الناس يوم الحج الأكبر) قيل هو يوم عرفة وقيل يوم النحر، ويأتي الكلام فيه في شرح حديث علي رضي الله عنه "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم" أي تعرضها "عليكم حرام" أي محرم ليس لبعضكم أن يتعرض لبعض فيريق دمه أو يسلب ماله، أو ينال من عرضه "كحرمة يومكم هذا" يعني تعرض بعضكم دماء بعض وأمواله وأعراضه في غير هذه الأيام كحرمة التعرض لها في هذا اليوم "في بلدكم هذا" أي مكة أو الحرم المحترم "في شهركم هذا" أي ذي الحجة "ألا لا يجني جان إلا على نفسه" تقدم شرحه في باب تحريم الدماء والأموال من أبواب الفتن "ألا" حرف التنبيه "إن المسلم أخو المسلم" أي في الدين "فليس يحل لمسلم" أي لا يجوز ولا يباح له "إلا ما أحل من نفسه" أي ما أباح له أخوه من نفسه "وإن كل رباً في الجاهلية موضوع" أي كالشيء الموضوع تحت القدم، وهو مجاز عن إب طاله "لكم رؤوس" أي أصول "أموالكم لا تظلمون" بزيادة "ولا تظلمون" بنقص "غير ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله" كذا وقع عند الترمذي في حديث عمرو بن الأحوص، ولم يظهر لي معنى الاستثناء ووقع عند ابن أبي حاتم من طريق شيبان عن شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن الأحوص عن أبيه قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال ألا إن كل رباً كان في الجاهلية موضوع عنكم كله لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول رباً موضوع رباً العباس بن عبد المطلب موضوع كله. وفي حديث جابر عند مسلم: وربا الجاهلية موضوعة وأول ما أضع رباً ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله. قال النووي: قوله صلى الله عليه وسلم في الربا إنه موضوع كله، معناه الزائد على رأس المال، كما قال الله تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم} وهذا الذي ذكرته إيضاح، وإلا فالمقصود مفهوم من نفس لفظ الحديث، لأن الربا هو الزيادة فإذا وضع الربا فمعناه وضع الزيادة، والمراد بالوضع: الرد والإبطال انتهى. "وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع" أي متروك لا قصاص ولا دية ولا كفارة "وأول دم أضع" أي أضعه وأبطله "دم الحارث بن عبد المطلب" وفي حديث جابر عند مسلم: وإن أول دم أضع من دمائنا دم بن ربيعة بن الحارث. قال النووي: قال المحققون والجمهور اسم هذا الابن إياس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقيل اسمه حارثة، وقيل آدم. قال الدارقطني: وهو تصحيف، وقيل اسمه تمام، وممن سماه آدم الزبير بن بكار. قال القاضي عياض: ورواه بعض رواة مسلم دم ربيعة بن الحارث قال وكذا رواه أبو داود، وقيل وهو وهم، والصواب بن ربيعة لأن ربيعة عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى زمن عمر بن الخطاب، وتأويله أبو عبيد فقال: دم ربيعة لأنه ولي الدم فنسبه إليه، قالوا وكان هذا الابن المقتول طفلاً صغيراً يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبين ليث بن بكر. قاله الزبير بن بكار انتهى (كان مسترضعاً) على بناء المجهول أي كان له ظئر ترضعه في بني ليث (ألا) بالتخفيف للتنبيه "فاستوصوا بالنساء خيراً" الاستيصاء: قبول الوصية، أي أوصيكم بهن خيراً فاقبلوا وصيتي فيهن. وقال الطيبي: الأظهر أن السين للطلب، أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في أنفسهن بخير أو يطلب بعضكم من بعض بالإحسان في حقهن، وقيل الاستيصاء بمعنى الإيصاء "فإنما هن عوان عندكم" جمع عانية، أي أسراء كالأسراء، شبهن بهن عند الرجال لتحكمهن فيهن. قال في النهاية: العاني الأسير، وكل من ذل واستكان وخضع، فقد عنا يعنو، أو هو عان والمرأة عانية وجمعها عوان {ليس تملكون منهن شيئاً} أي شيئاً من الملك أو شيئاً من الهجران والضرب {غير ذلك} أي غير الاستيصاء بهن الخير (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) الفاحشة كل ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي، وكثيراً ما ترد بمعنى الزنا، وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة من الأقوال والأفعال {فإن فعلن} أي أتين بفاحشة {فاهجروهن في المضاجع} قال ابن عباس: هو أن يوليها ظهره في الفراش ولا يكلمها، وقيل هو أن يعتزل عنها إلى فراش آخر (واضربوهن ضرباً غير مبرح) بضم الميم وفتح الموحدة وتشديد الراء المكسورة، قال النووي: الضرب المبرح هو الضرب الشديد الشاق، ومعناه اضربوهن ضرباً ليس بشديد ولا شاق، والبرح: المشقة {فإن أطعنكم} أي فيما يراد منهن {فلا تبغوا عليهن سبيلاً} أي فلا تطلبوا عليهن طريقاً إلى هجرانهن وضربهن ظلماً {فلا يوطئن} بهمزة أو بإبدالها من باب الأفعال {فرشكم} بالنصب مفعول أول (من تكرهون) مفعول ثان أي من تكرهونه رجلاً كان أو امرأة. قال النووي: المختار أن معناه أن لا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم. سواء كان المأذون له رجلاً أجنبياً أو امرأة أو أحداً من محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك {ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون} هذا كالتفسير لما قبله وهو عام (ألا وإن حقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن أو طعامهن) وفي حديث جابر عند مسلم: ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن ماجه من طريق أبي الأحوص، عن شبيب بن غرقدة، وأخرجه الترمذي أيضاً من هذا الطريق في باب تحريم الدماء والأموال. ـ قوله: (حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث) بن سعيد بن ذكوان العنبري البصري، صدوق من الحادية عشرة. قوله: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر فقال: يوم النحر) فيه دليل لمن يقول إن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر. ولحديث على هذا شاهد من حديث ابن عمر عند أبي داود وابن ماجه، وذكره البخاري تعليقاً. وقد وردت في ذلك أحاديث أخرى ذكرها الحافظ ابن كثير وغيره. واختاره ابن جرير وهو قول مالك والشافعي والجمهور. وقال آخرون منهم عمرو ابن عباس وطاوس: إنه يوم غرفة والأول أرجح. وحديث علي هذا قد تقدم مرفوعاً وموقوفاً في أواخر أبواب الحج وأخرجه أيضاً ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. ـ قوله: (وعبد الصمد) بن عبد الوارث. قوله: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم ببراءة) يجوز فيه التنوين بالرفع على الحكاية وبالجر ويجوز أن يكون علامة الجر فتحة وهو الثابت في الروايات (مع أبي بكر) وكان بعثه قبل حجة الوداع بسنة، وكانت الحجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة (ثم دعاه) أي ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر {فقال لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي فدعا علياً} قال العلماء: إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده، أو من هو منه بسبيل من أِل بيته فأجراهم في ذلك على عادتهم، ولهذا قال: لا يبلغ هذا إلا أنا أو رجل من أهلي (فأعطاه إياه) أي فاعط علياً براءة. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد. ـ قوله: (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو الإمام البخاري رحمه الله (أخبرنا سعيد بن سليمان) الضبي أبو عثمان الواسطي، نزيل بغداد البزاز لقبه سعدويه ثقة حافظ من كبار العاشرة. قوله: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر) وروى الطبري عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أميراً على الحج وأمره أن يقيم للناس حجهم، فخرج أبو بكر (وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات) أي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن ينادي بها. وعند أحمد من حديث علي: لما نزلت عشر آيات من براءة بعث بها النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني فقال: أدرك أبا بكر فحيثما لقيته فخذ منه الكتاب، فرجع أبو بكر فقال يا رسول الله نزل في شيء فقال: لا: إلا أنه لن يؤدي أو لكن جبريل قال لا يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك. قال ابن كثير: ليس المراد أن أبا بكر رضي الله عنه رجع من فوره بل بعد قضائه للمناسك التي أمره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحافظ في الفتح: ولا مانع من حمله على ظاهره لقرب المسافة، وأما قوله عشر آيات: فالمراد أولها {إنما المشركون نجس} (ثم أتبعه علياً) أي أتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أباً بكر علياً رضي الله تعالى عنها (إذ سمع رغاء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بضم الراء وبالمد صوت ذوات الخف، وقد رغا البعير يرغو رغاء بالضم والمد: أي ضج (القصوى) هو لقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم (فدفع إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أي دفع أبو بكر إلى علي كتابه صلى الله عليه وسلم (فسيحوا) سيروا آمنين أيها المشركون (في الأرض أربعة أشهر) يأتي الكلام عليه في شرح حديث علي الاَني بعد هذا (ولا يحجن بعد العام) أي بعد الزمان الذي وقع فيه الإعلام بذلك (فإذا عيى) بكسر التحتية الأولى. يقال عيى يعيى عيا وعياء بأمره وعن أمره: عجز عنه ولم يطق أحكامه أو لم يهتد لوجه مراده وعيى يعيى عياً في المنطق: حصر. تنبيه: قال الخازن قد يتوهم متوهم أن في بعث علي بن أبي طالب بقراءة أول براءة عزل أبي بكر عن الإمارة وتفضيله على أبي بكر وذلك جهل من هذا الموهم، ويدل على أن أبا بكر لم يزل أميراً على الموسم في تلك السنة حديث أبي هخريرة عند الشيخين أن أبا بكر بعثه في الحجة التي أمره رسول اصلى الله عليه وسلم عليها قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس الحديث، وفي لفظ أبي داود والنسائي قال: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن في يوم النحر بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فقوله بعثني أبو بكر: فيه دليل على أن أبا بكر كان هو الأمير على الناس، وهو الذي أقام للناس حجهم وعلمهم مناسكهم وأجاب العلماء عن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً ليؤذن في الناس ببراءة بأن عادة العرب جرت أن لا يتولى تقرير العهد ونقضه إلا سيد القبيلة وكبيرها، أو رجل من أقاربه، وكان علي بن أبي طالب أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أبي بكر لأنه ابن عمه ومن رهطه، فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم ليؤذن عنه ببراءة إزاحة لهذه العلة لئلا يقولوا هذا على خلاف ما نعرفه عن عادتنا في عقد العهود ونقضها. وقيل: لما خص أبا بكر لتوليته على الموسم خص علياً بتبليغ هذه الرسالة تطييباً لقلبه ورعاية لجانبه، وقيل إنما بعث علياً في هذه الرسالة حتى يصلي خلف أبي بكر ويكون جارياً مجرى التنبيه على إمامة أبي بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا بكر أميراً على الحاج وولاه الموسم وبعث علياً خلفه ليقرأ على الناس ببراءة، فكان أبو بكر الإمام وعلى المؤتم، وكان أبو بكر رضي الله عنه الخطيب، وعلى المستمع. وكان أبو بكر المتولي أمر الموسم والأمير على الناس ولم يكن ذلك لعلي، فدل ذلك على تقديم أبي بكر علي علي وفضله عليه انتهى. قلت: ومما يدل على أن أبا بكر لم يزل أميراً على الموسم في تلك السنة حديث جابر عند الطبري وإسحاق في مسنده والنسائي والدارمي وابن خزيمة وابن حبان أن النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج فأقبلنا معه حتى إذا كنا بالعرج ثوب بالصبح فسمع رغوة ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا على عليها، فقال له: أمير أو رسول فقال: بل أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة أقرؤها على الناس الحديث. ـ قوله: (ومن كان بينه وبين النبي عهد فهو إلى مدنه. ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر) . قال الحافظ: أستدل بهذا على أن قوله تعالى: "فسيحوا في الأرض أربعة أشهر" يختص بمن لم يكن له عهد مؤقت أو لم يكن له عهد أصلاً، وأما من له عهد مؤقت فهو إلى مدته. فروى الطبري من طريق ابن إسحاق قال: هم صنفان: صنف كن له عهد دون أربعة أشهر فأمهل إلى تمام أربعة أشهر، وصنف كانت له مدة عهده بغير أجل فقصرت على أربعة أشهر. وروى أيضاً من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أن الأربعة الأشهر أجل من كان له عهد مؤقت بقدرها أو يزيد عليها، وأما من ليس له عهد فانقضاؤه إلى سلخ المحرم لقوله تعالى: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين" ومن طريق عبيدة ابن سلمان: سمعت (عن) الضحاك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد ناساً من المشركين من أهل مكة وغيرهم فنزلت براءة فنبذ إلى كل أحد عهده وأجلهم أربعة أشهر، ومن لا عهد له فأجله إلى انقضاء الأشهر الحرم. ومن طريق السدي نحوه، ومن طريق معمر عن الزهري قال: كان أول الأربعة أشهر عند نزول براءة في شوال، فكان آخرها آخر المحرم، فبذلك يجمع بين ذكر الأربعة أشهر، وبين قوله: "فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين" واستبعد الطبري ذلك من حيث أن بلوغهم الخبر إنما كان عندما وقع به النداء به في ذي الحجة، فكيف يقال لهم: سبحوا أربعة أشهر ولم يبق منها إلا دون الشهرين؟ ثم أسند عن السدي وغير واحد التصريح بأن تمام الأربعة الأشهر في ربيع الاَخر انتهى. قوله: (وفيه عن أبي هريرة) أي وفي الباب عن أبي هريرة، وكذا قال الترمذي في باب كراهية الطواف عرياناً بعد رواية حديث زيد بن يثيع المذكور وتقدم تخريجه هناك. قوله: (حدثنا نصر بن علي وغير واحد الخ) هذه العبارة من هنا إلى قوله ولا يتابع عليه، وقد وقعت في بعض النسخ وسقطت في بعضها (عن ابن أثيع وعن ابن يثيع) هذا بيان لقوله كلتا الروايتين (والصحيح زيد بن يثيع) أي بالتحتانية. قال في تهذيب التهذيب: قال الأثرم عن أحمد المحفوظ بالياء (وقال زيد بن أثيل) أي باللام مكان العين (ولا يتابع عليه) أي لا يتابع شعبة على لفظ أثيل. قال الدورى عن ابن معين قال شعبة عن أبي إسحاق عن زيد بن أثيل قال ابن معين: والصواب: يثبع وليس أحد يقول أثيل إلا شعبة وحده، كذا في تهذيب التهذيب. ـ قوله: (إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد) وفي الرواية الاَتية يتعاهد، قال في المجمع: أي يتجافظ، وروى يعتاد وهو أقوى سنداً وأوفق معنى لشموله جميع ما يناط بالمسجد من العمارة واعتياد الصلاة وغيرها، وتقدم هذا الحديث مع شرحه في باب حرمة الصلاة من أبواب الإيمان. قوله: (أخبرنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي (عن عمرو بن الحارث) الأنصاري المصري (العتواري) بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية وبراء نسبة إلى عتورة بطن من كنانة. قوله: (حدثنا عبيد الله بن موسى) العبسى الكوفي (عن ثوبان) الهاشمي مولى النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (فقال بعض أصحابه أنزلت في الذهب والفضة) أي هذه الاَية، وعرفنا حكمهما ومذمتهما (لو علمنا) لو للتمني (أي المال خير) مبتدأ وخبر والجملة سدت مسد المفعولين لعلمنا تعليقاً (فتتخذه) منصوب بإضمار أن بعد الفاء جواباً للتمني، قيل السؤال، وإن كان من تعيين المال ظاهراً لكنهم أراد، وما ينتفع به عند تراكم الحوائج، فذلك أجاب عنه بما أجاب، ففيه شائبة عن الجواب عن أسلوب الحكيم (فقال أفضله) أي أفضل المال أو أفضل ما يتخذه الإنسان قنية (لسان ذاكر) أي بتمجيد الله تعالى وتقديسه وتسبيحه وتهليله والثناء عليه بجميع محامده وتلاوة القرآن (وقلب شاكر) أي على إنعامه وإحسانه (وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه) أي على دينه بأن تذكره الصلاة والصوم وغيرهما من العبادات وتمنعه من الزنا وسائر المحرمات. قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وابن ماجه. ـ قوله: (عن غطيف بن أعين) الشيباني الجزري، ويقال بالضاد المعجمة، ضعيف من السابعة كذا في التقريب، وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته: روى له الترمذي حديثاً واحداً وقال ليس بمعروف في الحديث. قوله: (وفي عنقي صليب) هو كل ما كان على شكل خطين متقاطعين. وقال في المجمع: هو المربع من الخشب للنصاري يدعون أن عيسى عليه السلام صلب على خشبة على تلك الصورة (إطرح عنك) أي ألق عن عنتك (هذا الوثن) هو كل ماله جثة معمولة من جواهر الأرض أو من الخشب والحجارة، كصورة الاَدمي، والصنم: الصورة بلا جثة، وقيل هما سواء، وقد يطلق الوثن على غير الصورة، ومنه حديث عدي قدمت عليه صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال: ألق هذا الوثن عنك، قاله في المجمع (اتخذوا أخبارهم) أي علماء اليهود (ورهبانهم) أي عباد النصاري (أرباباً من دون الله) حيث اتبعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله. قال أي النبي صلى الله عليه وسلم (أما) بالتخفيف حرف التنبيه (إذا أحلوا لهم شيئاً) أي جعلوا لهم حلالاً وهو مما حرمه الله تعالى (استحلوه) أي اعتقدوه حلالاً (وإذا حرموا عليهم شيئاً) أي وهو مما أحله الله (حرموه) أي اعتقدوه حراماً. قال في فتح البيان: في هذه الاَية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، عن التقليد في دين الله، وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدي بقوله ويستن بسنته من علماء هذه الأمة، مع مخالفته لما جاءت به النصوص وقامت به حجج الله وبراهينه هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أرباباً من دون الله للقطع بأنهم لم يعبدوهم بل أطاعوهم وحرموا ما حرموا وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة، وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة، والتمرة بالتمرة، والماء بالماء. فياعباد الله ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانباً وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله لهم بهما، وطلبه للعمل منهم بما دلا عليه وأفاداه فعملتم بما جاءوا به من الاَراء التي لم تعمد بعماد الحق، ولم تعضد بعضد الدين ونصوص الكتاب والسنة، تنادي بأبلغ نداء، وتصوت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه، فأعرتموها آذاناً صماً، وقلوباً غلفاً، وأذهاناً كليلة، وخواطر عليلة، وأنشدتم بلسان الحال: وما أنا إلا من غزية إن غوتغويت وإن ترشد غزية أرشد. انتهى. وقال الرازي في تفسيره: قال شيخنا ومولانا خاتمة المحققين والمجتهدين رضي الله عنه قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل فكانت مذاهبهم بخلاف تلك الاَيات، فلم يقبلوا تلك الاَيات ولم يلتفتوا إليها وبقوا ينظرون إلى كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الاَيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت إلى خلافها، ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء سارياً في عروق الأكثرين من أهلي الدنيا انتهى. قوله: (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه وأحمد ابن جرير وابن سعد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه. ـ قوله: (حدثنا همام) هو ابن يحيى الأزدي العوذي (حدثنا ثابت) هو البناني: قوله: (قلت للنبي صلى الله عليه وسلم ونحن في الغار) وفي رواية للبخاري فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم (لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا) فيه مجيء لو الشرطية للاستقبال خلافاً للأكثر، واستدل من جوزه بمجيء الفعل المضارع بعدها كقوله تعالى: (لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم) وعلى هذا فيكون قاله حالة وقوفهم على الغار، وعلى قول الأكثر يكون قاله بعد مضيهم شكراً لله تعالى على صيانتهما منهم، ووقع في مغازي عروة بن الزبير في قصة الهجرة قال: وأتى المشركون على الجبل الذي فيه الغار الذي فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى طلعوا فوقه، وسمع أبو بكر أصواتهم فأقبل عليه الهم والخوف، فعند ذلك يقول له النبي صلى الله عليه وسلم لا تحزن إن الله معنا، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت عليه السكينة، وفي ذلك يقول عز وجل "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا الاَية" وهذا يقوى أنه قال: ما في حديث الباب حينئذ، ولذلك أجابه بقوله: لا تحزن. فقال يا أبا بكر: ما ظنك باثنين الله ثالثهما. قال الحافظ في رواية موسى: فقال اسكت يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما، وقوله اثنان خبر مبتدأ محذوف تقديره نحن اثنان، ومعنى ثالثهما: ناصرهما ومعينهما وإلا فالله ثالث كل اثنين بعلمه انتهى. وقال النووي: معناه ثالثهما بالنصر والمعونة والحفظ والتسديد، وهو داخل في قوله تعالى "إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" وفيه بيان عظيم توكل النبي صلى الله عليه وسلم حتى في هذا المقام، وفيه فضيلة لأبي بكر رضي الله عنه، وهي من أجل مناقبه، والفضيلة من أوجه: منها بذلة نفسه ومفارقته أهله وماله ورياسته في طاعة الله ورسوله وملازمة النبي صلى الله عليه وسلم ومعاداة الناس فيه، ومنها جعله نفسه وقاية عنه وغير ذلك انتهى. قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه الشيخان. ـ قوله: (لما توفي عبد الله بن أبي) بن سلول بفتح المهملة وضم اللام وسكون الواو بعدها لام، هو اسم امرأة وهي والدة عبد الله المذكور وهي خزاعية، وأما هو فمن الخزرج أحد قبيلتي الأنصار، وابن سلول يقرأ بالرفع لأنه صفة عبد الله لا صفة أبيه (أعلى عدو الله) أي أتصلي على عدو الله (القائل يوم كذا وكذا كذا وكذا بعد أيامه) يشير بذلك إلى مثل قوله: "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا" إلى مثل قوله "ليخرجن الأعز منها الأذل" ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم استشكل تبسمه صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة مع ما ثبت أن ضحكه صلى الله عليه وسلم كان تبسماً ولم يكن عند شهود الجنائز يستعمل ذلك، وجوابه أنه عبر عن طلاقة وجهه بذلك تأنيساً لعمر وتطييباً لقلبه كالمعتذر عن ترك قبول كلامه ومشورته (قال أخر عني) أي كلامك (قد خيرت) أي بين الاستغفار وعدمه (استغفر) يا محمد لهم (أو لا نستغفر لهم) تخيير له في الاستغفار وتركه (إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) قيل المراد بالسبعين المبالغة في كثرة الاستغفار، وقيل المراد العدد المخصوص لقوله صلى الله عليه وسلم وسأزيده على السبعين، فبين له حسم المغفرة بآية: "سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم" كما في رواية البخاري (فعجب لي وجرأتي) بضم الجيم وسكون الراء بعدها همزة، أي إقدامي عليه. وفي رواية البخاري: فعجبت بعد من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم