لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحاً خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْراً الشرح: حديث "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلئ شعرا" من حديث ابن عمر ومن حديث أبي هريرة. زاد أبو ذر في روايته عن الكشميهني في حديث أبي هريرة "حتى يريه" وهذه الزيادة ثابتة في "الأدب المفرد" عن الشيخ الذي أخرجه عنه هنا، وكذلك رواية النسفي، ونسبها بعضهم للأصيلي، ولسائر رواة الصحيح "قيحا يريه" بإسقاط حتى، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأبو عوانة وابن حبان من طرق عن الأعمش في أكثرها "حتى يريه" ووقع عند الطبراني من وجه آخر عن سالم عن ابن عمر بلفظ "حتى يريه" أيضا. قال ابن الجوزي: وقع في حديث سعد عند مسلم "حتى يريه" وفي حديث أبي هريرة عند البخاري بإسقاط "حتى" فعلى ثبوتها يقرأ "يريه" بالنصب وعلى حذفها بالرفع، قال: ورأيت جماعة من المبتدئين يقرءونها بالنصب مع إسقاط حتى جريا على المألوف، وهو غلط إذ ليس هنا ما ينصب. ووجه بعضهم النصب على بدل الفعل من الفعل وإجراء إعراب يمتلئ على يريه، ووقع في حديث عوف بن مالك عند الطحاوي والطبراني "لأن يمتلئ جوف أحدكم من عانته إلى لهاته قيحا يتخضخض خير له من أن يمتلئ شعرا" وسنده حسن. ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم لهذا الحديث سبب ولفظه "بينما نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج إذ عرض لنا شاعر ينشد فقال: أمسكوا الشيطان، لأن يمتلئ" فذكره. ويريه بفتح الياء آخر الحروف بعدها راء ثم ياء أخرى، قال الأصمعي: هو من الوري بوزن الرمي يقال منه رجل موري غير مهموز وهو أن يوري جوفه وأنشد: قالت له وريا إذا تنحنحا تدعو عليه بذلك. وقال أبو عبيد: الوري هو أن يأكل القيح جوفه. وحكى ابن التين فيه الفتح بوزن الفرى وهو قول الفراء. وقال ثعلب: هو بالسكون المصدر، وبالفتح الاسم. وقيل: معنى قوله "حتى يريه" أي يصيب رئته، وتعقب بأن الرئة مهموزة فإذا بنيت منه فعلا قلت رأه يرأه فهو مرئي انتهى، ولا يلزم من كون أصلها مهموزا أن لا تستعمل مسهلة، ويقرب ذلك أن الرئة إذا امتلأت قيحا يحصل الهلاك، وأما قوله "جوف أحدكم" فقال ابن أبي جمرة يحتمل ظاهره أن يكون المراد جوفه كله وما فيه من القلب وغيره، ويحتمل أن يريد به القلب خاصة وهو الأظهر لأن أهل الطب يزعمون أن القيح إذا وصل إلى القلب شيء منه وإن كان يسيرا فإن صاحبه يموت لا محالة، بخلاف غير القلب مما في الجوف من الكبد والرئة. قلت: ويقوي الاحتمال الأول رواية عوف بن مالك "لأن يمتلئ جوف أحدكم من عانته إلى لهاته" وتظهر مناسبته للثاني لأن مقابله - وهو الشعر - محله القلب لأنه ينشأ عن الفكر، وأشار ابن أبي جمرة إلى عدم الفرق في امتلاء الجوف من الشعر بين من ينشئه أو يتعانى حفظه من شعر غيره وهو ظاهر، وقوله "قيحا" بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها مهملة المدة لا يخالطها دم، وقوله "شعرا" ظاهره العموم في كل شعر، لكنه مخصوص بما لم يكن مدحا حقا كمدح الله ورسوله وما اشتمل على الذكر والزهد وسائر المواعظ مما لا إفراط فيه، ويؤيده حديث عمرو بن الشريد عن أبيه عند مسلم كما أشرت إليه قريبا، قال ابن بطال: ذكر بعضهم أن معنى قوله "خير له من أن يمتلئ شعرا" يعني الشعر الذي هجي به النبي صلى الله عليه وسلم