من الرؤيا الصادقة ومحبة الخلوة والتعبد من ذلك، فلما فجئه الملك فجئة بغتة أمر خالف العادة والمألوف فنفر طبعه البشرى منه وهاله ذلك ولم يتمكن من التأمل في تلك الحال، لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلا يتعجب أن يجزع مما لم يألفه وينفر طبعه منه حتى إذا تدرج عليه وألفه استمر عليه، فلذلك رجع إلى أهله التي ألف تأنيسها له فأعلمها بما وقع له فهونت عليه خشيته بما عرفته من أخلاقه الكريمة وطريقته الحسنة، فأرادت الاستظهار بمسيرها به إلى ورقة لمعرفتها بصدقه ومعرفته وقراءته الكتب القديمة، فلما سمع كلامه أيقن بالحق واعترف به، ثم كان من مقدمات تأسيس النبوة فترة الوحي ليتدرج فيه ويمرن عليه، فشق عليه فتوره إذ لم يكن خوطب عن الله بعد أنك رسول من الله ومبعوث إلى عباده، فأشفق أن يكون ذلك أمر بدئ به ثم لم يرد استفهامه فحزن لذلك، حتى تدرج على احتمال أعباء النبوة والصبر على ثقل ما يرد عليه فتح الله له من أمره بما فتح قال: ومثال ما وقع له في أول ما خوطب ولم يتحقق الحال على جليتها مثل رجل سمع آخر يقول "الحمد لله" فلم يتحقق أنه يقرأ حتى إذا وصلها بما بعدها من الآيات تحقق أنه يقرأ، وكذا لو سمع قائلا يقول "خلت الديار" لم يتحقق أنه ينشد شعرا حتى يقول "محلها ومقامها" انتهى ملخصا. ثم أشار إلى أن الحكمة في ذكره صلى الله عليه وسلم ما اتفق له في هذه القصة أن يكون سببا في انتشار خبره في بطانته ومن يستمع لقوله ويصغي إليه، وطريقا في معرفتهم مباينة من سواه في أحواله لينبهوا على محله، قال: وأما إرادته إلقاء نفسه من رءوس الجبال بعدما نبئ فلضعف قوته عن تحمل ما حمله من أعباء النبوة، وخوفا مما يحصل له من القيام بها من مباينة الخلق جميعا، كما يطلب الرجل الراحة من غم يناله في العاجل بما يكون فيه زواله عنه ولو أفضى إلى إهلاك نفسه عاجلا، حتى إذا تفكر فيما فيه صبره على ذلك من العقبى المحمودة صبر واستقرت نفسه. قلت: أما الإرادة المذكورة في الزيادة الأولى ففي صريح الخبر أنها كانت حزنا على ما فاته من الأمر الذي بشره به ورقة وأما الإرادة الثانية، بعد أن تبدى له جبريل وقال له إنك رسول الله حقا فيحتمل ما قاله، والذي يظهر لي أنه بمعنى الذي قبله، وأما المعنى الذي ذكره الإسماعيلي فوقع قبل ذلك في ابتداء مجيء جبريل، ويمكن أن يؤخذ مما أخرجه الطبري من طريق النعمان بن راشد عن ابن شهاب فذكر نحو حديث الباب وفيه "فقال لي يا محمد أنت رسول الله حقا قال فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق جبل" أي من علوه. قوله (وقال ابن عباس: فالق الإصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل) ثبت هذا لأبي ذر عن المستملي والكشميهني وكذا للنسفي ولأبي زيد المروزي عن الفربري، ووصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله (فالق الإصباح) يعني بالإصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل، وتعقب بعضهم هذا على البخاري فقال: إنما فسر ابن عباس الإصباح ولفظ "فالق" هو المراد هنا لأن البخاري إنما ذكره عقب هذا الحديث من أجل ما وقع في حديث عائشة "فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" فلإيراد البخاري وجه، وقد تقدم في آخر التفسير قول مجاهد في تفسير قوله (قل أعوذ برب الفلق) إن الفلق الصبح وأخرج الطبري هنا عنه في قوله (فالق الإصباح) قال إضاءة الصبح، وعلى هذا فالمراد بفلق الصبح إضاءته، والفالق اسم فاعل ذلك، وقد أخرج الطبري من طريق الضحاك: الإصباح خالق النور نور النهار. وقال بعض أهل اللغة: الفلق شق الشيء، وقيده الراغب بإبانة بعضه من بعض، ومنه فلق موسى البحر فانفلق، ونقل الفراء أن فطر وخلق وفلق بمعنى واحد، وقد قيل في قوله تعالى (فالق الحب والنوى) أن المراد به الشق الذي في الحبة من الحنطة وفي النواة، وهذا يرد على تقييد الراغب، والإصباح في الأصل مصدر أصبح إذا دخل في الصبح سمي به الصبح، قال امرؤ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلى بصبح وما الإصباح فيك بأمثل صحيح مسلم بشرح النووي، الإصدار ٢.٠١ - للإمام محي الدين بن شرف النووي. الجزء السادس عشر >> كتاب البر والصلة والآداب >> -٧٨ - باب النهي عن ضرب الوجه