أما أني تلوت آية من كتاب الله تعالى واستغنيت بها عنكم ثم تلى قوله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} (الحشر: ٨) إلى قوله تعالى: {للفقراء المهاجرين} (الحشر: ٧) إلى قوله تعالى: {والذين تبوَّؤا الدار} (الحشر: ٩) هكذا في قراءة عمر - رضي الله عنه - إلى قوله تعالى: {والذين جاؤا من بعدهم} (الحشر: ١٠) ثم قال: أرى لمن بعدكم في هذا الفيء نصيباً ولو قسمتها بينكم لم يكن لمن بعدكم نصيب فمنَّ بها عليهم وجعل الجزية على رؤوسهم والخراج على أراضيهم ليكون ذلك لهم ولمن يأتي بعدهم من المسلمين، ولم يخالفه في ذلك إلا نفرٌ يسيرٌ منهم بلال - رضي الله عنه - ولم يحمدوا على خلافه حتى دعا عليهم على المنبر فقال: اللهم اكفني بلالاً وأصحابه فما حال الحول وفيهم عين تطرف أي ماتوا جميعاً. وذكر عن عطاء - رحمه الله تعالى - قال كتب نجدة إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - يسأله هل للعبد في المغنم سهم؟ وهل كانت النساء يحضرن الحرب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ومتى يجب للصبي سهم في المغنم؟ وعن سهم ذوي القربى؟ فكتب ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه لا حق للعبد في المغنم ولكن يرضخ له الحديث. وفي هذا بيان أن الاستفتاء بالكتاب كان معروفاً فيهم فإن نجدة كان حرورياً وهم كانوا قوماً يسألون سؤال التعمق فكان كثيراً ما يكتب نجدة إلى ابن عباس - رضي الله عنهما - حتى ربما كان يضجر ابن عباس - رضي الله عنهما - ويقول لا يزال يأتينا بأحموقة من خاطره ومع هذا كان يجيبه فيما كتب إليه وفيه بيان أنه لا يسهم للعبد كما يسهم للحر وبه نأخذ فإن العبد تبع للحر بغير إذنه ولا يسوى بين الأصل والتبع في الاستحقاق ولكن يرضخ له إذا قاتل بحسب جرأته وغنائه وكفايته وكتب إليه أن النساء كن يخرجن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يداوين الجرحى وكان يرضخ لهن وخروج النساء مع رسول الله - عليه الصلاة والسلام - مشهور في الآثار ومنهن من كانت تقاتل معه على ما روي أن ص (١٧) أم سليم بنت ملحان قاتلت يوم حنين شادة على بطنها وكانت حاملاً حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم لمقامها خير من مقام فلان وفلان. يعني الذين انهزموا وهي التي قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا نقاتل هؤلاء الفارين كما قاتلنا المشركين فقال - صلى الله عليه وسلم عافية الله أوسع لنا. وأم أيمن كانت تخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتداوي الجرحى وتقوم على المرضى وبعض العجائز كانت تخرج مع خالد بن الوليد - رضي الله عنه - للطبخ والخبز وسقي الماء وهذا دليل على أنه لا بأس بخروج العجائز مع الجيش لهذه الأعمال ثم يرضخ لهن لأنهن أتباع كالعبيد ولأنهن عاجزات عن القتال بنية والعبيد يعجزون عن ذلك بمنع الموالي فاستويا في المعنى فلهذا يرضخ للفريقين وكتب أنه لا حق للصبي في المغنم حتى يحلم وإنما أراد السهم الكامل أنه لا يثبت اسمه