كان ينام عينه ولا ينام قلبه، ومن ثم احترز القائل بقوله "المدرك" من النائم ولذا قال "منضبطة في التخيل" لأن الرائي لا يرى في منامه إلا من نوع ما يدركه في اليقظة بحسه، إلا أن التخيلات قد تركب له في النوم تركيبا يحصل به صورة لا عهد له بها يكون علما على أمر نادر كمن رأى رأس إنسان على جسد فرس له جناحان مثلا وأشار بقوله "أعلاما" إلى الرؤيا الصحيحة المنتظمة الواقعة على شروطها، وأما الحديث الذي أخرجه الحاكم والعقيلي من رواية محمد بن عجلان عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال "لقي عمر عليا فقال: يا أبا الحسن الرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب: قال نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد ولا أمة ينام فيمتلئ نوما إلا تخرج بروحه إلى العرش، فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق والذي يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب، قال الذهبي في تلخيصه: هذا حديث منكر لم يصححه المؤلف، ولعل الآفة من الراوي عن ابن عجلان. قلت: هو أزهر ابن عبد الله الأزدي الخراساني ذكره العقيلي في ترجمته وقال: إنه غير محفوظ، ثم ذكره من طريق أخرى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ببعضه، وذكر فيه اختلافا في وقفه ورفعه، وذكر ابن القيم حديثا مرفوعا غير معزو (إن رؤيا المؤمن كلام يكلم به العبد ربه في المنام" ووجد الحديث المذكور في "نوادر الأصول للترمذي) من حديث عبادة بن الصامت أخرجه في الأصل الثامن والسبعين وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبي عمر، وهو واه وفي سنده جنيد، قال ابن ميمون عن حمزة بن الزبير عن عبادة قال الحكيم: قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب) أي في المنام، ورؤيا الأنبياء وحي بخلاف غيرهم، فالوحي لا يدخله خلل لأنه محروس بخلاف رؤيا غير الأنبياء فإنها قد يحضرها الشيطان. وقال الحكيم أيضا: وكل الله بالرؤيا ملكا اطلع على أحوال بني آدم كل من اللوح المحفوظ فينسخ منها ويضرب لكل على قصته مثلا، فإذا نام مثل له تلك الأشياء على طريق الحكمة لتكون له بشرى أو نذارة أو معاتبة، والآدمي قد تسلط عليه الشيطان لشدة العداوة بينهما فهو يكيده بكل وجه ويريد إفساد أموره بكل طريق فيلبس عليه رؤياه إما بتغليطه فيها وإما بغفلته عنها، ثم جميع المرائي تنحصر على قسمين: الصادقة وهي رؤيا الأنبياء ومن تبعهم من الصالحين وقد تقع لغيرهم بندور وهي التي تقع في اليقظة على وفق ما وقعت في النوم، والأضغاث وهي لا تنذر بشيء وهي أنواع: الأول تلاعب الشيطان ليحزن الرائي كأن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه أو رأى أنه واقع في هول ولا يجد من ينجده ونحو ذلك، الثاني أن يرى أن بعض الملائكة تأمره أن يفعل المحرمات مثلا ونحوه من المحال عقلا، الثالث أن يرى ما تتحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه فيراه كما هو في المنام وكذا رؤية ما جرت به عادته في اليقظة أو ما يغلب على مزاجه ويقع عن المستقبل غالبا وعن الحال كثيرا وعن الماضي قليلا. ثم ساق المصنف حديث عائشة في بدء الوحي وقد ذكره في أول الصحيح وقد شرحته هناك ثم استدركت ما فات من شرحه في تفسير (اقرأ باسم ربك) وسأذكر هنا ما لم يتقدم ذكره في الموضعين غالبا مما يستفاد من شرحه، ومداره على الزهري عن عروة عن عائشة، وقد ساقه في المواضع الثلاثة عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري ولكنه ساقه على لفظه في أول الكتاب، وقرنه في التفسير بيونس بن يزيد وساقه على لفظه، ثم قرنه هنا بمعمر وساقه على لفظه، وقوله هنا" أنبأنا معمر قال قال الزهري فأخبرني عروة "وقع عند مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق مثله لكن فيه" وأخبرني " بالواو لا بالفاء وهذه الفاء معقبة لشيء محذوف وكذلك الواو عاطفة عليه، وقد بينه البيهقي في "الدلائل" حيث أخرج الحديث من وجه آخر عن الزهري عن محمد بن النعمان بن بشير مرسلا فذكر قصة بدء الوحي مختصرة ونزول (اقرأ باسم ربك) إلى قوله (خلق الإنسان من علق) وقال محمد بن النعمان: فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك. قال الزهري: فسمعت عروة بن الزبير يقول "قالت عائشة" فذكر الحديث مطولا. قوله (الصالحة) في رواية عقيل "الصادقة" وهما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الأصل أخص، فرؤيا النبي كلها صادقة وقد تكون صالحة وهي الأكثر، وغير صالحة بالنسبة للدنيا كما وقع في الرؤيا يوم أحد، وأما رؤيا غير الأنبياء فبينهما عموم وخصوص: إن فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تعبير وأما إن فسرناها بأنها غير الأضغاث فالصالحة أخص مطلقا. وقال الإمام نصر بن يعقوب الدينوري في التعبير القادري: الرؤية الصادقة ما يقع بعينه أو ما يعبر في المنام أو يخبر به ما لا يكذب والصالحة ما يسر. النهاية في غريب الحديث والأثر. الإصدار ٢.٠٤ - للإمام ابن الأثير المجلد الأول >> حرف الجيم >> باب الجيم مع الزاي {جزأ} * فيه الجزْء: النَّصِيب والقطعة من الشيء، والجمع أجْزَاء. وجَزَأتُ الشَّيء: قَسَمْتُه، وجَزّأتُه للتَّكْثِير. ومنه الحديث وإنما خصَّ هذا العدد لأن عُمْر النبي صلى اللّه عليه وسلم - في أكثر الروايات الصحيحة - كان ثَلاَثاً وستّين سَنَة، وكانت مُدّة نُبُوّته منها ثلاثا وعشرين سَنَة؛ لأنه بُعث عند اسْتيفاء الأربعين، وكان في أوّل الأمْر يرَى الوحْي في المنام، ودام كذلك نِصْفَ سَنة، ثم رأى الملَك في اليَقَظة، فإذَا نُسِبَتْ مُدّة الوَحْي في النَّوم - وهي نِصْف سَنَة - إلى مُدّة نُبُوَّته، وهي ثلاث وعِشْرون سنة، كانت نِصْفَ جُزء من ثلاثة وعِشْرين جُزْءًا. وذلك جُزْء وَاحدٌ من ستَّة وأربعين جُزءًا. وقد تعاضَدَت الروايات في أحاديث الرُّؤيا بهذا العدَد، وجاء في بعضها وَوَجْه ذلك أن عُمْرَه صلى اللّه عليه وسلم لم يكُن قد اسْتَكْمَل ثلاثا وستين، ومات في أثْناء السَّنة الثالثة والسّتين، ونِسْبَة نِصْف السَّنة إلى اثْنَتَيْن وعشرين سَنَة وبَعْضِ الأخْرَى نِسْبَةُ جُزْء من خَمْسة وأربعين جُزءًا. وفي بعض الروايات ويكون مَحْمُولاً على مَن رَوَى أن عُمْره كان ستّين سنة، فيكون نِسْبة نِصْف سَنة إلى عشرين سَنة كنسْبة جزءٍ إلى أربعين. ومنه الحديث أي إن هذه الخِلاَل من شمَائل الأنبياء، ومن جُمْلة الخِصال المعْدُودة من خِصالهم، وأنَّها جزء مَعْلُوم من أجزاء أفْعَالِهم، فاقْتَدوا بهم فيها وتابِعُوهم [عليها] (الزيادة من ا) وليس المعْنى أن النُّبوّة تَتَجزَّأ، وَلاَ أنَّ مَن جَمع هذه الخلالَ كان فيه جزءٌ من النبوّة، فإن النبوَّة غيرُ مكْتَسَبة. ولا مُجْتَلبَة بالأسباب، وإنَّما هي كرامة من اللّه تعالى. ويجوز أن يكون أراد بالنبوّة ها هنا ما جاءت به النبوّة ودعَت إليه من الخيْرات. أي أن هذه الخلال جزء من خمسة وعشرين جُزءًا مما جاءت به النبوّة ودعا إليه الأنبياء. ومنه الحديث أي فَرَّقَهُم أجزاء ثلاثةً، وأراد بالتَّجْزِئة أنه قَسَمهم على عبْرة القِيمَة دُون عَددِ الرُّؤس، إلاَّ أنَّ قِيمَتهم تَسَاوت فيهم فخرَج عَددُ الرؤس مُساوِياً للْقِيَم. وعَبِيدُ أهل الحجاز إنَّما هُم الزُّنُوج والحبَش غالبا، والقِيَمُ فيهم مُتساوية أو مُتَقَارِبَة، ولأنَّ الغَرض أن تَنْفُذ وصِيَّتُهُ في ثُلث مالِه، والثُّلثُ إنما يُعْتَبَر بالقِيمَة لا بالعَدَد. وقال بظاهر الحديث مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة رحمهم اللّه: يَعْتِق ثُلُثُ كُلّ واحد منهم، ويُسْتَسْعَى في ثُلَثَيْه. وفي حديث الأضحية أي لنْ تَكْفي، يقال أجْزَأني الشيءُ: أي كَفَاني، ويُروَى بالباء، وسيجيء. (س) ومنه الحديث أي ليس يَكْفي، يقال جَزَأت الإبلُ بالرُّطْب (الرطب: الرِّعْي الأخضر من البقل والشجر، وتضم الطاء وتسكن. القاموس (رطب> عن الْمَاء: أي اكْتَفَتْ. وفي حديث سهل أي فَعَل فعْلا ظَهَر أثَرُه، وقام فيه مَقَاماً لم يَقُمْه غيرُه ولا كفَى فيه كِفَايَتَه. وقد تكررت هذه اللفظة في الحديث. (س) وفيه قال الخطّابي: زَعَم رَاوِيه أنه اسْم الرُّطَب عند أهل المدينة، فإن كان صحيحا فكأنهم سَمَّوه بذلك للاجْتِزاء به عن الطَّعام، والمحفوظ بالراء وهو القِثَّاء الصِّغار. وقد تقدم. »»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»» ) »»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»» )