الشعبي: قيل لعلي: جمعت بين حدّين: فأجاب بما ذكر. قال الحازمي: وذهب إلى هذا أحمد وإسحاق وداود وابن المنذر، وهو مذهب الهادوية. وذهب غيرهم: إلى أنه لا يجمع بين الجلد والرجم. قالوا: وحديث عبادة منسوخ بقصة ماعز والغامدية واليهودية فإنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رجمهم ولم يرْوَ أنه جلدهم. قال الشافعي: فدلت السنة على أن الجلد ثابت على البكر ساقط عن الثيب، قالوا: وحديث عبادة متقدم. وأجيب بأنه ليس في قصة ماعز ومن ذكر معه على تقدير تأخرها تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم لاحتمال أن يكون ترك روايته لوضوحه، ولكونه ا لأصل. وقد احتج الشافعي بنظير هذا حين عورض في إيجاب العمرة بأن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أمر من سأله أن يحج عن أبيه ولم يذكر العمرة فأجاب بأن السكوت عن ذلك لا يدل على سقوطه. إلا أنه قد يقال: إن جلد من ذكر من الخمسة الذين رجمهم صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لو وقع مع كثرة من يحضر عذابهما من طوائف المؤمنين يبعد أنه لا يرويه أحد ممن حضر فعدم إثباته في رواية من الروايات مع تنوعها واختلاف ألفاظها دليل أنه لم يقع الجلد فيقوى معه الظن بعدم وجوبه، وفعل على ظاهر أنه اجتهاد منه لقوله: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنه ظاهر أنه عمل باجتهاده بالجمع بين الدليلين، فلا يتم القول بأنه توقيف، وإن كان في قوله بسنّة رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ما يشعر بأنه توقيف. قلت: ولا يخفى قوة دلالة حديث عبادة على إثبات جلد الثيب ثم رجمه ولا يخفى ظهور أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يجلد من رجمه. فأنا أتوقف في الحكم حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين، وكنت قد جزمت في منحة الغفار بقوة القول بالجمع بين الجلد والرجم ثم حصل لي التوقف هنا. وعنْ أَبي هريرة رضي الله عنهُ قال: أتى رجلٌ من المُسلمين رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنْهُ، فتنحّى تلقاء وجهه فقال: يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنهُ حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقال: "أبكَ جُنونٌ؟" قال: لا، قال: "فهل أحصنت؟" قال: نعم، فقال النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "اذهبوا فارجُمُوهُ" متفقٌ عليه. (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجلٌ من المسلمين رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه فتنحى تلقاء وجهه) أي انتقل من الناحية التي كان فيها إلى الناحية التي يستقبل بها وجهه (فقال: يا رسول الله إني زنيتُ فأعرض عنه حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: "أبك جنونٌ؟ "قال: لا، قال:" فهل أحصنت؟ ") بفتح الهمزة فحاء مهملة فصاد مهملة أي تزوّجت، (قال: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم:" اذهبوا به فارجموه "متفق عليه) . الحديث اشتمل على مسائل: الأولى: أنه وقع منه إقرار أربع مرات فاختلف العلماء هل يشترط تكرار الإقرار بالزنا أربعاً أو لا؟. ذهب من قدمنا ذكره وهم الحسن ومالك والشافعي وداود وآخرون: إلى عدم اشتراط التكرار مستدلين بأن الأصل عدم اشتراطه في سائر الأقارير كالقتل والسرقة، وبأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال لأنيس:" فإن اعترفت فارجمها "ولم يذكر له تكرار الاعتراف فلو كان شرطاً معتبراً لذكره صلى الله عليه وآله وسلم لأنه في مقام البيان لا يؤخر عن وقت الحاجة. وذهب الجماهير: إلى أنه يشترط في الإقرار بالزنا أربع مرات مستدلين بحديث ماعز هذا. وأجيب عنهم: بأن حديث ماعز هذا اضطربت فيه الروايات في عدد الإقرارات فجاء فيها أربع مرات، ومثله في حديث جابر بن سمرة عند مسلم، ووقع في طريق أخرى عند مسلم أيضاً مرتين أو ثلاثاً، ووقع في حديث عنده أيضاً في طريق أخرى فاعترف بالزنا ثلاث مرات. وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بعض الروايات:" قد شهدت على نفسك أربع مرات "حكاية لما وقع منه، فالمفهوم غير معتبر وما كان ذلك إلا زيادة في الاستثبات والتبين، ولذلك سأل صلى الله عليه وآله وسلم: هل به جنون أو هو شارب خمر وأمر من يشم رائحته وجعل يستفسره عن الزنا، كما سيأتي بألفاظ عديدة، كل ذلك لأجل الشبهة التي عرضت في أمره، ولأنها قالت الجهينة: أتريد أن تردّني كما رددت ماعزاً فعلم أن الترديد ليس بشرط في الإقرار. وبعد، فلو سلمنا أنه لا اضطراب، وأنه أقرّ أربع مرات، فهذا فعل منه من غير أمره صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ولا طلبه، لتكرار إقراره بل فعله من تلقاء نفسه وتقريره عليه دليل على جوازه لا على شرطيته. واستدل الجمهور بالقياس، على أنه قد اعتبر في الشهادة على الزنا أربعة، ورد بأنه استدلال واضح البطلان لأنه قد اعتبر في المال عدلان والإقرار به يكفي مرة واحدة اتفاقاً: المسألة الثانية: دلت ألفاظ الحديث على أنه يجب على الإمام الاستفصال عن الأمور التي يجب معها الحدّ، فإنه قد روي في هذا الحديث ألفاظ كثيرة دالة عليه، ففي حديث بريدة أنه قال:" أشربت خمراً؟ قال: لا وأنه قام رجل يستنكهه فلم يجد فيه ريحاً "وفي حديث ابن عباس" لعلك قبلت أو غمزت "وفي رواية" هل ضاجعتها؟ قال: نعم، قال: فهل باشرتها؟ قال: نعم، قال: هل جامعها؟ قال: نعم "وفي حديث ابن عباس" أنكتها؟ "لا يكني. رواه البخاري. وفي حديث أبي هريرة" أنكتها؟ قال: نعم، قال: دخل ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم. قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: نعم، قال: تدري ما الزنا؟ قال: نعم أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً. قال: فما تريد بهذا القول، قال: تطهرني فأمر به فرجم ". فدل جميع ما ذكر على أنه يجب الاستفصال والتبين وأنه يندب تلقين ما يسقط الحد، وأن الإقرار لا بدّ فيه من اللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير المواقعة. وقد روي عن جماعة من الصحابة تلقين المقرّ، كما أخرجه مالك عن أبي الدرداء وعن علي عليه السلام في قصة شراحة فإنه قال لها علي:" استكرهت؟ قالت: لا. قال: فلعل رجل أتاك في نومك؟ ــــ الحديث "وعند المالكية أنه لا يلقن من اشتهر بانتهاك الحرمات. وفي قوله:" أشربت خمراً "دليل على أنه لا يصح إقرار السكران. وفيه خلاف. وفيه دليل على أنه يحفر للرجل عند رجمه، لأن في حديث بريدة عند مسلم فحفر له حفيرة، وفي الحديث عند البخاري" أنها لما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرّة فرجمناه "زاد في رواية" حتى مات "وأخرج أبو داود أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم يعني حين أخبر بهربه:" هلا رددتموه إليّ "وفي رواية" تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه ". وأخذ من هذا الهادوية والشافعي وأحمد أنه يصح رجوع المقرّ عن الإقرار فإذا هرب ترك لعله يرجع. وفي قوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم:" لعله يتوب "إشكال لأنه ما جاء إلا تائباً يطلب تطهيره من الذنب. وقد أخرج أبو داود أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم في قصة ماعز:" والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها ". ولعله يجاب بأن المراد لعله يرجع عن إقراره ويتوب بينه وبين الله تعالى فيغفر له أو المراد يتوب عن إكذابه نفسه. واعلم أن قوله:" فأمر به فرجموه "يدل أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يحضر الرجم، وأنه لا يجب أن يكون أوّل من يرجم الإمام فيمن ثبت عليه الحد بالإقرار وإلى هذا ذهب الشافعي والهادي. والأولى حمل ذلك على الندب، وعليه يحمل ما أخرج البيهقي عن علي عليه السلام أنه قال: أيما امرأة بغى عليها ولدها أو كان اعتراف فالإمام أوّل من يرجم فإن ثبت بالبينة فالشهود أوّل من يرجم" . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لَمّا أتى ماعِزُ بن مالك إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قالَ لهُ: "لعلك قبّلت أو غمزْتَ أو نَظَرْت" قال: لا يا رسول الله. رواه البخاريُّ. (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال له: "لعلّك قبّلت أَوْ غَمزْت) بفتح الغين المعجمة والميم فزاي، في النهاية. أنه فسر الغمز في بعض الأحاديث بالإشارة كالرمز بالعين والحاجب، ولعل المراد هنا الجس باليد لأنه ورد في بعض الروايات" أو لمست "عوضاً عنه (أو نظَرْت؟" قال: لا يا رسول الله. رواه البخاري) والمراد استفهامه هل هو أطلق لفظ الزنا على أي هذه مجازاً، وذلك كما جاء: "العين تزني وزناها النظر" . والحديث دليل على التثبت وتلقين المسقط للحد وأنه لا بدّ من التصريح في الزنا الصريح الذي لا يحتمل غير ذلك. وعن عُمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنهُ أنّهُ خطب فقال: "إن الله بعثَ محمداً بالحقِّ وأَنزل عليه الكتاب، فكان فيما أَنزلَ الله عليه آية الرَّجم قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ورَجَمْنا بعده، فأخشى إن طال بالنّاس زمان أن يقول قائلٌ: ما نجد الرَّجم في كتاب الله فيضلُّوا بترك فريضة أَنزلها اللّهُ، وإن الرَّجم حقٌّ في كتاب الله على من زَنَى إذا أحْصَنَ من الرِّجال والنساء إذا قامت البيّنة أو كان الحبَلُ أوْ الاعترافُ" متّفقٌ عليه. (وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب فقال: إن الله بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل) بفتح المهملة والموحدة (أو الاعتراف. متفق عليه) . زاد الإسماعيلي بعد قوله "أو الاعتراف" وقد قرأناها "الشيخ والشيخة فارجموهما البتة" وبين في رواية عند النسائي محلها من السورة وأنها كانت في سورة الأحزاب. وكذلك أخرج هذه الزيادة في هذا الحديث الموطأ عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب، وفي رواية زيادة "إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم" وفي رواية "لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي" وهذا القسم من نسخ التلاوة مع بقاء الحكم. وقد عده الأصوليون قسماً من أقسام النسخ. وفي الحديث دليل على أنها إذا وجدت المرأة الخالية من الزوج أو السيد حبلى ولم تذكر شبهة أنه يثبت الحد بالحبل وهو مذهب [اث] عمر [/اث] وإليه ذهب مالك وأصحابه. وقالت الهادوية والشافعي وأبو حنيفة: أنه لا يثبت الحد إلا ببينة أو اعتراف، لأن الحدود تسقط بالشبهات. واستدل الأوّلون بأنه قاله عمر على المنبر ولم ينكر عليه فينزلت منزلة الإجماع. قلت: لا يخفى أن الدليل هو الإجماع لا ما ينزل منزلته. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقولُ: "إذا زنت أَمَةُ أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحدَّ ولا يُثَرِّب عليها، ثم إن زَنَت فليجلدها الحد ولا يُثرِّبْ عليها، ثمَّ إن زنتِ الثّالثَة فتبيَّنَ زنَاها فَلْيبعْها ولوْ بحبْلٍ من شَعَرِ" متفقٌ عليه وهَذَا لَفْظُ مُسلمٍ. (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إذا زَنَتْ أمَةُ أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرِّبْ عَليْها) بمثناة تحتية فمثلثة فراء فموحدة التعنيف لفظاً ومعنى (ثمَّ إن زنت فليجلدها الحدَّ ولا يُثرِّب عليها ثمَّ إن زنت الثالثة فتبين زناها فَلْيبِعْها ولوْ بحبل منْ شعر ". متفق عليه وهذا لفظ مسلم) . فيه مسائل: الأولى: دل قوله:" فتبين زناها" أنه إذا علم السيد بزنا أمته جلدها وإن لم تقم