لتلك العجوز أن الجنة لا يدخلها العجائز، فجعللت تبكي فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل الجنة جرد مرد مكحلون، أخبرها بلفظ أضمر فيه سوى ما فهمت من كلامه، فدل أن ذلك لا بأس به. ومن ذلك ما روي عن عبيدة السلماني - رضي الله عنه - قال: خطب علي - رضي الله عنه - فقال: والله ما قتلت عثمان ولا كرهت قتله وما أمرت ولا نهيت، فدخل عليه بعض من الله أعلم بحاله فقال له في ذلك قولاً، فلما كان في مقام آخر فقال من كان سائلي عن قتل عثمان - رضي الله عنه - فالله قتله وأنا معه، قال ابن سيرين - رحمه الله - هذه كلمة قرشية ذات وجوه، أما قوله ما قتلت عثمان - رضي الله عنه - فهو صدق حقيقة، ولا كرهت قتله أي كان قتله بقضاء الله تعالى ونال درجة الشهادة فما كرهت له هذه الدرجة وما كرهت قضاء الله وقدره، وأما قوله فالله قتله وأنا معه مقتول أقتل كما قتل عثمان - رضي الله عنه - فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأنه يستشهد بقوله وإن أشقى الأولين والآخرين من خضب بدمك هذه من هذه وأشار إلى عنقه ولحيته، وقد كان علي - رضي الله عنه - ابتلي بصحبة قوم على همم متفرقة، فقد كان يحتاج إلى أن يتكلم بمثل هذا الكلام الموجه. ومنه ما يروى عن سويد بن عفلة أن علياً لما قتل الزنادفة نظر إلى الأرض ثم رفع رأسه إلى السماء ثم قال: صدق الله ورسوله، ثم قام فدخل بيته فأكثر الناس في ذلك، فدخلت عليه فقلت يا أمير المؤمنين ماذا فنيت به الشيعة منذ اليوم، أرأيت نظرك إلى الأرض، ثم رفعك إلى السماء، ثم قولك صدق الله ورسوله أشيء عهد إليك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم شيء رأيته؟ فقال علي: هل عليّ من بأس أن أنظر إلى الأرض فقلت: لا فقال: وهل عليّ من بأس أن أنظر إلى السماء فقلت: لا فقال: هل عليّ من بأس أن أقول صدق الله ورسوله فقلت: لا فقال: فإني رجل مكابد، وإنما أشار إلى ص (٢١٣) المعنى الذي بينا أنه يحتاج إلى الوقوف على ما يضمره كل فريق من أصحابه، وكان يضع مثل هذا الكلام ويتكلم بكلام موجه لذلك. ومنه ما روي أنه كان إذا دخله ريبة من كل فريق جعل يمسح جبينه ويقول: ما كذبت ولا كدت، يوهمهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبره بحالهم فيظهرون له ما في باطنهم. ومن ذلك ما روي عن علي - رضي الله عنه - قال: والله لا أغسل شعري حتى أفتح مصر وأترك البصرة كجوف حمار ميت، وأعرك أذن عمار عرك الأديم، وأسوق العرب بعصاي، فذكروا لابن مسعود - رضي الله عنه - ذلك فقال: إن علياً يتكلم بكلام لا يصدر وها غرة هامته على مثل الطشت لا شعر عليها، فأي شعر يغسله بهذه، يتبين أن الكبار من الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يستعملون معاريض الكلام في حوائجهم، وكذلك من بعدهم من التابعين - رحمهم الله - على ما يحكى عن رجل قال: كنت عند إبراهيم - رحمه الله - وامرأته تعاتبه في جاريته، وبيده مروحة فقال: أشهدكم أنها لها، فلما خرجنا قال: على ماذا شهدتم قلنا: شهدنا على أنك جعلت الجارية لها، فقال أما رأيتموني أشير إلى المروحة، إنما قلت لكم أشهدوا أنها لها وأنا أعني المروحة التي كنت أشير إليها، وكانوا يعلمون غيرهم ذلك أيضاً على ما ذكره في الكتاب عن إبرهيم - رحمه الله - في رجل أخذه رجل فقال: إن لي معك حقاً قال: لا فقال: احلف لي بالمشي إلى بيت الله تعالى فقال: أحلف وأعني مسجد حيِّك، وإنما يحمل هذا على أن إبراهيم - رحمه الله - علم أن المدعي مبطل، وإنما المدعى عليه برئ، فعلمه الحيلة، وهو أن يحلف بالمشي إلى بيت الله تعالى يعني مسجد حيه، فإن المساجد كلها بيوت الله تعالى، أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه قال عز وجل {وإن المساجد لله} ولكن فيه بعض الشبهة، فإنه إن كان الرجل بريئاًعن الحق ما كان يلزمه شيء لو حلف بالمشي إلى بيت الله من غير هذه النية، وإن لم يكن بريئاً ما كان له أن يمنع