القاضي عياض رحمه اللَّه: هذا ومثله استئناس واستظهار على ما تقرَّر من ضعف أبان، لا أنَّه يقطع بأمر المنام، ولا أنَّه تبطل بسببه سنَّة ثبتت، ولا تثبت به سنَّة لم تثبت، وهذا بإجماع العلماء. هذا كلام القاضي، وكذا قاله غيره من أصحابنا وغيرهم، فنقلوا الاتِّفاق على أنَّه لا يغيّر بسبب ما يراه النَّائم ما تقرَّر في الشَّرع، وليس هذا الَّذي ذكرناه مخالفاً لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي" . فإنَّ معنى الحديث: أنَّ رؤيته صحيحة، وليست من أضغاث الأحلام وتلبيس الشَّيطان، ولكن لا يجوز إثبات حكم شرعيّ به، لأنَّ حالة النَّوم ليست حالة ضبط وتحقيق لما يسمعه الرَّائي، وقد اتَّفقوا على أنَّ من شرط من تُقْبَلُ روايته وشهادته أن يكون متيقِّظاً لا مغفلاً، ولا سيِّئ الحفظ، ولا كثير الخطأ، ولا مختلّ الضَّبط. والنَّائم ليس بهذه الصِّفة، فلم تقبل روايته لاختلال ضبطه، هذا كلّه في منام يتعلَّق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة، أمَّا إذا رأى النَّبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يأمره بفعل ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهيّ عنه، أو يرشده إلى فعل مصلحة فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه، لأنَّ ذلك ليس حكماً بمجرَّد المنام، بل بما تقرر من أصل ذلك الشَّيء، واللَّه أعلم. (ج/ص: ١/ ١١٦)