ذلك تطييباً لقلبها أو أحب الغنى لها لعجزها عن الكسب أو ظن أنه يشق عليها الصبر على الفقر فلهذا قال أحب الناس إليّ غني أنت وإني كنت نحلتك جذاذ عشرين وسقاً من مالي بالعالية وذلك اسم موضع وقد كان وهب لها قدر عشرين وسقاً من ماله في ذلك الموضع قال وإنما هو مال الورثة. وفيه دليل على أن حق الوارث يتعلق بمال المريض مرض الموت وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام (وما سوى ذلك فهو مال الوارث) أو قال ذلك باعتبار أن مآله إلى ذلك كقوله تعالى: {إنك ميت وإنهم ميتون} (الزمر: ٣٠) . وإنما هما أخواك وأختاك وإنما ذكر ذلك لتطييب قلبها أنه كان لا يسلم لك فلا يبعد عنك فأشكل على عائشة - رضي الله عنها - قوله وأختاك؛ لأنها ما عرفت لها إلا أختاً واحدة وهي أم عبدالله فقال أبو بكر - رضي الله عنه - أنه ألقى في نفسي أن في بطن بنت خارجة جارية يعني أم حبيب امرأته وكانت حاملاً. وفيه دليل أن الحمل من جملة الورثة وأنه لا بأس للإنسان أن يتكلم بمثل هذا بطريق الفراسة فإن أبا بكر - رضي الله عنه - قال ذلك بفراسته ولم يكن ذلك منه رجماً بالغيب فإن ما في الرحم لا يعلم حقيقته إلا الله تعالى كما قال الله تعالى: {ويعلم ما في الأرحام} (لقمان: ٣٤) . ولهذا قيل أفرس الناس أبو بكر - رضي الله عنه - حيث تفرس في حبل امرته أنها جارية فكان كما تفرس وتفرس في عمر - رضي الله عنه - حين استخلفه بعده. (وعن) عمر وعثمان - رضي الله عنهما - قالا إذا وهب الرجل لابنه الصغير هبة فأعلمها فهو جائز وبه نأخذ فإن حق القبض فيما يوهب لهذا الصغير إلى الأب لو كان الواهب أجنبياً فكذلك إذا كان الواهب يصير قابضاً له من نفسه فتتم الهبة بالقبض ولا بد من الإعلام ليحصل المقصود به فالولد لا يتمكن من المطالبة به ما لم يكن معلوماً له وهو معنى ما روى شريح أنه سُئل ما يجوز للصبي من نحل أبيه قال المشهود عليه والمراد الإعلام، فالإشهاد في الهبة ليس بشرط للإتمام وإنما ذكر ذلك للتوثق حتى يتمكن الولد من إثبات ملكه بالحجة بعد موته على سائر الورثة. (وعن) إبراهيم قال الرجل والمرأة بمنزلة ذي الرحم المحرم إذا وهب أحدهما لصاحبه هبة لم يكن له أن يرجع فيها وبه نأخذ فإن ما بينهما من الزوجية نظير القرابة القريبة ولهذا يتعلق بها التوارث من الجانبين بغير حجب ويمتنع قبول شهادة كل واحد منهما لصاحبه وهذا لأن المقصود حصل بالهبة وهو تحقيق ما بينهما من معنى السكن والازدواج وفي الرجوع إيقاع العداوة فيما بينهما والنفرة. والزوجية بمعنى الألفة والمودة فلا يجوز لأحدهما الإقدام على ما يضاده وهذا كان مانعاً من الرجوع فيما بين القرابات. (وقال) في الرجل يهب لامرأته أو لبعض ولده وقد أدرك وهو في عياله أن ذلك جائز إذا أعلمه وإن لم يقبض ذلك الموهوب له. وبه يأخذ ابن أبي ليلى فيقول: إذا كان الموهوب له في عياله فيده في قبض الهبة كيده كما في الصغار. ولسنا نأخذ بذلك لأنه لا بد من نوع ولاية له ليجعل قبضه بذلك كقبض الموهوب له ولا ولاية له عليهم بعد البلوغ وإن كان يعولهم. ألا ترى أن الغنيّ يعول بعض المساكين فينفق عليهم ثم لو تصدق عليهم لا يتم ذلك إلا بالإعلام ما لم يسلمه إليه. (وعن) عطاء بن السائب عن شريح - رحمهما الله تعالى - أنه سأله عن الحبيس فقال إنما أقضي ولست أفتي فأعدت عليه المسألة فقال لا حبيس عن فرائض الله تعالى. وبه يأخذ من يقول لا ينبغي للقاضي أن يفتي وهذا فصل تكلم فيه العلماء - رحمه الله تعالى: فمنهم من يقول في العبادات لا بأس بأن يفتي وفي المعاملات لا يفتي لكيلا يقف الخصم على مذهب فيشتغلوا بالحيل على مذهبه. ومنهم من يقول لا يفتي في مجلس القضاء وله أن يفتي في غير مجلس القضاء؛ لأنه لو اشتغل بها في مجلس القضاء وكل واحد منهما أمر عظيم فربما يتمكن الخلل في أحدهما وهو متعين للقضاء فيشتغل بما تعين له ويدع الفتوى لغيره. والأصح عندنا أنه لا بأس له أن يفتي إذا كان أهلاً لذلك وقد كان الخلفاء الراشدون - رضي الله عنهم - يقضون بين الناس ويفتون. والقضاء في الحقيقة فتوى إلا أنه فتوى فيه إلزام ولهذا كان القاضي في الصدر الأول يسمى مفتياً. ألا ترى أن شريحاً أفتى لما أعاد السؤال بقوله لا حبيس عن فرائض الله تعالى فهو دليل أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - في أن الوقف لا يتعلق به اللزوم وقد روى هذا عن ابن مسعود - رضي الله عنه - بيناه في الوقف. (وعن) ابن عباس وشريح - رضي الله عنهما - قالا: جاء محمد عليه الصلاة والسلام ببيع الحبيس وهكذا عن الشعبي. وفيه بيان أنه كان معروفاً فيما بينهم أن الوقف لا يتعلق به اللزوم. (وعن) عمر - رضي الله عنه - قال: ما بال أحدكم يتصدق على ولده يصدقه لا يحوزها ولا يقسمها يقول: إن أنا مت كانت له، وإن مات هو رجعت إليّ وأيم الله لا يتصدق منكم رجل على ولده بصدقة لم يحزها ولم يقسمها ثم مات إلا صارت ميراثاً لورثته وهكذا نقل عن عثمان - رضي الله عنه -. وفيه دليل أن الصدقة لا تتم إلا بالقبض والقسمة؛ لأن المراد بالحيازة المذكورة في هذا الحديث القبض فإنها قرنت بالقسمة فلو حملنا الحيازة على القسمة كانت تكراراً ولو حملناها على القبض كنا قد استفدنا بكل لفظ فائدة جديدة. وفيه دليل أنه إذا مات بعدما تصدق على ولده قبل أن يسلمها إليه فهو ميراث للورثة وتأويله إذا كان الولد بالغاً فهو حجة على ابن أبي ليلى لأنه لم يفصل بين أن يكون في عيال الأب أولاً يكون ولو كان المراد الولد الصغير فإذا لم يقسمها لم يثبت الملك للولد فكان ميراثاً عن الأب بعد موته. (وعن) علي - رضي الله عنه - قال: إذا وهبت المرأة لزوجها هبة فإن شاءت رجعت فيها إذا هي ادعت أنه استكرهها، وإن وهب هو لها شيئاً فليس له أن يرجع في الهبة. وليس مراده الفرق بينهما في الرجوع بحكم الزوجية وإنما مراده أن الدعوى من المرأة أنها كانت مكرهة مسموع ومن الزوج لا لاعتبار الظاهر، فالظاهر أنّ الزوج يتمكن من إكراه زوجته والمرأة لا تتمكن من إكراه زوجها، والظاهر أن المرأة تخاف على نفسها من جهة الزوج بما يثبت به الإكراه من الضرب والحبس والزوج لا يخاف ذلك من جهة امرأته. وفيه دليل أن الهبة من المكره لا تصح؛ لأن شرط صحة الهبة تمام الرضا والإكراه بعدم الرضا. (قال) (ومن وهب هبة مقسومة لذي رحم محرم وسلمها إليه فليس له أن يرجع فيها وإن وهبها لأجنبي أو لذي رحم ليس بمحرم فله أن يرجع فيها) وهما فصلان: