أَبُو أُمَامَةَ: فَاتَّبَعَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ انْصَرَفَ، وَاتَّبَعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْظُرُ مَا يَرُدُّ عَلَىَ الرَّجُلِ، فَلَحِقَ الرَّجُلُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدَّاً، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ. قَالَ أَبُو أُمَامَةَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "أَرَأَيْتَ حِينَ خَرَجْتَ مِنْ بَيْتِكَ، أَلَيْسَ قَدْ تَوَضَّأْتَ فَأَحْسَنْتَ الْوُضُوءَ؟" . قَالَ: بَلَىَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ "ثُمَّ شَهِدْتَ الصَّلاَةَ مَعَنَا؟" . فَقَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "فَإِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ، أَوْ قَالَ ذَنْبَكَ" . قوله: (أَصَبْتُ حَدَّاً فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّىَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له: هَلْ حَضَرْتَ الصَّلاَةَ مَعَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قَدْ غُفِرَ لَكَ) . هذا الحد معناه: معصية من المعاصي الموجبة للتعزير، وهي هنا من الصغائر لأنها كفرتها الصلاة، ولو كانت كبيرة موجبة لحد أو غير موجبة له لم تسقط بالصلاة. فقد أجمع العلماء على أن المعاصي الموجبة للحدود لا تسقط حدودها بالصلاة، هذا هو الصحيح في تفسير هذا الحديث. وحكى القاضي عن بعضهم أن المراد بالحد المعروف قال: وإنما لم يحده لأنه لم يفسر موجب الحد، ولم يستفسره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عنه إيثاراً للستر، بل استحب تلقين الرجوع عن الإقرار بموجب الحد صريحاً. المبسوط، الإصدار ٢.٠٢ - للإمام السرخسي المجلد الثاني عشر (الجزء ٢٣) >> كتاب الشرب قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمّة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - رحمه الله - إملاء: اعلم بأن الشرب هو النصيب من الماء للأراضي كانت أو لغيرها، قال الله تعالى: {لها شرب ولكم شرب يوم معلوم} ، وقال تعالى: {ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر} وقسمة الماء بين الشركاء جائزة، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يفعلون ذلك فأقرّهم عليه، والناس تعاملوه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا من غير نكير منكر، وهو قسمة تجري باعتبار الحق دون الملك إذ الماء في النهر غير مملوك لأحد، والقسمة تجري تارة باعتبار الملك كقسمة الميراث والمشترى وتارة باعتبار الحق كقسمة الغنيمة بين الغانمين، ثم بدأ الكتاب بحديث رواه عن الحسن البصري - رحمه الله - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من حفر بئراً فله ما حوله أربعين ذراعاً عطناً لما شقه) ، والمراد الحفر في الموات من الأرض عند أبي حنيفة - رحمه الله - بإذن الإمام، وعندهما لا يشترط إذن الإمام على ما نبيّنه، وظاهر الحديث يشهد لهما لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر الحفر فقط ومثل هذا في لسان صاحب الشرع لبيان السبب لقوله -عليه الصّلاة والسلام-: (من ملك ذا رحم محرم منه فهو حر) ، ولكن أبو الحسن - رحمه الله - يقول: اتفقنا على أن الاستحقاق لا يثبت بنفس الحفر ما لم يكن ذلك في الموات من الأرض، وهذا اللفظ لا يمكن العمل بظاهره إلا بزيادة لا يدلّ اللفظ عليها فلا يقوى الاستدلال بها، ثم فيه دليل على أن البئر لها حريم مستحق من قبل أن حافر البئر لا يتمكن من الانتفاع ببئره إلا بما حوله فإنه يحتاج أن يقف على شفير البئر يسقي الماء، وإلى أن يبني على شفير البئر ما يركب عليه البكرة، وإلى أن يبني حوضاً يجمع فيه الماء، وإلى موضع تقف فيه مواشيه عند الشرب، وربما يحتاج أيضاً إلى موضع تنام فيه مواشيه بعد الشرب فاستحق الحريم لذلك، وقدر الشرع ذلك بأربعين ذراعاً، وطريق معرفة المقادير النص دون الرأي إلا أن من العلماء - رحمهم الله - من يقول أربعين ذراعاً من الجوانب الأربعة من كل جانب ص (١٦٢) عشرة أذرع لأن ظاهر اللفظ يجمع الجوانب الأربع، والأصح أن المراد التقدير بأربعين ذراعاً من كل جانب؛ لأن المقصود دفع الضرر عن صاحب البئر الأول لكيلا يحفر أحد في حريمه بئراً أخرى فيتحوّل إليها ما ببئره، وهذا الضرر ربما لا يندفع بعشرة أذرع من كل جانب فإن الأراضي تختلف بالصلابة والرخاوة وفي مقدار أربعين ذراعاً من كل جانب يتيقن بدفع هذا الضرر، ويستوي في مقدار الحريم بئر العطن وبئر الناضح عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما حريم بئر العطن أربعون ذراعاً وحريم بئر الناضح سبعون ذراعاً واستدلا بحديث الزهري أن النبيّ عليه الصلاة والسلام - قال: (حريم العين خمسمائة ذراع، وحريم بئر العطن أربعون ذراعاً، وحريم بئر الناضح ستون ذراعاً) ، ولأن استحقاق الحريم باعتبار الحاجة، وحاجة صاحب البئر الناضح إلى الحريم أكثر لأنه يحتاج إلى موضع يسير فيه الناضح ليستقي فيه الماء من البئر