هو يأكل الميتة أو يستحلها أو الدم أو لحم الخنزير إن فعل كذا فهذا لا يكون يميناً، لأن هذه الحرمة ليست بحرمة تامة مصمتة، حتى أنه ينكشف عند الضرورة، وكذلك قوله هو يترك الصلاة والزكاة إن فعل كذا، لأن ذلك يجوز عند تحقق الضرورة والعجز، فلم يكن في معنى اليمين من كل وجه. ولو ألحق به باعتبار بعض الأوصاف لكان قياساً، ولا مدخل للقياس في هذا الباب. وكذلك لو حلف بحد من حدود الله تعالى أو بشيء من شرائع الإسلام لم يكن يميناً، لأنه حلف بغير الله تعالى، ولأن الحلف بهذه الأشياء غير متعارف، وقد بينا أن العرف معتبر في اليمين. ولو قال عليه لعنة الله أو غضب الله، أو أماته الله أو عذبه الله بالنار، أو حرّم عليه الجنة إن فعل كذا فشيء من هذا لا يكون يميناً، إنما هو دعاء على نفسه، قال الله تعالى: {ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير} (الإسراء: ١١) ولأن الحلف بهذه الألفاظ غير متعارف. وسئل محمد - رحمه الله تعالى - عمن يقول وسلطان الله لا يفعل كذا، فقال لا أدري ما هذا، من حلف بهذا فقد أشار إلى عدم العرف، والصحيح من الجواب في هذا الفصل أنه إذا أراد بالسلطان القدرة فهو يمين، كقوله وقدرة الله. ولو جعل عليه حجة أو عمرة أو صوماً أو صلاة أو صدقة، أو ما أشبه ذلك مما هو طاعة إن فعل كذا ففعل لزمه ذلك الذي جعله على نفسه، ولم يجب ص (١٣٦) كفارة اليمين فيه في ظاهر الرواية عندنا. وقد روي عن محمد - رحمه الله تعالى - قال: إن علق النذر بشرط يريد كونه كقوله إن شفى الله مريضي أو رد غائبي لا يخرج عنه بالكفارة. وإن علق بشرط لا يريد كونه كدخول الدار ونحوه يتخير بين الكفارة وبين عين ما التزمه، وهو قول الشافعي - رحمه الله تعالى - في الجديد وقد كان يقول في القديم يتعين عليه كفارة اليمين. وروي أن أبا حنيفة - رحمه الله تعالى - رجع إلى التخيير أيضاً، فإن عبدالعزيز ابن خالد الترمذي - رضي الله تعالى عنه - قال خرجت حاجاً فلما دخلت الكوفة قرأت كتاب النذور والكفارات على أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فلما انتهيت إلى هذه المسألة فقال قف، فإن من رأيي أن أرجع، فلما رجعت من الحج إذا أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - قد توفي فأخبرني الوليد بن أبان - رحمه الله - أنه رجع عنه قبل موته بسبعة أيام، وقال يتخير، وبهذا كان يفتى إسماعيل الزاهدـ رحمه الله قال - رضي الله عنه - وهو: اختياري أيضاً لكثرة البلوى في زماننا، وكان من مذهب عمر وعائشة - رضي الله عنهما - أنه يخرج عنه بالكفارة، ومن مذهب عبدالله بن عمر وعبدالله بن عباس وعبدالله بن الزبير - رضي الله عنهم - أنه لا يخرج عنه بالكفارة حتى كان ابن عمر يقول لا أعرف في النذر إلا الوفاء. وأما وجه قوله الأول: قوله - صلى الله عليه وسلم - (من نذر نذراً وسمى فعليه الوفاء بما سمى) ،