أقضي بما قضى به أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - وقد أصاب في ذلك أيضاً فقد أمرنا بالاقتداء بهما بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - و قال النبي - صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) . قال: فإذا لم تجد ذلك في قضائهم قال اجتهد رأيي وأصاب في ذلك فالقاضي مأمور بأن يجتهد رأيه فيما لا نص فيه وهو دليلنا على جواز العمل بالقياس فيما لا نص فيه فاجتهاد الرأي هو القياس يرد حكم الحادثة إلى أشباهها مما هو منصوص وإذا جاز اجتهاده الرأي في باب القبلة عند الاشتباه وانقطاع الأدلة وفي المعاملات من الحروب وغير ذلك فكذلك في القضاء، فلما أصاب في جميع ما أجاب قال له عمر - رضي الله عنه - أنت قاضيها أي إني لا أعزلك عن القضاء ما دمت على هذه الطريقة. وفيه دليل أن الإمام إذا علم من حال من قلده أنه صالحٌ لذلك ينبغي أن يقرُّه على العمل ولا يعزله بطعن بعض المتعنتين ما لم يتبين له شيء مما لا يحمد من السيرة منه. وعن أبي مسعود - رضي الله عنه - قال لقد أتى علينا زمان لسنا نسأل ولسنا هنالك ثم قضى الله تعالى أن بلغنا من الأمر ما يرون قيل هذا إشارة منه إلى زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كان الوحي ينزل وكان عليه الصلاة والسلام يبين لهم فكانوا لا يحتاجون فيه إلى ابن مسعود - رضي الله عنه - وغيره. وقيل بل مراده الإشارة إلى زمن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - فقد كانت الصحابة - رضوان الله عليهم - متوافرين في ذلك الوقت وما كان يحتاج إلى ابن مسعود - رضي الله عنه - وقيل هذا منه إشارة إلى حال صغره وجهله وإنما قصد بهذا التحدث بنعمة الله تعالى حيث رفعه من تلك الدرجة إلى ما بلغه إليه لأنه قال هذا حين كان بالكوفة وله أربعة آلاف تلميذ يتعلمون بين يديه حتى روي أنه لما قدم علي - رضي الله عنه - الكوفة وخرج إليه ابن مسعود - رضي الله عنه - مع أصحابه حتى سدوا الأفق فلما رآهم علي - رضي الله عنه - قال ملأت هذه القرية علماً وفقهاً قال فمن ابتليَ منكم بقضاء فليقض بما في كتاب الله تعالى. وفي هذا إشارةٌ إلى أن التحرز عن تقلد القضاء أولى فقد عده ابن مسعود - رضي الله عنه - من البلوى بقوله فمن ابتليَ منكم وهو اختيار أبي حنيفة - رحمه الله - فإنه تحرز ص (٦٩) عن تقلد القضاء بعد ما حبس وضرب لأجله مراراً. حتى قال بعض أصحابه - رحمهم الله - لو تقلدت نفعت الناس فنظر إليه شبه المغضب وقال لو أمرت أن أقطع البحر سباحة أكنت أقدر على ذلك وكأني بك قاضياً ومن اختار تقلد القضاء، قال: هذا اللفظ من البلاء الذي هو نعمة قال الله تعالى: {وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسناً} (الأنفال: ١٧) وإنما أراد من أنعم الله تعالى عليه بهذه الدرجة فليقض بما في كتاب الله تعالى وبذلك كان يأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي وقيل أهل بيته الأقربون والأبعدون فإن تمسكتم بهما لم تضلوا. قال: فإن لم يجد ذلك في كتاب الله تعالى فليقض بما قضي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبذلك كان يأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال لأبي رواحة - رضي الله عنه - في حادثة أما كان لك فيَّ أسوة فقال أنت تسعى في رقبة قد فكّت وأنا أسعى في رقبة لم يعرف فكاكها فقال - صلى الله عليه وسلم - إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله. قال فإن لم يجد ذلك فيما قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليقض بما قضى الصالحون يعني أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - كما جاء في الحديث: إذا ذكر الصالحون فحيعلا بعمر. قال: فإن لم يجد فليجتهد رأيه ولا يقولن إني أرى وإني أخاف وفيه دليل على أن للقاضي أن يجتهد فيما لا نص فيه وإنه لا ينبغي أن لا يدع الاجتهاد في موضعه لخوف الخطأ فإن ترك الاجتهاد في موضعه بمنزلة الاجتهاد في غير موضعه فكما لا ينبغي له أن يشتغل بالاجتهاد مع النص لا ينبغي له أن يدع الاجتهاد فيما لا نص فيه ثم، بين طريق الحق في ذلك بقوله فإن الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك وهذا اللفظ مروى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رواه الحسن - رحمه الله وفيه بيان أن المجتهد إذا لم يترك الاحتياط في موضع الريبة فهو مؤدي لما كلف أصاب المطلوب باجتهاده أو أخطأ، وهو ما نقل عن أبي حنيفة - رحمه الله - كل مجتهد مصيب والحق عند الله واحد أي مصيب في طريق الاجتهاد ابتداء وقد يخطى انتهاء فيما هو المطلوب بالاجتهاد، ولكنه معذورٌ في ذلك لما أتى بما في وسعه، وذكر عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين بعثني إلى اليمن (بم تقضي يا معاذ؟ قلت: بما في كتاب الله قال - عليه الصلاة والسلام -، فإن لم تجد ذلك في كتاب الله تعالى؟ قلت: أقضي بما قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال - صلى الله عليه وسلم - فإن لم تجد ذلك فيما قضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت: أجتهد رأيي فقال - صلوات الله عليه وسلامه ص (٧٠) - الحمد لله الذي وفق رسول رسوله) وفيه دليل على أن الإمام إذا أراد أن يقلد الإنسان القضاء ينبغي له أن يجربه، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما فعل ذلك بمعاذ - رضي الله عنه - مع أنه كان معصوماً فغيره بذلك أولى فكان هذا منه على وجه التعليم لأمته، ثم حمد الله تعالى حين ظهر من التجربة كما تفرس فيه، وهكذا ينبغي للإمام إذا بلغه عن عامل له ما يرضى به أن يعد ذلك نعمة من نعم الله تعالى عليه فليقابلها بالشكر. وفيه دليل جواز اجتهاد الرأي والعمل بالقياس فيما لا نص فيه من العلماء - رحمهم الله - من يقول جواز العمل بالقياس والاجتهاد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما كان يجوز ذلك في حياته لأن الوحي كان ينزل وهو كان يبين لهم ما كانوا يحتاجون إلى الاستنباط في ذلك الوقت، والحكم يثبت بالنص مقطوعاً به فلا يصار إليه في غير موضع الضرورة. والصحيح عندنا إن كان ذلك جائز لهم في حياته - صلى الله عليه وسلم - كما بعده، وحديث معاذ - رضي الله عنه - يدل عليه فإن لم ينكر عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله بين يديه اجتهد رأيي ولما قال لعمرو بن العاص - رضي الله عنه - أقض بين هذين قال أقضي وأنت حاضر أو جالس قال - صلى الله عليه وسلم - نعم قال على ماذا أقضي قال - صلى الله عليه وسلم - على أنك إن اجتهدت فأصبت فلك أجران وإن أخطأت فلك أجر واحد فقد جوَّز له - صلى الله عليه وسلم - الاجتهاد بحضرته، وقد كان يشاورهم، (ألا ترى) أنه شاورهم في أسارى بدر وأشار أبو بكر - رضي الله عنه - بالفداء وأخذ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشاور السعدين - رضي الله عنهما - يوم الأحزاب في صلح بني فزارة على بعض ثمار المدينة وأخذ بما أشارا به، ولما أشار إليه أسيد بن حضير في النزول عند الماء يوم بدر أخذ برأيه في ذلك وكان صواباً. وينبني على هذا الفصل الاختلاف بين العلماء - رحمهم الله - في أنه - صلى الله عليه وسلم - هل كان يجتهد فيما لم يوح إليه فيه فمنهم من يقول كان ينتظر الوحي، وما كان يفصل بالاجتهاد. والصحيح عندنا أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجتهد وما كان يقر على الخطأ، بيانه أنه لما شاور أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - في حادثة قال - صلى الله عليه وسلم - قولا فإني فيما لم يوح إلى مثلكما، وقال - صلى الله عليه وسلم - للخثعمية (أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه فقالت نعم قال - صلى الله عليه وسلم - فدين الله أحق) وهذا قول بالاجتهاد، وقال - عليه السلام - لعمر - رضي الله عنه - في القبلة أرأيت لو تمضمضت بماء ثم بججته أكان يضرك. وقال - صلى الله عليه وسلم - في بيان حرمة الصدقة على بنى هاشم أرأيت لو تمضمضت بماء أكنت شاربه، فهذا ونحوه دليل أنه كان يقضي باجتهاده وما كان يقر على الخطأ فقضاؤه يكون ص (٧١) شريعة،