تَعِسَ عَبْدُ الدِّينارِ والدِّرهَمِ والقَطِيفَة، إِنْ أُعْطِي رَضِيَ، وإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ" . أخرجه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "تعس في القاموس كسمع ومنع، وإذا خاطبت قلت: تعس كمنع، وإذا حكيت قلت: تعس كفرح وهو الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد والانحطاط عبد الدينار والدرهم والقطيفة الثوب الذي له خمل إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض" . أخرجه البخاري أراد بعبد الدينار والدرهم من استعبدته الدنيا بطلبها وصار كالعبد لها تتصرف فيه تصرف المالك لينالها وينغمس في شهواتها ومطالبها وذكر الدينار والقطيفة مجرد مثال؛ وإلا فكل من استعبدته الدنيا في أي أمر وشغلته عما أمر الله تعالى، وجعل رضاه وسخطه متعلقاً بنيل ما يريد أو عدم نيله فهو عبده، فمن الناس من يستعبده حب الإمارات، ومنهم من يستعبده حب الصور، ومنهم من يستعبده حب الأطيان. واعلم أن المذموم من الدنيا كل ما يبعد العبد عن الله تعالى ويشغله عن واجب طاعته وعبادته، لا ما يعينه على الأعمال الصالحة فإنه غير مذموم وقد يتعين طلبه ويجب عليه تحصيله. وقوله "رضي" أي عن الله بما ناله من حطامها "وإن لم يعط لم يرض" أي عنه تعالى ولا عن نفسه فصار ساخطاً، فهذا الذي تعس لأنه أدار رضاه على مولاه وسخطه على نيل الدنيا وعدمه. والحديث نظير قوله تعالى: {ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه} . وعن ابن عُمَر رضي الله عَنْهُما قال: أَخذَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بمنْكبيَّ فقال: "كُنْ في الدنيا كأَنّك غريبٌ أَوْ عابر سبيل" وكان ابن عمرَ يقولُ: إذا أمْسيتَ فلا تنتظر الصَّباح، وإذا أصْبحتَ فلا تنتظر المساءَ، وخُذْ منْ صحتك لسَقمك ومِنْ حيَاتك لموتِك. أخْرجه البُخاريُّ. (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أخذ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بمنكبيَّ) يروى بالإفراد والتثنية، وهو بكسر الكاف، مجمع الكتف والعضد (فقال: "كُنْ في الدُّنْيا كأَنّك غريبٌ أَوْ عابرُ سبيل" وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لسقمك ومن حياتك لموتك. أخرجه البخاري) . الغريب: من لا مسكن له يأويه، ولا سكن يأنس به، ولا بلد يستوطن فيه، قيل في المسيح: سعد المسيح يسيح لا ولد يموت ولا بناء يخرب. وعطف "عابر سبيل" من باب عطف الترقي و "أو" ليست للشك بل للتخيير أو الإباحة، والأمر للإرشاد. والمعنى: قدر نفسك ونزلها منزلة من هو غريب أو عابر سبيل، لأن الغريب قد يستوطن؛ ويحتمل أن "أو" للإضراب والمعنى؛ بل كن في الدنيا كأنك عابر سبيل لأن الغريب قد يستوطن بلداً بخلاف عابر السبيل، فهمه قطع المسافة إلى مقصده، والمقصد هنا إلى الله {وأن إلى ربك المنتهى} . قال ابن بطال لما كان الغريب قليل الانبساط إلى الناس بل هو مستوحش منهم لا يكاد يمر بمن يعرفه فيأنس به فهو ذليل في نفسه خائف وكذلك عابر السبيل لا ينفذ في سفره إلا بقوته وتخفيفه من الأثقال غير متشبث بما يمنعه عن قطع سفره، معه زاده وراحلته يبلغانه إلى ما يعنيه من مقصده، وفي هذا إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا وأخذ البلغة مهنا والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره فكذلك المؤمن لا يحتاج في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل، وقوله: "وكان ابن عمر إلخ" قال بعض العلماء: كلام ابن عمر متفرع من الحديث المرفوع وهو متضمن لنهاية تقصير الأجل من العاقل إذا أمسى ينبغي له أن لا ينتظر الصباح إذا أصبح ينبغي له أن لا ينتظرالمساء بل يظن أن أجله يدركه قبل ذلك. وفي كلامه الأخبار بأنه لا بد للأنسان من الصحة والمرض فيغتنم أيام صحته وينفق ساعاته فيما يعود عليه نفعه فإنه لا يدري متى ينزل به مرض يحول بينه وبين فعل الطاعة ولأنه إذا مرض كتب له ما كان يعمل صحيحاً فقد أخذ من صحته لمرضه حظه من الطاعات. وقوله: "من حياتك لموتك" أي خذ من أيام الحياة والصحة والنشاط لموتك يتقديم ما ينفعك بعد الموت وهو نظير حديث: "بادروا بالأعمال سبعاً ما تنتظروا إلا فقراً منسياً أو غنى مطغياً أو مرضاً مفسداً أو هرماً مفنداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال فإنه شر منتظر أو الساعة والساعة أدهى وأمر" أخرجه الترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة. [رح] ــــ وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ" أَخْرَجَهُ أبو داود، وصحَّحه ابنُ حبَّان. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "من تشبه بقوم فهو منهم" أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان الحديث فيه ضعيف وله شواهد عند جماعة من أئمة الحديث عن جماعة من الصحابة تخرجه عن الضعف، ومن شواهده ما أخرجه أبو يعلي مرفوعاً من حديث ابن مسعود "من رضي عمل قوم كان منهم" والحديث دال على أن من تشبه بالفساق كان منهم أو بالكفار أو المبتدعة في أي شيء مما يختصون به من ملبوس أو مركوب أو هيئة، قالوا: فإذا تشبه بالكفار في زي واعتقد أن يكون بذلك مثله كفر فإن لم يعتقد ففيه خلاف بين الفقهاء منهم من قال: يكفر وهو ظاهر الحديث ومنهم من قال: لا يكفر ولكن يؤدب. [رح] ـــ وعن ابن عباس قال: كُنْتُ خَلُفَ النَّبِي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يوماً، فقال: "يا غُلام، احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله تَجِدْهُ تُجَاهَك، وإذا سألت فاسألِ اللَّه، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ باللَّه" . رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يوماً فقال: "يا غلام احفظ الله جواب الأمر (احفظ الله تجده) مثله (تجاهك) في القاموس وتجاهك مثلين تلقاء وجهك، (وإذا سألت) حاجة من حوائج الدارين، (فاسأل الله) فإن بيده أمورهما،" وإذا استعنت فاستعن بالله "رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وتمامه:" واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك جفت الأقلام وطويت الصحف "، وأخرجه أحمد عن ابن عباس بإسناد حسن بلفظ:" كنت رديف النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقال: يا غلام أو يا غليم إلا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت: بلى. قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق جميعاً أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله تعالى لم يقدوا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأن النصر مع الصبر وأن الفرح مع الكرة وأن مع العسر يسراً "وله ألفاظ أخر وهو حديث جليل أفرده بعض علماء الحنابلة بتصنيف مفرد فإنه اشتمل على وصايا جليلة. والمراد من قوله:" احفظ الله "أي حدوده وعهوده وأوامره ونواهيه. وحفظ ذلك هو الوقوف عند أوامره بالامتثال، وعند نواهيه بالاجتناب، وعند حدوده أن لا يتجاوزها ولا يتعدى ما أمر به إلى ما نهى عنه، فيدخل في ذلك فعل الواجبات كلها وترك المنهيات كلها. وقال تعالى: {والحافظون لحدود الله} [التوبة:١١٢] وقال: {هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ} [سورة ق:٣٢] فسر العلماء الحفيظ بالحافظ لأوامر الله، وفسر بالحفظ لذنوبه حتى يرجع منها فأمره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بحفظ الله يدخل فيه كل ما ذكر وتفاصيلها واسعة. وقوله:" تجده أمامك "وفي اللفظ الآخر" يحفظك "، والمعنى متقارب أي تجده أمامك بالحفظ لك من شرور الدارين جزاء وفاقاً من باب" وأوفوا بعهدي أوف