أحمد وإسحق لا نكره ذلك. الحادية عشرة - لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى وأسمائه وصفاته. وقال أحمد بن حنبل: إذا حلف بالنبي صلى الله عليه وسلم انعقدت يمينه، لانه حلف بما لا يتم الايمان إلا به فتلزمه الكفارة كما لو حلف بالله. وهذا يرده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أدرك عمر بن الخطاب في ركب وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول الله صلى الله تفسير القرطبي (٦/ ٢٧١) : عليه وسلم: [ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت] وهذا حصر في عدم الحلف بكل شئ سوى الله تعالى وأسمائه وصفاته كما ذكرنا. ومما يحقق ذلك ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالانداد ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون] ثم ينتقض عليه بمن قال: وآدم وإبراهيم فإنه لا كفارة عليه، وقد حلف بما لا يتم الايمان إلا به. الثانية عشرة - روى الائمة واللفظ لمسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [من حلف منكم فقال في حلفه باللات فليقل لا إله إلا الله ومن قال لصاحبه تعال أقامرك فليتصدق] . وخرج النسائي عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: كنا نذكر بعض الامر وأنا حديث عهد بالجاهلية فحلفت باللات والعزى، فقال لي بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بئس ما قلت: وفي رواية قلت هجرا، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: [قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير وانفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ بالله من الشيطان ثم لا تعد] . قال العلماء: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من نطق بذلك أن يقول بعده لا إله إلا الله تكفيرا لتلك اللفظة، وتذكيرا من الغفلة، وإتماما للنعمة. وخص اللات بالذكر لانها أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم، وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها إذ لا فرق بينها، وكذا من قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدق فالقول فيه كالقول في اللات، لانهم كانوا اعتادوا المقامرة وهي من أكل المال بالباطل. الثالثة عشرة - قال أبو حنيفة في الرجل يقول: هو يهودي أو نصراني أو برئ من الاسلام أو من النبي أو من القرآن أو أشرك بالله أو أكفر بالله: إنها يمين تلزم فيها الكفارة، ولا تلزم فيما إذا قال: واليهودية والنصرانية والنبي والكعبة وإن كانت على صيغة الايمان. ومتمسكه ما رواه الدارقطني عن أبي رافع أن مولاته أرادت أن تفرق بينه وبين امرأته فقالت: هي يوما يهودية، ويوما نصرانية، وكل مملوك لها حر، وكل مال لها تفسير القرطبي (٦/ ٢٧٢) : في سبيل الله، وعليها مشي إلى بيت الله إن لم تفرق بينهما، فسألت عائشة وحفصة وابن عمر وابن عباس وأم سلمة فكلهم قال لها: أتريدين أن تكوني مثل هاروت وماروت؟ وأمروها أن تكفر عن يمينها وتخلي بينهما. وخرج أيضا عنه قال: قالت مولاتي لافرقن بينك وبين امرأتك، وكل مال لها في رتاج الكعبة وهي يوما يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية إن لم أفرق بينك وبين امرأتك، قال: فانطلقت إلى أم المؤمنين أم سلمة فقلت: إن مولاتي تريد أن تفرق بيني وبين امرأتي، فقالت انطلق إلى مولاتك فقل لها: إن هذا لا يحل لك، قال: فرجعت إليها، قال ثم أتيت ابن عمر فأخبرته فجاء حتى انتهى إلى الباب فقال: ها هنا هاروت وماروت، فقالت: إني جعلت كل مال لي في رتاج الكعبة. قال: فمم تأكلين؟ قالت: وقلت أنا يوما يهودية ويوما نصرانية ويوما مجوسية، فقال: إن تهودت قتلت وإن تنصرت قتلت وإن تمجست قتلت، قالت: فما تأمرني؟ قال: تكفري عن يمينك، وتجمعين بين فتاك وفتاتك. وأجمع العلماء على أن الحالف إذا قال: أقسم بالله أنها يمين. واختلفوا إذا قال أقسم أو أشهد ليكون كذا وكذا ولم يقل بالله فإنها تكون أيمانا عند مالك إذا أراد بالله، وإن لم يرد بالله لم تكن أيمانا تكفر. وقال أبو حنيفة والاوزاعي والحسن والنخعي: هي أيمان في الموضعين. وقال الشافعي: لا تكون أيمانا حتى يذكر اسم الله تعالى، هذه رواية المزني عنه. وروى عنه الربيع مثل قول مالك. الرابعة عشرة - إذا قال: أقسمت عليك لتفعلن، فإن أراد سؤاله فلا كفارة فيه وليست بيمين، وإن أراد اليمين كان ما ذكرناه آنفا. الخامشة عشرة - من حلف بما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة كقوله: وخلق الله ورزقه وبيته لا شئ عليه، لانها أيمان غير جائزة، وحلف بغير الله تعالى. السادسة عشرة - إذا انعقدت اليمين حلتها الكفارة أو الاستثناء. وقال ابن الماجشون: الاستثناء بدل عن الكفارة وليست حلا لليمين. قال ابن القاسم: هي حل لليمين، وقال ابن العربي: وهو مذهب فقهاء الامصار وهو الصحيح، وشرطه أن يكون متصلا منطوقا تفسير القرطبي (٦/ ٢٧٣) : به لفظا، لما رواه النسائي وأبو داود عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من حلف فاستثنى فإن شاء مضى وإن شاء ترك عن غير حنث] فإن نواه من غير نطق أو قطعه من غير عذر لم ينفعه. وقال محمد بن المواز: يكون الاستثناء مقترنا باليمين اعتقادا ولو بآخر حرف، قال: فإن فرغ منها واستثنى لم ينفعه ذلك، لان اليمين فرغت عارية من الاستثناء، فورودها بعده لا يؤثر كالتراخي، وهذا يرده الحديث [من حلف فاستثنى] والفاء، للتعقيب وعليه جمهور أهل العلم. وأيضا فإن ذلك يؤدي إلى ألا تنحل يمين ابتدئ عقدها وذلك باطل.