رَكِبَ حِمَاراً عَلَيْهِ إكَافٌ، تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأَرْدَفَ وَرَاءهُ أُسَامَةَ، وَهُوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَذَاكَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، حَتَّىَ مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلاَطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ والْيَهُودِ، فِيهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ. قوله: (رَكِبَ حِمَاراً، عَلَيْهِ إكَافٌ، تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ) الإكاف: بكسر الهمزة، ويقال: وكاف أيضاً. والقَطِيفَة: دثار مجمل، جمعها: قطائف، وقطف. والفَدَكِيَّة: منسوبة إلى فدك، بلدة معروفة على مرحلتين أو ثلاث من المدينة. قوله: (وَأَرْدَفَ وَرَاءهُ أُسَامَةَ، وَهُوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ) فيه: جواز الإرداف على الحمار وغيره من الدَّواب إذا كان مطيقاً. وفيه: جواز العيادة راكباً. وفيه: أنَّ ركوب الحمار ليس بنقص في حقِّ الكبار. (ج/ص: ١٢/ ١٥٨) فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ. ثُمَّ قَالَ: لاَ تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ، فَدَعَاهُمْ إلَىَ اللهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أَيُّهَا الْمَرْءُ! لاَ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا، إنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقَّاً، فَلاَ تُؤْذِنَا فِي مَجَالِسِنَا، وَارْجِعْ إلَىَ رَحْلِكَ، فَمَنْ جَاءكَ مِنَّا فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: اغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ، حَتَّىَ هَمُّوا أَنْ يَتَوَاثَبُوا، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ حَتَّىَ دَخَلَ عَلَىَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ. فَقَالَ: "أَيْ سَعْدُ! أَلَمْ تَسْمَعْ إلَىَ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ -يُرِيدُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ- قَالَ: كَذَا وَكَذَا" . قَالَ: اعْفُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَاصْفَحْ، فَواللهِ! لَقَدْ أَعْطَاكَ اللهُ الَّذِي أَعْطَاكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ أَنْ يُتَوِّجُوهُ، فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ. قوله: (عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ) هو: ما ارتفع من غبار حوافرها. قوله: (خَمَّرَ أَنْفَهُ) أي: غطَّاه. قوله: (فَسَلَّمَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فيه: جواز الابتداء بالسَّلام على قوم فيهم مسلمون، وكفَّار، وهذا مجمع عليه. قوله: (أَيُّهَا الْمَرْءُ! لاَ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا) هكذا هو في جميع نسخ بلادنا بألف في: (أحسن) أي: ليس شيء أحسن من هذا. وكذا حكاه القاضي عن جماهير رواة مسلم. قال: ووقع للقاضي أبي عليٍّ الأحسن من هذا بالقصر من غير ألف. قال القاضي: وهو عندي أظهر، وتقديره: أحسن من هذا، أن تقعد في بيتك ولا تأتينا. قوله: (فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ) أي: يسكِّنهم، ويسهل الأمر بينهم. قوله: (وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ) ضمُّ الباء على التَّصغير. قال القاضي: وروينا في غير مسلم: الْبُحَيْرَةِ: مكبَّرة، وكلاهما بمعنى، وأصلها: القرية، والمراد بها هنا: مدينة النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قوله: (وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ أَنْ يُتَوِّجُوهُ، فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ) معناه: اتَّفقوا على أن يجعلوه ملكهم، وكان من عادتهم إذا ملَّكوا إنساناً أن يتوِّجوه، ويعصبوا. (ج/ص: ١٢/ ١٥٩) فَلَمَّا رَدَّ اللهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذي أَعْطَاكَهُ، شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ مَا رَأَيْتَ، فَعَفَا عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .