيناها خلْفها) . دل الأمر في قوله "اغسلنها ثلاثاً" على أنه يجب ذلك العدد. والظاهر الإجماع على إجزاء الواحدة فالأمر بذلك محمول على الندب. وأما أصل الغسل فقد علم وجوبه من محل آخر، وقيل: تجب الثلاثة. وقوله: "أو خمساً" أو للتخيير لا للترتيب هو الظاهر. وقوله: "أو أكثر" قد فسر في رواية أو سبعاً بدل قوله أو أكثر من ذلك، وبه قال أحمد وكره الزيادة على سبع، قال ابن عبد البر: لا أعلم أحداً قال بمجاوزة السبع، إلا أنه وقع عند أبي داود "أو سبعاً أو أكثر من ذلك" ، ظاهرها شرعية الزيادة على السبع. وتقدم الكلام في كيفية غسلة السدر. قالوا: والحكمة فيه أنه يليّن جسد الميت. وأما غسله الكافور فظاهره أنه يجعل الكافور في الماء ولا يضر الماء تغييره به، والحكمة فيه أنه يطيب رائحة الموضع لأجل من حضر من الملائكة وغيرهم، مع أنه فيه تجفيفاً وتبريداً وقوة نفوذ، وخاصية في تصليب جسد الميت وصرف الهوام عنه، ومنع ما يتحلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إليه، وهو أقوى الروائح الطيبة في ذلك. وهذا هو السر في جعله في الآخرة إذ لو كان في الأولى مثلاً لأذهبه الماء. وفيه دلالة على البداءة في الغسل بالميامن، والمراد بها ما يلي الجانب الأيمن. وقوله: "ومواضع الوضوء منها" ليس بين الأمرين تناف لإمكان البداءة بمواضع الوضوء وبالميامن معاً، وقيل المراد: ابدأن بميامنها في الغسلات التي لا وضوء فيها ومواضع الوضوء منها في الغسلة المتصلة بالوضوء. والحكمة في الأمر بالوضوء تجديد سمة المؤمن في ظهور أثر الغرة والتحجيل، وظاهر موضع الوضوء دخول المضمضة والاستنشاق. وقولها "ضفرنا شعرها" استدل به على ضفر شعر الميت، وقال الحنفية: يرش شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقاً. قال القرطبي: كأن سبب الخلاف أن الذي فعلته أم عطية لم يكن عن أمره صلى الله عليه وآله وسلم. ولكنه قال المصنف: إنه قد روى سعيد بن منصور ذلك بلفظ "قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اغسلنها وتراً واجعلن شعرها ضفائر" وفي صحيح ابن حبان "اغسلنها ثلاثة أو خمساً أو سبعاً واجعلن لها ثلاثة قرون" . والقرن هنا المراد به الضفائر، وفي بعض ألفاظ البخاري "ناصيتها وقرنيها" ففي لفظ ثلاثة قرون تغليب، والكل حجة على الحنفية، والضفر يكون بعد نقض شعر الرأس وغسله وهو في البخاري صريحاً. وفيه دلالة على إلقاء الشعر خلفها، وذهل ابن دقيق العيد عن كون هذه الألفاظ في البخاري فنسب القول به إلى بعض الشافعية وأنه استند في ذلك إلى حديث غريب. [رح ١٣] ــــ وعنْ عائشة رضيَ اللَّهُ عَنْها قالتْ: "كُفّن رسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في ثلاثَةِ أَثْوابٍ بيضٍ سُحُوليّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْس فيها قميصٌ ولا عِمامةٌ" مُتّفَقٌ عليه. (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كفن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في ثلاثة أثواب بيض سُحولية) بضم السين المهملة والحاء المهملة (من كُرْسُف) بضم الكاف وسكون الراء وضم السين المهملة ففاء أي قطن (ليس فيها) أي الثلاثة (قميص ولا عمامة) بل إزار ورداء ولفافة كما صرح به في طبقات ابن سعد عن الشعبي (متفق عليه) . فيه أن الأفضل التكفين في ثلاثة أثواب بيض، لأن الله تعالى لم يكن يختار لنبيه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلا الأفضل، وقد روى أهل السنن من حديث ابن عباس "البسوا ثياب البياض فإنها أطيب وأطهر وكفنوا فيها موتاكم" وصححه الترمذي والحاكم، وله شاهد من حديث سمرة أخرجوه وإسناده صحيح أيضاً. (وللخمسة) أي من حديث أبي هريرة، (وصححه ابن حبان بلفظ: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" ، وقال النسائي: هذا خطأ) أخرجه المذكورين من حديث عليّ بن عبد الله البارقي عن ابن عمر بهذا، وأصله في الصحيحين بدون ذكر النهار، وقال ابن عبد البر: لم يقله أحد عن ابن عمر غير عليّ وأنكروه عليه، وكان ابن معين يضعف حديثه هذا ولا يحتج به، ويقول: إن نافعاً وعبد الله بن دينار وجماعة رووه عن ابن عمر بدون ذكر النهار، وروي بسنده عن يحيى بن معين أنه قال: صلاة النهار أربع لا يفصل بينهن فقيل له: فإن أحمد بن حنبل يقول: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، قال: بأي حديث قيل بحديث الأزدي، قال: ومن الأزدي حتى أقبل منه. قال النسائي: هذا الحديث عندي خطأ، وكذا قال الحاكم في علوم الحديث، وقال الدارقطني في العلل: ذكر النهار فهي وهم، وقال الخطابي: روي هذا الحديث طاوس ونانع وغيرهما عن ابن عمر فلم يذكر أحد فيه النهار إلا أن سبيل الزيادة من الثقة أن تقبل، وقال البيهقي: هذا حديث صحيح، وقال: والبارقي احتج به مسلم والزيادة من الثقة مقبولة، انتهى كلام المصنف في التلخيص. وأما ما تقدم في حديث عائشة "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سجي ببرد حبرة" وهي برد يماني مخطط غالي الثمن، فإنه لا يعارض ما هنا لأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يكفن في ذلك البرد بل سجوه به ليتجفف فيه ثم نزعوه عنه كما أخرجه مسلم، على أن الظاهر أن التسجية كانت قبل الغسل. قال الترمذي: تكفينه في ثلاثة أثواب بيض أصح ما رود في كفنه. وأما ما أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديث علي رضي الله عنه "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كفن في سبعة أثواب" فهو من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل وهو سيء الحفظ يصلح حديثه في المتابعات إلا إذا انفرد فلا يحسن، فكيف إذا خالف كما هنا. فلا يقبل، قال المصنف: وقد روى الحاكم من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر ما يعضد رواية ابن عقيل. فإن ثبت، جمع بينه وبين حديث عائشة بأنها روت ما اطلعت عليه وهو الثلاثة، وغيرها روى ما اطلع عليه سيما إن صحت الرواية عن علي فإنه كان المباشر للغسل. واعلم أنه يجب من الكفن ما يستر جميع جسد الميت، فإن قصر عن ستر الجميع قدم ستر العورة، فما زاد عليها ستر به من جانب الرأس وجعل على الرجلين حشيش، كما فعل النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في عمه حمزة ومصعب بن عمير. فإذا أريد الزيادة على الواحد، فالمندوب أن يكون وتراً، ويجوز الاقتصار على الاثنين كما مر في حديث المحرم الذي مات، وقد عرفت من رواية الشعبي كيفية الثلاثة، وأنها إزار ورداء ولفافة، وقيل مئزر ودرجان، وقيل يكون منها قميص غير مخيط وإزار يبلغ من سرته إلى ركبته، ولفافة يلف بها من قرنه إلى قدمه، وتأول هذا القائل قول عائشة: "ليس فيها قميص ولا عمامة" بأنها أرادت نفي وجود الأمرين معاً لا القميص وحده، أو أن الثلاث خارجة عن القميص والعمامة، والمراد أن الثلاثة مما عداها وإن كانا موجودين، وهذا بعيد جداً، قيل والأولى أن يقال أن التكفين بالقميص وعدمه سواء يستحبان فإنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كفن عبد الله بن أُبَيْ في قميصه أخرجه. البخاري. ولا يفعل صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلا ما هو الأحسن. وفيه أن قميص الميت مثل قميص الحي مكفوفاً مزروراً، وقد استحب هذا محمد بن سيرين كما ذكره البيهقي في الخلافيات، قال في الشرح: وفي هذا رد على من قال إنه لا يشرع القميص إلا إذا كانت أطرافه غير مكفوفة. قلت: وهذا يتوقف على أن كف أطراف القميص كان عرف أهل ذلك العصر. [رح ١٤] ــــ وعن ابنِ عُمَر رضي الله عنهما قال: "لمّا تُوفِّي عبد الله ابنُ أُبيَ جَاءَ ابْنُهُ إلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقَال: أَعْطني قميصكَ أُكَفِّنْهُ فيهِ، فَأَعطاهُ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قميصه" مُتّفقٌ عَلَيْهِ. (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لما توفي عبد الله بن أُبيّ جاء ابنه) هو عبد الله بن عبد الله (إلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقال: اعطني قميصك أكفنه فيه، فأعطاه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قميصه. متفق عليه) . هو دليل على شرعية التكفين في القميص كما سلف قريباً. وظاهر هذه الرواية أنه طلب القميص منه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قبل التكفين إلا أنه قد عارضها ما عند البخاري من حديث جابر: "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أتى عبد الله بن أبيّ بعد ما دفن فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه" فإنه صريح أنه كان الإعطاء والإلباس بعد الدفن، وحديث ابن عمر يخالفه، وجمع بينهما بأن المراد من قوله في حديث ابن عمر فأعطاه أي أنعم له بذلك فأطلق على العدة اسم العطية مجازاً لتحقق وقوعها، وكذا قوله في حديث جابر "بعد ما دفن" أي دُلِّيَ في حفرته أو أن المراد من حديث جابر أن الواقع بعد إخراجه من حفرته هو النفث، وأما القميص فقد كان ألبس، والجمع بينهما لا يدل على وقوعهما معاً لأن الواو لا تقتضي الترتيب ولا المعية فلعله أراد أن يذكر ما وقع في الجملة من إكرامه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم من غير إرادة الترتيب. وقيل إنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أعطاه أحد قميصيه أوّلا ولما دفن أعطاه الثاني بسؤال ولده عبد الله. وفي الإكليل للحاكم ما يؤيد ذلك. واعلم أنه إنما أعطى عبد الله بن عبد الله بن أبيّ لأنه كان رجلاً صالحاً ولأنه سأله ذلك وكان لا يرد سائلاً، وإلا فإن أباه الذي ألبسه قميصه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وكفن فيه من أعظم المنافقين ومات على نفاقه، وأنزل الله فيه: {ولا تصل على أحد منهم مات أبداً} . وقيل إنما كساه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قميصه لأنه كان كسا العباس لما أُسر ببدر فأراد صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أن يكافئه. [رح ١٥] ــــ وعن ابنِ عبّاسٍ رضيِ الله عَنْهُما أَنَّ النبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ: "البسُوا مِنْ ثيابكُمُ الْبَيَاض فإنها مِنْ خَيْر ثيابكُمْ، وكفِّنوا فيها موتاكُم" رواهُ الخمسةُ إلا النّسائيَّ وصححهُ الترمذيُّ. تقدم حديث البخاري عن عائشة: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كفن في ثلاثة أثواب بيض. وظاهر الأمر أنه وجب التكفين في الثياب البيض ويجب لبسها إلا أنه صرف الأمر عنه في اللبس أنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه لبس غير الأبيض، وأما التكفين فالظاهر أنه لا صارف عنه إلا أنه لا يوجد الأبيض كما وقع في تكفين شهداء أُحد فإنه صلى الله عليه وآله وسلم كفن جماعة في نمرة واحدة كما يأتي فإنه لا بأس به للضرورة. وأما ما رواه ابن عدي من حديث ابن عباس: "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كفن في قطيفة حمراء" ففيه قيس بن الربيع وهو ضعيف وكأنه اشتبه عليه بحديث: أنه جعل في قبره قطيفة حمراء، وكذلك ما قيل إنه كفن في بردة حبرة وتقدم الكلام أنه إنما سجي بماء ثم نزعت عنه. [رح ١٦] ــــ وعن جابِرٍ رضيَ الله عنهُ قال قال النبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إذَا كَفّنَ أَحَدُكُم أَخاهُ فَلْيُحسن كَفَنهُ" رواهُ مسلْمٌ. ورواه الترمذي أيضاً في حديث أبي قتادة وقال: حسن غريب. ثم قال: وقال: ابن المبارك: قال سَلاَّم بن أبي مطيع في قوله "فليحسن كفنه" قال: هو الصفاء بالضاد المعجمة والفاء أي الواسع الفائض. وفي الأمر بإحسان الكفن دلالة على اختيار ما كان أحسن في الذات، وفي صفة الثوب، وفي كيفية وضع الثياب على الميت. فأما حسن الذات فينبغي أن يكون على وجه لا يعد من المغالاة كما سيأتي النهي عنه. وأما صفة الثوب فقد بينها حديث ابن عباس الذي قبل هذا. وأما كيفية وضع الثياب على الميت فقد بينت فيما سلف. وقد وردت أحاديث في إحسان الكفن وذكرت فيها علة ذلك: أخرج الديلمي عن جابر مرفوعاً "أحسنوا كفن موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون بها في قبورهم" وأخرج أيضاً من حديث أم سلمة: "أحسنوا الكفن ولا تؤذوا موتاكم بعويل ولا بتزكية ولا بتأخير وصية ولا بقطيعة وعجلوا بقضاء دَيْنه واعدلوا عن جيران السوء وأعمقوا إذا حفرتم ووسعوا" . ومن الإحسان إلى الميت ما أخرجه أحمد من حديث عائشة عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "من غسل ميتاً فأدّى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه" . وقال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لِيَلِهِ أقربكم إن كان يعلم فإن لم يكن يعلم فمن ترون عنده حظاً من ورع وأمانة" رواه أحمد. وأخرج الشيخان من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة" . وأخرج عبد الله بن أحمد من حديث أبيّ بن كعب: إن آدم عليه السلام قبضته الملائكة وغسلوه وكفنوه وحنطوه وحفروا له وألحدوه وصلوا عليه ودخلوا قبره ووضعوا عليه اللبن ثم خرجوا من القبر ثم حثوا عليه التراب ثم قالوا: يا بني آدم هذا سنتكم. [رح ١٧] ــــ وعَنْهُ رضي اللَّهُ عنهُ قالَ: "كانَ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَجْمَعُ بيْنَ الرَّجُلين من قتْلى أُحُدٍ في ثَوْبٍ واحد ثمَّ يقُولُ:" أَيُّهمْ أَكْثرُ أَخْذا للقُرآن؟ "فيَقُدِّمُهُ في اللّحد، ولم يُغَسّلوا ولم يُصَلَّ عليهم" رواه البخاريُّ. (وعنه) أي عن جابر (قال: كان النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد ثم يقول: "أَيُّهمْ أَكْثر أخذاً للقرآن" فيقدّمه في اللحد) سمي لحداً لأنه شق يعمل في جانب القبر فيميل عن وسطه والإلحاد لغة الميل (ولم يغسلوا ولم يصلّ عليهم. رواه البخاري) . دل على أحكام (الأول) أنه يجوز جمع الميتين في ثوب واحد للضرورة وهو أحد الاحتمالين (والثاني) أن المراد يقطعه بينهما ويكفن كل واحد على حياله وإلى هذا ذهب الأكثرون، بل قيل إن الظاهر أنه لم يقل بالاحتمال الأول أحد فإن فيه التقاء بشرتي الميتين ولا يخفى أن قول جابر في تمام الحديث فكفن أبي وعمي في نمرة واحدة. دليل على الاحتمال الأول، وأما الشارح رحمه الله فقال: الظاهر الاحتمال الثاني كما فعل في حمزة رضي الله عنه (قلت) : حديث جابر أوضح في عدم تقطيع الثوب بينهما فيكون أحد الجائزين، والتقطيع جائز على الأصل. (الحكم الثاني) أنه دل على أنه يقدّم الأكثر أخذاً للقرآن على غيره لفضيلة القرآن ويقاس عليه سائر جهات الفضل إذا جمعوا في اللحد. (الحكم الثالث) جمع جماعة في قبر وكأنه للضرورة وبوّب البخاري "باب دفن الرجلين والثلاثة في قبر" وأورد فيه حديث جابر هذا وإن كان رواية جابر في الرجلين، فقد وقع ذكر الثلاثة في رواية عبد الرزاق: كان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد. وروى أصحاب السنن عن هشام بن عامر الأنصاري قال: جاءت الأنصار إلى رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وسلم يوم أحد فقالوا: أصابنا قرح وجهد، فقال: احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر. صححه الترمذي. ومثله المرأتان والثلاث: وأما دفن الرجل والمرأة في القبر الواحد فقد روى عبد الرزاق بإسناد حسن عن واثلة بن الأسقع "أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه" وكأنه كان يجعل بينهما حائلا من تراب. (الحكم الرابع) أنه لا يغسل الشهيد وإليه ذهب الجمهور ولأهل المذاهب تفاصيل في ذلك. وروي عن سعيد بن المسيب والحسن وابن سريج أنه يجب غسله. والحديث حجة عليهم، وقد أخرج أحمد من حديث جابر أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال في قتلى أحد: "لا تغسلوهم فإن كل جرحٍ أو كل دم يفوح مسكاً يوم القيامة" فبين الحكمة في ذلك. (الحكم الخامس) عدم الصلاة على الشهيد وفي ذلك خلاف بين العلماء معروف فقالت طائفة: يصلى عليه عملاً بعموم أدلة الصلاة على الميت وبأنه روي "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى على قتلى أُحد، وكبر على حمزة سبعين تكبيره" ، وبأنه روى البخاري عن عقبة بن عامر "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلّى على قتلى أحد" وقالت طائفة: لا يصلى عليه عملا برواية جابر هذه. قال الشافعي: جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة "أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يصل على قتلى أُحد" وما روي أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلّى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحيي على نفسه. قال: وأما