الله تعالى: والحلف بهذه الأشياء منكر، وتعقب بهذا الخبر لأنه لم يذكر فيه إلا الأمر بلا إله إلا الله، ولم يذكر فيه كفارة، والأصل عدمها حتى يقام الدليل، وأما القياس على الظهار فلا يصلح لأنهم لم يوجبوا فيه كفارة الظهار، واستثنوا أشياء لم يوجبوا فيها كفارة إصلاح مع أنه منكر من القول انتهى. وحديث أبي هريرة هذا أخرجه الشيخان (الرياء شرك) روى ابن ماجه من حديث معاذ بن جبل أن يسير الرياء شرك، الحديث. وقد فسر بعض أهل العلم هذه الاَية (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً) الاَية تمامها (ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) قال لا يرائي: يعني أن المراد من الشرك في هذه الرياء وأطلق على الرياء تغليظاً ومبالغة في الزجر عنه تحفة الأحوذي، الإصدار ١.٠٩ - للمباركفوري ١٥٣٨ ـ حدثنا قُتَيْبَةُ حدثنا أبو خالدٍ الأحمرُ عن الحسنِ بنِ عُبَيْدِ الله عن سَعْدِ بن عُبَيْدَةَ: أنّ ابنَ عُمَرَ سَمِعَ رجلاً يقولُ لا والكعبةِ، فقالَ ابنُ عُمرَ: لا يُحْلَفُ بِغَيْرِ الله، فإني سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فقد كَفَرَ أو أشْرَكَ" . قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ. وفُسِر هذا الحديثِ عندَ بعضِ أهلِ الْعِلْمِ أنّ قولَه فقد كَفَرَ أو أشْرَكَ على التّغْلِيظِ. والْحُجّةُ في ذلك حديثُ ابنِ عُمَرَ: "أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ عُمَرَ يقولُ وأبي وأبي، فقال ألاَ إنّ الله يَنْهَاكُمْ أنْ تَحْلِفُوا بآبائِكم" . وحديثُ أبي هُريرَة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَنْ قال في حَلْفِهِ والّلات والعُزّى فَلْيَقُلْ لا إلهَ إلا الله" . قال أبو عيسى هذا مِثْلُ ما رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهُ قال: "إنّ الرّيَاءُ شِرْكٌ" . وقد فَسّرَ بَعْضُ أهلِ الْعِلْمِ هذه الاَيةَ: {فَمَنْ كان يَرَجُو لِقَاءَ رَبّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالحاً} الاَية، قال: لا يُرَائِي. قوله: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) كذا وقع في بعض النسخ بلفظ أو، وكذا ذكره الحافظ في الفتح نقلاً عن جامع الترمذي بلفظ: أو وقع في بعضها وأشرك بالواو، وكذا ذكره الحافظ في التلخيص نقلاً عن الترمذي بالواو. وقال الحافظ في الفتح والتعبير بقوله: فقد كفر أو أشرك للمبالغة في الزجر والتغليظ في ذلك، وقد تمسك به من قال بتحريم ذلك. قوله: (هذا حديث حسن) ، قال الحافظ في الفتح وصححه الحاكم، وقال في التلخيص: قال البيهقي لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر، قال الحافظ: قد رواه شعبة عن منصور عنه قال: كنت عند ابن عمر، ورواه الأعمش عن سعد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن عمر انتهى، (من قال في حلفه باللات والعزى) صنمان معروفان في الجاهلية (فليقل لا إله إلا الله قال الحافظ: وإنما أمر الحالف بذلك بقول لا إله إلا الله لكونه تعاطي صورة تعظيم الصنم، حيث حلف به. قال جمهور العلماء: من حلف باللات والعزى أو غيرهما من الأصنام، أي قال إن فعلت كذا فأنا يهودي، أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو من النبي صلى الله عليه وسلم لم تنعقد يمينه، وعليه أن يستغفر الله، ولا كفارة عليه، ويستحب أن يقول: لا إله إلا الله وعن الحنفية تجب الكفارة إلا في مثل قوله أنا مبتدع أو بريء من النبي صلى الله عليه وسلم واحتج بإيجاب الكفارة على المظاهر مع أن الظهار منكر من القول وزور كما قال الله تعالى: والحلف بهذه الأشياء منكر، وتعقب بهذا الخبر لأنه لم يذكر فيه إلا الأمر بلا إله إلا الله، ولم يذكر فيه كفارة، والأصل عدمها حتى يقام الدليل، وأما القياس على الظهار فلا يصلح لأنهم لم يوجبوا فيه كفارة الظهار، واستثنوا أشياء لم يوجبوا فيها كفارة إصلاح مع أنه منكر من القول انتهى. وحديث أبي هريرة هذا أخرجه الشيخان (الرياء شرك) روى ابن ماجه من حديث معاذ بن جبل أن يسير الرياء شرك، الحديث. وقد فسر بعض أهل العلم هذه الاَية (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً) الاَية تمامها (ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) قال لا يرائي: يعني أن المراد من الشرك في هذه الرياء وأطلق على الرياء تغليظاً ومبالغة في الزجر عنه نيل الأوطار، الإصدار ٢.٠١ - للإمام الشوكاني الجزء التاسع. >> كتاب الأشربة. >> أبواب الأيمان وكفارتها. >> باب الحلف بأسماء اللّه وصفاته والنهي عن الحلف بغير اللّه تعالى. حديث قتيلة أخرجه أيضاً ابن ماجه وصححه النسائي. وحديث أبي هريرة الأخر أخرجه أيضاً أبو داود والنسائي وابن حبان والبيهقي. وفي الصحيحين عن ابن عمر رفعه: (من كان حالفاً فلا يحلف إلا باللّه) . (وفي الباب) عن ابن عمر رفعه: (من حلف بغير اللّه فقد كفر) أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه. ويروى أنه قال فقد أشرك وهو عند أحمد من هذا الوجه وكذا عند الحاكم ورواه الترمذي وابن حبان من هذا الوجه أيضاً بلفظ: (فقد كفر وأشرك) قال البيهقي: لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر قال الحافظ: قد رواه شعبة عن منصور عنه قال: كنت عند ابن عمر ورواه الأعمش عن سعيد عن عبد الرحمن السلمي عن ابن عمر. قوله: (لا ومقلب القلوب) لا نفي للكلام السابق ومقلب القلوب هو المقسم به والمراد بتقليب القلوب تقليب أحوالها لا ذواتها وفيه جواز تسمية اللّه بما ثبت من صفاته على وجه يليق به. قال القاضي أبو بكر ابن العربي: في الحديث جواز الحلف بأفعال اللّه تعالى إذا وصف بها ولم يذكر اسمه تعالى. وفرق الحنفية بين القدرة والعلم فقالوا إن حلف بقدرة اللّه انعقدت يمينه وإن حلف بعلم اللّه لم تنعقد لأن العلم يعبر به عن المعلوم كقوله تعالى {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} والجواب أنه هنا مجاز إن سلم أن المراد به المعلوم والكلام إنما هو في الحقيقة. قال الراغب: تقليب اللّه القلوب والأبصار صرفها عن رأي إلى رأي قال: ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به من الروح والعلم والشجاعة. قوله: (فقال وعزتك) هذا طرف من الحديث الذي فيه: (إن الجنة حفت بالمكاره والنار بالشهوات) وذكره المصنف رحمه اللّه هنا للاستدلال به على الحلف بعزة اللّه. قال ابن بطال: العزة يحتمل أن تكون صفة ذات بمعنى القدرة والعظمة وأن تكون صفة فعل بمعنى القهر لمخلوقاته والغلبة لهم ولذلك صحت الإضافة قال: ويظهر الفرق [ص ١٢٣] بين الحالف بعزة اللّه أي التي هي صفة لذاته والحالف بعزة اللّه التي هي صفة لفعله بأنه يحنث في الأول دون الثاني. قال الحافظ: وإذا أطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقدت اليمين. قوله: (لا وعزتك لا أسألك غير هذا) هذا طرف من الحديث الطويل في صفة الحشر ومحل الحجة منه هذا اللفظ المذكور فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ذكر ذلك مقرراً له فكان دليلاً على جواز الحلف بذلك. قوله: (بلى وعزتك) هو طرف من حديث طويل وأوله: (أن أيوب كان يغتسل فخر عليه جراد من ذهب) ووجه الدلالة منه أن أيوب عليه السلام لا يحلف إلا باللّه وقد ذكر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ذلك عنه وأقره. قوله: (ولكن لا غنى لي عن بركتك) بكسر الغين المعجمة والقصر كذا للأكثر. ووقع لأبي ذر عن غير الكشميهني بفتح أوله والمد والأول أولى فإن معنى الغناء بالفتح والمد الكفاية يقال ما عند فلان غناء أي ما يغتني به. قوله: (تنددون) أي تجعلون للّه أنداداً وتشركون أي تجعلون للّه شركاء وفيه النهي عن الحلف بالكعبة وعن قول الرجل ما شاء اللّه وشئت ثم أمرهم أن يأتوا بما لا تنديد فيه ولا شرك فيقولون ورب الكعبة ويقولون ما شاء اللّه ثم شئت. وحكى ابن التين عن أبي جعفر الداودي أنه قال: ليس في الحديث نهي عن القول المذكور وقد قال اللّه تعالى {وما نقموا إلا أن أغناهم اللّه ورسوله من فضله} وقال تعالى {وإذا تقول للذي أنعم اللّه عليه وأنعمت عليه} وغير ذلك وتعقبه بأن الذي قاله أبو جعفر ليس بظاهر لأن قوله: (ما شاء اللّه وشئت) تشريك في مشيئته تعالى وأما الآية فإنما أخبر اللّه أنه أغناهم وأن رسوله أغناهم وهو من اللّه حقيقة لأنه الذي قدر ذلك ومن الرسول صل ى اللّه عليه وآله وسلم حقيقة باعتبار تعاطي الفعل. وكذا الإنعام أنعم اللّه على زيد بن حارثة بالإسلام وأنعم عليه النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بالعتق وهذا بخلاف المشاركة في المشيئة فإنها منفردة للّه سبحانه وتعالى بالحقيقة وإذا نسبت لغيره فبطريق المجاز. قوله: (إن اللّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) في رواية للترمذي من حديث ابن عمر (أنه سمع رجلاً يقول لا والكعبة فقال: لا تحلف بغير اللّه فإني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: من حلف بغير اللّه فقد كفر وأشرك) قال الترمذي حسن وصححه الحاكم والتعبير بقوله كفر أو أشرك للمبالغة في الزجر [ص ١٢٤] والتغليظ في ذلك وقد تمسك به من قال بالتحريم. قوله: (فليحلف باللّه أو ليصمت) قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير اللّه أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه والعظمة في الحقيقة إنما هي للّه وحده فلا يحلف إلا باللّه وذاته وصفاته وعلى ذلك اتفق الفقهاء. واختلف هل الحلف بغير اللّه حرام أو مكروه للمالكية والحنابلة قولان ويحمل ما حكاه ابن عبد البر من الإجماع على عدم جواز الحلف بغير اللّه على أن مراده بنفي الجواز الكراهة أعم من التحريم والتنزيه وقد صرح بذلك في موضع آخر. وجمهور الشافعية على أنه مكروه تنزيهاً وجزم ابن حزم بالتحريم. وقال إمام الحرمين: المذهب القطع بالكراهة وجزم غيره بالتفصيل فإن اعتقد في المحلوف به ما يعتقد في اللّه تعالى كان بذلك الاعتقاد كافراً ومذهب الهادوية أنه لا إثم في الحلف بغير اللّه ما لم يسو بينه وبين اللّه في التعظيم أو كان الحلف متضمناً كفراً أو فسقاً وسيأتي الكلام على من يكفر بحلفه. قال في الفتح: وأما ما ورد في القرآن من القسم بغير اللّه ففيه جوابان أحدهما أن فيه حذفاً والتقدير ورب الشمس ونحوه والثاني أن ذلك يختص باللّه فإذا أراد تعظيم شيء من مخلوقاته أقسم به وليس لغيره ذلك وأما ما وقع مما يخالف ذلك كقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم للأعرابي أفلح وأبيه إن صدق فقد أجيب عنه بأجوبة: الأول الطعن في صحة هذه اللفظة كما قال ابن عبد البر إنها غير محفوظة وزعم أن أصل الرواية أفلح واللّه فصحفها بعضهم. والثاني أن ذلك كان يقع من العرب ويجري على ألسنتهم من دون قصد للقسم والنهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف قاله البيهقي وقال النووي إنه الجواب المرضي.