إِنَّ عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي قَالَ رَوْحٌ فَرَدَّهُ خَاسِئًا الشرح: قوله: (حدثنا روح) هو ابن عبادة. قوله: (تفلت) بالفاء وتشديد اللام أي تعرض لي فلتة، أي بغته. وقال القزاز: يعني توثب. وقال الجوهري: أفلت الشيء فانفلت وتفلت بمعنى. قوله: (البارحة) قال صاحب المنتهى: كل زائل بارح، ومنه سميت البارحة. وهي أدنى ليلة زالت عنك. قوله: (أو كلمة نحوها) قال الكرماني: الضمير راجع إلى البارحة أو إلى جملة تفلت على البارحة. قلت: رواه شبابة عن شعبة بلفظ "عرض لي فشد علي" أخرجه المصنف في أواخر الصلاة. وهو يؤيد الاحتمال الثاني. ووقع في رواية عبد الرزاق "عرض لي في صورة هر" ولمسلم من حديث أبي الدرداء "جاء بشهاب م ن نار ليجعله في وجهي" وللنسائي من حديث عائشة "فأخذته فصرعته فخنقته حتى وجدت لسانه على يدي" وفهم ابن بطال وغيره منه أنه كان حين عرض له غير متشكل بغير صورته الأصلية فقالوا: إن رؤية الشيطان على صورته التي خلق عليها خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأما غيره من الناس فلا لقوله تعالى (إنه يراكم هو وقبيله) الآية. وسنذكر بقية مباحث هذه المسألة في "باب ذكر الجن" حيث ذكره المؤلف في بدء الخلق، ويأتي الكلام على بقية فوائد حديث الباب في تفسير سورة "ص" . قوله (رب اغفر لي وهب لي) كذا في رواية أبي ذر، وفي بقية الروايات هنا رب هب لي. قال الكرماني: لعله ذكره على طريق الاقتباس لا على قصد التلاوة. قلت: ووقع عند مسلم كما في رواية أبي ذر على نسق التلاوة، فالظاهر أنه تغيير من بعض الرواة. قوله: (قال روح فرده) أي النبي صلى الله عليه وسلم رد العفريت (خاسئا) أي مطرودا. وظاهره أن هذه الزيادة في رواية روح دون رفيقه محمد بن جعفر، لكن أخرجه المصنف في أحاديث الأنبياء عن محمد ابن بشار عن محمد بن جعفر وحده، وزاد في آخره أيضا "فرده خاسئا" ، ورواه مسلم من طريق النضر عن شعبة بلفظ "فرده الله خاسئا" . فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد الرابع >> كتاب الوكالة >> باب إِذَا وَكَّلَ رَجُلًا فَتَرَكَ الْوَكِيلُ شَيْئًا فَأَجَازَهُ الْمُوَكِّلُ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى جَازَ وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو حَدَّثَنَا عَوْفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ قَالَ فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ سَيَعُودُ فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ قَالَ دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا قُلْتُ مَا هُوَ قَالَ إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ قَالَ مَا هِيَ قُلْتُ قَالَ لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَقَالَ لِي لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لَا قَالَ ذَاكَ شَيْطَانٌ الشرح: قوله: (باب إذا وكل رجلا فترك الوكيل شيئا فأجازه الموكل فهو جائز، وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز) . أورد فيه حديث أبي هريرة في حفظه زكاة رمضان، قال المهلب: مفهوم الترجمة أن الموكل إذا لم يجز ما فعله الوكيل مما لم يأذن له فيه فهو غير جائز، قال: وأما قوله "وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز، أي إن أجازه الموكل أيضا، قال ولا أعلم خلافا أن المؤتمن إذا أقرض شيئا من مال الوديعة وغيرها لم يجز له ذلك وكان رب المال بالخيار. قال: وأخذ ذلك من حديث الباب بطريق أن الطعام كان مجموعا للصدقة وكانوا يجمعونه قبل إخراجه، وإخراجه كان ليلة الفطر، فلما شكا السارق لأبي هريرة الحاجة تركه فكأنه أسلفه له إلى أجل وهو وقت الإخراج. وقال الكرماني: تؤخذ المناسبة من حيث أنه أمهله إلى أن رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذا قال. قوله: (وقال عثمان بن الهيثم) هكذا أورد البخاري هذا الحديث هنا ولم يصرح فيه بالتحديث، وزعم ابن العربي أنه منقطع، وأعاده كذلك في صفة إبليس وفي فضائل القرآن لكن باختصار، وقد وصله النسائي والإسماعيلي وأبو نعيم من طرق إلى عثمان المذكور، وذكرته في" تعليق التعليق "من طريق عبد العزيز ابن منيب وعبد العزيز بن سلام وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني وهلال بن بشر الصواف ومحمد بن غالب الذي يقال له تمتام، وأقربهم لأن يكون البخاري أخذه عنه - إن كان ما سمعه من ابن الهيثم - هلال ابن بشر، فإنه من شيوخه أخرج عنه في" جزء القراءة خلف الإمام "وله طريق أخرى عند النسائي أخرجها من رواية أبي المتوكل الناجي عن أبي هريرة، ووقع مثل ذلك لمعاذ بن جبل أخرجه الطبراني وأبو بكر الروياني. قوله: (وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان فأتاني آت فجعل يحثو) بإسكان الحاء المهملة بعدها مثلثة يقال حثا يحثو وحثى يحثى. وفي رواية أبي المتوكل عن أبي هريرة" أنه كان على تمر الصدقة فوجد أثر كف كأنه قد أخذ منه ". ولابن الضريس من هذا الوجه" فإذا التمر قد أخذ منه ملء كف ". قوله: (فأخذته) زاد في رواية أبي المتوكل" أن أبا هريرة شكى ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم أولا فقال له إن أردت أن تأخذه فقل سبحان من سخرك لمحمد، قال فقلتها فإذا أنا به قائم بين يدي فأخذته ". قوله: (لأرفعنك) أي لأذهبن بك أشكوك، يقال رفعه إلى الحاكم إذا أحضره للشكوى. قوله: (إني محتاج وعلي عيال) أي نفقة عيال أو" علي " بمعنى لي.