إِنْ تَغْفِرْ اللّهُمّ تَغْفِرْ جَمّا وأَيّ عَبْدٍ لَكَ لا أَلَمّا ". قال أبو عيسى: هَذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غَريبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلاّ مِنْ حَدِيثِ زَكَرِيّا بنِ إِسْحَاقَ. ـ قوله: (عن مرة) هو ابن شراحيل الهمداني. قوله: (لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ليلة الإسراء (سدرة المنتهى) قال الجزري في النهاية: السدر شجر النبق. وسدرة المنتهى شجرة في أقصى الجنة إليها ينتهي علم الأولين والاَخرين ولا يتعداها" قال انتهى ما يعرج من الأرض "أي ما يصعد من الأعمال والأرواح. وهذا قول ابن مسعود وضمير قال راجع إليه. وفي رواية مسلم: إليها ينتهي ما يعرج به الأرض فيقبض منها" وما ينزل من فوق" أي من الوحي والأحكام، وفي رواية مسلم: وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها أي من الوحي والأحكام، وفي رواية مسلم: وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها (فأعطاه الله عندها) أي عند سدرة المنتهى (خمساً) أي خمس صلوات (وأعطى خواتيم سورة البقرة) أي من قوله تعالى: {آمن الرسول} إلى آخر السورة. قيل معنى قوله أعطى خواتيم سورة البقرة أي أعطى إجابة دعواتها (وغفر لأمته المقحمات) وفي رواية مسلم: وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات. قال النووي هو بضم الميم وإسكان القاف وكسر الحاء ومعناه الذنوب العظام الكبائر التي تهلك أصحابها وتوردهم النار وتقحمهم إياها وتقحم الوقوع في المهالك ومعنى الكلام من مات من هذه الأمة غير مشرك بالله غفر له المقحمات. والمراد والله أعلم بغفرانها أنه لا يخلد في النار بخلاف المشركين وليس المراد أنه لا يعذب أصلاً. فقد تقررت نصوص الشرع وإجماع أهل السنة على إثبات بعض العصاة من الموحدين، ويحتمل أن يكون المراد بهذا خصوصاً من الأمة أن يغفر لبعض الأمة المقحمات وهذا يظهر على مذهب من يقول إن لفظة من لا تقتضي العموم مطلقاً، وعلى مذهب من يقول لا تقتضيه في الإخبار وإن اقتضه في الأمر والنهي ويمكن تصحيحه على المذهب المختار وهو كونها للعموم مطلقاً لأنه قد قام دليل على إرادة الخصوص وهو ما ذكرناه من النصوص والإجماع انتهى (قال: السدرة في السماء السادسة) قال النووي في شرح مسلم كذا هو في جميع الأصول السادسة وقد تقدم في الروايات الأخر من حديث أنس أنها فوق السماء السابعة. قال القاضي كونها في السابعة هو الأصح وقول الأكثرين وهو الذي يقتضيه المعنى وتسميتها بالمنتهى. قال النووي ويمكن أن يجمع بينهما فيكون أصلها في السادسة ومعظمها في السابعة فقد علم أنها في نهاية من العظم (قال سفيان) أي في بيان ما يغشى (فراش) بفتح الفاء الطير الذي يلقى نفسه في ضوء السراج واحدتها فراشه (فأرعدها) أي حركها لعله حكى تحرك الفراش واضطرابها. قوله: (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم. قوله: (أخبرنا الشيباني) هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان. ـ قوله: {فكان} أي جبرئيل من النبي صلى الله عليه وسلم {قاب} أي قدر {قوسين أو أدنى} أي أقرب من ذلك. زاد البخاري في رواية فأوحى إلى عبده ما أوحى (فقال) أي ذر بن حبيش (رأى جبرئيل) أي في صورته مرتين: مرة بالأرض في الأفق الأعلى. ومرة في السماء عند سدرة المنتهى. قال الحافظ: الحاصل أن ابن مسعود كان يذهب في ذلك إلى أن الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم هو جبرئيل كما ذهبت إلى ذلك عائشة. والتقدير على رأيه فأوحى أي جبرئيل إلى عبده أي عبد الله محمد لأنه يرى أن الذي دنا فتدلى هو جبرئيل وأنه هو الذي أوحى إلى محمد. وكلام أكثر المفسرين من السلف يدل على أن الذي أوحى هو الله أوحى إلى عبده محمد، ومنهم من قال إلى جبريل انتهى. وقال ابن القيم في زاد المعاد: أما قوله تعالى في سورة النجم: {ثم دنا فتدلى} فهو غير الدنو والتدلي في قصة الإسراء فإن الذي دنا في سورة النجم هو دنو جبريل وتدليه كما قالت عائشة وابن مسعود والسياق يدل عليه فإنه قال {علمه شديد القوى} وهو جبريل {ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى} ، فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى وهو ذو المرة أي القوة وهو الذي استوى بالأفق الأعلى وهو الذي دنا فتدلى فكان من محمد صلى الله عليه وسلم {قدر قوسين أو أدنى} ، فأما الدنو والتدلي الذي في حديث الإسراء فلذلك صريح في أنه دنو الرب تبارك وتعالى وتدليه ولا تعرض في سورة النجم لذلك بل فيها أنه {رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى} وهذا هو جبريل رآه محمد صلى الله عليه وسلم على صورته مرتين مرة في الأرض ومرة عند سدرة المنتهى انتهى. قوله: (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي. ـ قوله: (حدثنا سفيان) هو ابن عيينة (عن مجالد) هو ابن سعيد (لقي ابن عباس كعباً) هو كعب بن مانع الحميري أبو إسحاق المعروف بكعب الأحبار ثقة من الثانية مخضرم كان من أهل اليمن فسكن الشام مات في خلافة عثمان وقد زاد على المائة (فسأله) أي كعباً (فكبر) أي كعب (حتى جاوبته الجبال) أي كبر تكبيرة مرتفعاً بها صوته حتى جاوبته الجبال بالصدى كأنه استعظم ما سأل عنه فكبر لذلك، ولعل ذلك السؤال رؤية الله تعالى كما سئلت عائشة رضي الله عنها فقف لذلك شعرها. قاله الطيبي (إنا بنو هاشم) قال الطيبي هذا بعث له على التسكين من ذلك الغيظ والتفكر في الجواب يعني نحن أهل علم ومعرفة فلا نسأل عما يستبعد هذا الاستبعاد ولذلك فكر فأجاب بقوله إن الله قسم إلى آخره (فكلم) أي الله سبحانه وتعالى (مرتين) أي في الميقاتين (ورآه محمد) أي في المعراج (مرتين) كما يدل عليه قوله سبحانه وتعالى {ولقد رآه نزلة أخرى} ، فهذا يدل على أن مذهب كعب أن الضمير في رآه إلى الله لا إلى جبريل بخلاف قول عائشة (فدخلت على عائشة) ظاهره أنه كان حاضراً في مجلس كعب وابن عباس رضي الله عنهما وسمع ما جرى بينهما (قف له شعري) أي قام من الفزع لما حصل عندها من عظمة الله وهيبته واعتقدته من تنزيهه واستحالة وقوع ذلك. قال النضر بن شميل القف بفتح القاف وتشديد الفاء كالقشعريرة وأصله التقبض والاجتماع لأن الجلد ينقبض عند الفزع فيقوم الشعر كذلك (قلت رويداً) أي امهلي ولا تعجلي (ثم قرأت لقد رأى من آيات ربه الكبرى) قال الطيبي: أي قرأت الاَيات التي خاتمتها هذه الاَية كما تشهد له الرواية الأخرى أعني قوله قلت لعائشة فأين قوله ثم دنا انتهى. قلت: في الرواية التي أخرجها الترمذي في تفسير سورة الأنعام، فقلت يا أم المؤمنين انظريني ولا تعجليني أليس الله تعالى يقول {ولقد رآه نزلة أخرى} . و {قد رآه بالأفق المبين} ، فالأمر كما قال الطيبي (أين يذهب بك) بالبناء للمفعول أو بالبناء للفاعل أي أين يذهب بك قوله تعالى الذي قرأت؟ وفي المشكاة أين تذهب بك. قال الطيبي أي أخطأت فيما فهمت من معنى الاَية وذهبت إليه، فإسناد الإذهاب إلى الاَية مجاز (إنما هو) أي الاَية الكبرى وذكر الضمير باعتبار الخبر (فقد أعظم الفرية) بكسر الفاء أي الكذب (في جياد) موضع بأسفل مكة قاله في المجمع، ووقع في المشكاة في أجياد بفتح الهمزة وسكون الجيم. قال في النهاية أجياد موضع بأسفل مكة معروف من شعابها (قد سد ال أفق) أي ملأ أطراف السماء وحديث عائشة هذا أخرجه الشيخان مع زيادة واختلاف وفي روايتهما قال قلت لعائشة فأين قوله ثم {دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى} قالت ذاك جبريل عليه السلام كان يأتيه في صورة الرجل وأنه أتاه بهذه المرة في صورته التي هي صورته فسد الأفق (وقد روى داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة إلخ) أخرج هذه الرواية الترمذي في تفسير سورة الأنعام وتقدم الكلام هناك مبسوطاً في أنه صلى الله عليه وسلم رأى ربه ليلة الإسراء أم لا. ـ قوله: (أخبرنا سلم بن جعفر) بفتح السين وسكون اللام البكراوي أبو جعفر الأعمى. قال ابن المديني من أهل اليمن صدوق تكلم فيه الأزدي بغير حجة من الثامنة (عن الحكم بن أبان) العدني أبي عيسى صدوق عابد له أوهام من السادسة. قوله: (رأى محمد ربه) كذا أطلق الرؤية في هذه الرواية وفي الرواية الاَتية رآه بقلبه (ويحك) قال في النهاية: ويح كلمة ترحم وتوجع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها وقد يقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر وقد ترفع وتضاف ولا تضاف يقال ويح زيد وويحاً له وويح له (ذاك) أي عدم إدراك الأبصار إياه سبحانه وتعالى ليس مطلقاً بل (إذا تجلى) أي ظهر (بنوره الذي هو نوره) فحينئذٍ لا تدركه الأبصار، وحاصله أن المراد بالاَية نفي الإحاطة به عند رؤياه لا نفي أصل رؤياه، والظاهر أن ابن عباس أخذ هذا من قوله تعالى {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقاً} . ـ قوله: (أخبرنا محمد بن عمرو) هو ابن علقمة (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف. قوله: (عن ابن عباس في قول الله ولقد رآه نزلة أخرى إلى قوله قال ابن عباس قد رآه النبي صلى الله عليه وسلم كذا روى الترمذي هذا الحديث بهذا اللفظ ورواه ابن جرير في تفسيره بعين سند الترمذي هكذا عن ابن عباس في قول الله: {ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى} قال {دنا ربه فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى} . قال قال ابن عباس قد رآه النبي صلى الله عليه وسلم ـ قوله: (قال رآه بقلبه) أي قال ابن عباس رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه. قال الواحدي: وكذا قال أبو ذر وإبراهيم التيمي رآه بقلبه. قال وعلى هذا رأى ربه بقلبه رؤية صحيحة وهو أن الله تعالى جعل بصرة في فؤاده أو خلق لفؤاده بصراً حتى رأى ربه رؤية صحيحة كما يرى بالعين انتهى. وقال الحافظ: جاءت عن ابن عباس أخبار مطلقة وأخرى مقيدة أي بالفؤاد فيجب حمل مطلقها على مقيدها، قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه ابن جرير في تفسيره وأخرجه مسلم من طريق أبي العالية عن ابن عباس قال: {ما كذب الفؤاد ما رأى} {ولقد رآه نزلة أخرى} . قال رآه بفؤاده مرتين. ـ قوله: (فقال نور أني أراه) وفي رواية لمسلم فقال "رأيت نوراً" . قال النووي قوله صلى الله عليه وسلم "نور أني أراه" هو بتنوين نور وبفتح الهمزة في أنى وتشديد النون المفتوحة وأراه بفتح الهمزة، هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول والروايات ومعناه حجابه نور فكيف أراه. قال الإمام أبو عبد الله المازري: الضمير في أراه عائد على الله سبحانه وتعالى ومعناه أن النور منعني من الرؤية كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائي وبينه، وقوله صلى الله عليه وسلم "رأيت نوراً" معناه رأيت النور فحسب ولم أر غيره قال وروى أخبرنا "نور أنى أراه" . يعني بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء، ويحتمل أن يكون معناه راجعاً إلى ما قلناه أي خالق النور المانع من رؤيته فيكون من صفات الأفعال. قال القاضي عياض: هذه الرواية لم تقع إلينا ولا رأيتها في شيء من الأصول. قوله: (هذا حديث حسن) وأخرجه مسلم. (أخبرنا عبيدالله بن أبي رزمة) كذا في النسخة الأحمدية قال في هامشها كذا في نسخ وفي نسخة وابن أبي رزمه ولا يوجد في التقريب عبيد الله بن أبي رزمة انتهى. قلت: النسخة التي فيها وابن أبي رزمة بزيادة الواو هي الصحيحة وأما النسخ التي فيها عبيد الله بن أبي رزمة يحذف الواو فهي غلط لأنه ليس في الكتب الستة رأو اسمه عبيد الله بن أبي رزمة، وعبيد الله هذا هو عبيد الله بن موسى العبسي وابن أبي رزمة هو عبد العزيز بن أبي رزمة وهما من شيوخ عبد بن حميد وأصحاب إسرائيل بن يونس (عن أبي إسحاق) السبيعي (عن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي (عن عبد الله) بن مسعود. قوله: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرئيل في حلة من رفرف) أي ديباج