[من حلف على يمين صبر (٢) يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقى الله وهو عليه غضبان] فنزلت "إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا" (٣) [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية ولم يذكر كفارة، فلو أوجبنا عليه كفارة لسقط جرمه، ولقى الله وهو عنه راض، ولم يستحق الوعيد المتوعد عليه، وكيف لا يكون ذلك وقد جمع هذا الحالف الكذب، واستحلال مال الغير، والاستخفاف باليمين بالله تعالى، والتهاون بها وتعظيم الدنيا؟ فأهان ما عظمه الله، وعظم ما حقره الله وحسبك. ولهذا قيل: إنما سميت اليمين الغموس غموسا لانها تغمس صاحبها في النار. السادسة - الحالف بألا يفعل على بر ما لم يفعل، فإن فعل حنث ولزمته الكفارة لوجود المخالفة منه، وكذلك إذا قال إن فعلت. وإذا حلف بأن ليفعلن فإنه في الحال على حنث لوجود المخالفة، فإن فعل بر، وكذلك إن قال إن لم أفعل. تفسير القرطبي (٦/ ٢٦٩) : السابعة - قول الحالف: لافعلن، وإن لم أفعل، بمنزلة الامر وقوله: لا أفعل، وإن فعلت، بمنزلة النهي. ففي الاول لا يبر حتى يفعل جميع المحلوف عليه: مثاله لآكلن هذا الرغيف فأكل بعضه لا يبر حتى يأكل جميعه: لان كل جزء منه محلوف عليه. فإن قال: والله لآكلن - مطلقا - فإنه يبر بأقل جزء مما يقع عليه الاسم، لادخال ماهية الاكل في الوجود. وأما في النهي فإنه يحنث بأقل ما ينطلق عليه الاسم، لان مقتضاه ألا يدخل فرد من أفراد المنهى عنه في الوجود، فإن حلف ألا يدخل دارا فأدخل إحدى رجليه حنث، والدليل عليه أنا وجدنا الشارع غلظ جهة التحريم بأول الاسم في قوله تعالى: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم" (١) [النساء: ٢٢] ، فمن عقد على امرأة ولم يدخل بها حرمت على أبيه وابنه، ولم يكتف في جهة التحليل بأول الاسم فقال: [لا حتى تذوقي عسيلته] . الثامنة - المحلوف به هو الله سبحانه وأسماؤه الحسنى، كالرحمن والرحيم والسميع والعليم والحليم، ونحو ذلك من أسمائه وصفاته العليا، كعزته وقدرته وعلمه وإرادته وكبريائه وعظمته وعهده وميثاقه وسائر صفات ذاته، لانها يمين بقديم غير مخلوق، فكان الحالف بها كالحالف بالذات. روى الترمذي والنسائي وغيرهما أن جبريل عليه السلام لما نظر إلى الجنة ورجع إلى الله تعالى قال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، وكذلك قال في النار: وعزتك لا يسمع بها أحدا فيدخلها.