مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً الشرح: قوله (أبو أحمد الزبيري) هو محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي، نسب لجده وهو أسد من بني أسد بن خزيمة، فقد يلتبس بمن ينسب إلى الزبير بن العوام لكونهم من بني أسد بن عبد العزى، وهذا من فنون علم الحديث وصنفوا فيه الأنساب المتفقة في اللفظ المفترقة في الشخص. وقد وقع عند أبي نعيم في الطب من طريق أبي بكر وعثمان بن أبي شيبة "قالا حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي أبو أحمد الزبيري" وعند الإسماعيلي من طريق هارون بن عبد الله الحمال "حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري" . قوله: (عن أبي هريرة) كذا قال عمر بن سعيد عن عطاء، وخالفه شبيب بن بشر فقال "عن عطاء عن أبي سعيد الخدري" أخرجه الحاكم وأبو نعيم في الطب ورواه طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس، هذه رواية عبد بن حميد عن محمد بن عبيد عنه. وقال معتمر بن سليمان "عن طلحة بن عمرو عن عطاء عن أبي هريرة" أخرجه ابن عاصم في الطب وأبو نعيم، وهذا مما يترجح به رواية عمر بن سعيد. قوله: (ما أنزل الله داء) وقع في رواية الإسماعيلي "من داء" و "من" زائدة، ويحتمل أن يكون مفعول "أنزل" محذوفا فلا تكون من زائدة بل لبيان المحذوف، ولا يخفى تكلفه. قوله: (إلا أنزل له شفاء) في رواية طلحة بن عمرو من الزيادة في أول الحديث "يا أيها الناس تداووا" ووقع في رواية طارق بن شهاب عن ابن مسعود رفعه "إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا" وأخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم، ونحوه للطحاوي وأبي نعيم من حديث ابن عباس، ولأحمد عن أنس "إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء، فتداووا" وفي حديث أسامة بن شريك "تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، إلا داء واحدا الهرم" أخرجه أحمد والبخاري في "الأدب المفرد" والأربعة وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم، وفي لفظ "إلا السام" بمهملة مخففة يعني الموت. ووقع في رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود نحو حديث الباب في آخره "علمه من علمه وجهله من جهله" أخرجه النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم. ولمسلم عن جابر رفعه "لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى" ولأبي داود من حديث أبي الدرداء رفعه "إن الله جعل لكل داء دواء فتداووا، ولا تداووا بحرام" وفي مجموع هذه الألفاظ ما يعرف منه المراد بالإنزال في حديث الباب وهو إنزال علم ذلك على لسان الملك للنبي صلى الله عليه وسلم مثلا، أو عبر بالإنزال عن التقدير. وفيها التقييد بالحلال فلا يجوز التداوي بالحرام. وفي حديث جابر منها الإشارة إلى أن ال شفاء متوقف على الإصابة بإذن الله، وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجع، بل ربما أحدث داء آخر. وفي حديث ابن مسعود الإشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد، وفيها كلها إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله وبتقديره، وأنها لا تنجح بذواتها بل بما قدره الله تعالى فيها، وأن الدواء قد ينقلب داء إذا قدر الله ذلك، وإليه الإشارة بقوله في حديث جابر "بإذن الله" فمدار ذلك كله على تقدير الله وإرادته. والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات والدعاء بطلب العافية ودفع المضار وغير ذلك، وسيأتي مزيد لهذا البحث في "باب الرقية" إن شاء الله تعالى. ويدخل في عمومها أيضا الداء القاتل الذي اعترف حذاق الأطباء بأن لا دواء له، وأقروا بالعجز عن مداواته، ولعل الإشارة في حديث ابن مسعود بقوله "وجهله من جهله" إلى ذلك فتكون باقية على عمومها، ويحتمل أن يكون في الخبر حذف تقديره: لم ينزل داء يقبل الدواء إلا أنزل له شفاء، والأول أولى. ومما يدخل في قوله "جهله من جهله" ما يقع لبعض المرضى أنه يتداوى من داء بدواء فيبرأ ثم يعتريه ذلك الداء بعينه فيتداوى بذلك الدواء بعينه فلا ينجع، والسبب في ذلك الجهل بصفة من صفات الدواء فرب مرضين تشابها ويكون أحدهما مركبا لا ينجع فيه ما ينجع في الذي ليس مركبا فيقع الخطأ من هنا، وقد يكون متحدا لكن يريد الله أن لا ينجع فلا ينجع ومن هنا تخضع رقاب الأطباء، وقد أخرج ابن ماجه من طريق أبي خزامة وهو بمعجمة وزاي خفيفة "عن أبيه قال: قلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به هل يرد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله تعالى" والحاصل أن حصول الشفاء بالدواء إنما هو كدفع الجوع بالأكل والعطش بالشرب، وهو ينجع في ذلك في الغالب، وقد يتخلف لمانع والله أعلم. ثم الداء والدواء كلاهما بفتح الدال وبالمد، وحكي كسر دال الدواء. واستثناء الموت في حديث أسامة بن شريك واضح، ولعل التقدير إلا داء الموت، أي المرض الذي قدر على صاحبه الموت. واستثناء الهرم في الرواية الأخرى إما لأنه جعله شبيها بالموت والجامع بينهما نقص الصحة، أو لقربه من الموت وإفضائه إليه. ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا والتقدير: لكن الهرم لا دواء له، والله أعلم. فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد العاشر >> كِتَاب الطِّبِّ >> باب هَلْ يَسْتَخْرِجُ السِّحْرَ وَقَالَ قَتَادَةُ قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَوْ يُؤَخَّذُ عَنْ امْرَأَتِهِ أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشَّرُ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الْإِصْلَاحَ فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ الشرح: قوله: (باب هل يستخرج السحر) ؟ كذا أورد الترجمة بالاستفهام إشارة إلى الاختلاف، وصدر بما نقله عن سعيد بن المسيب من الجواز إشارة إلى ترجيحه. قوله: (وقال قتادة قلت لسعيد بن المسيب الخ) وصله أبو بكر الأثرم في "كتاب السنن" من طريق أبان العطار عن قتادة، ومثله من طريق هشام الدستوائي عن قتادة بلفظ "يلتمس من يداويه، فقال: إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع" وأخرجه الطبري في "التهذيب" من طريق يزيد بن زريع عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأسا إذا كان بالرجل سحر أن يمشي إلى من يطلق عنه، فقال: هو صلاح. قال قتادة: وكان الحسن يكره ذلك يقول: لا يعلم ذلك إلا ساحر، قال فقال سعيد بن المسيب. إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع. وقد أخرج أبو داود في "المراسيل" عن الحسن رفعه "النشرة من عمل الشيطان" ووصله أحمد وأبو داود بسند حسن عن جابر، قال ابن الجوزي: النشرة حل السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر. وقد سئل أحمد عمن يطلق السحر عن المسحور فقال: لا بأس به. وهذا هو المعتمد. ويجاب عن الحديث والأثر بأن قوله "النشرة من عمل الشيطان" إشارة إلى أصلها، ويختلف الحكم بالقصد، فمن قصد بها خيرا كان خيرا وإلا فهو شر. ثم الحصر المنقول عن الحسن ليس على ظاهره لأنه قد ينحل بالرقى والأدعية والتعويذ، ولكن يحتمل أن تكون النشرة نوعين. قوله: (به طب) بكسر الطاء أي سحر، وقد تقدم توجيهه. قوله: (أو يؤخذ) بفتح الواو مهموز وتشديد الخاء المعجمة وبعدها معجمة أي يحبس عن امرأته ولا يصل إلى جماعها، والأخذة بضم الهمزة هي الكلام الذي يقوله الساحر، وقيل حرزة يرقى عليها، أو هي الرقية نفسها. قوله: (أو يحل عنه) بضم أوله وفتح المهملة. قوله: (أو ينشر) بتشديد المعجمة من النشرة بالضم وهي ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرا أو مسا من الجن، قيل لها ذلك لأنه يكشف بها عنه ما خالطه من الداء، ويوافق قول سعيد بن المسيب ما تقدم في "باب الرقية" في حديث جابر عند مسلم مرفوعا "من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل" ويؤيد مشروعية النشرة ما تقدم في حديث "العين حق" في قصة اغتسال العائن، وقد أخرج عبد الرزاق من طريق الشعبي قال: لا بأس بالنشرة العربية التي إذا وطئت لا تضره، وهي أن يخرج الإنسان في موضع عضاه فيأخذ عن يمينه وعن شماله من كل ثم يدقه ويقرأ فيه ثم يغتسل به. وذكر ابن بطال أن في كتب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين ثم يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل ثم يحسو منه ثلاث حسوات ثم يغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله، وممن صرح بجواز النشرة المزني صاحب الشافعي وأبو جعفر الطبري وغيرهما، ثم وقفت على صفة النشرة في " كتاب الطب النبوي "لجعفر المستغفري قال: وجدت في خط نصوح بن واصل على ظهر جزء من" تفسير قتيبة بن أحمد البخاري "قال قال قتادة لسعيد بن المسيب: رجل به طب أخذ عن امرأته أيحل له أن ينشر؟ قال لا بأس، وإنما يريد به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه. قال نصوح: فسألني حماد بن شاكر: ما الحل وما النشرة؟ فلم أعرفهما، فقال: هو الرجل إذا لم يقدر على مجامعة أهله وأطاق ما سواها فإن المبتلي بذلك يأخذ حزمة قضبان وفأسا ذا قطارين ويضعه في وسط تلك الحزمة ثم يؤجج نارا في تلك الحزمة حتى إذا ما حمي الفأس استخرجه من النار وبال على حره فإنه يبرأ بإذن الله تعالى، وأما النشرة فإنه يجمع أيام الربيع ما قدر عليه من ورد المفارة وورد البساتين ثم يلقيها في إناء نظيف ويجعل فيهما ماء عذبا ثم يغلي ذلك الورد في الماء غليا يسيرا ثم يمهل حتى إذا فتر الماء أفاضه عليه فإنه يبرأ بإذن الله تعالى: قال حاشد: تعلمت هاتين الفائدتين بالشام. قلت: وحاشد هذا من رواة الصحيح عن البخاري، وقد أغفل المستغفري أن أثر قتادة هذا علقه البخاري في صحيحه وأنه وصله الطبري في تفسيره، ولو اطلع على ذلك ما اكتفى بعزوه إلى تفسير قتيبة بن أحمد بغير إسناد، وأغفل أيضا أثر الشعبي في صفته وهو أعلى ما اتصل بنا من ذلك. صحيح مسلم بشرح النووي، الإصدار ٢.٠١ - للإمام محي الدين بن شرف النووي. الجزء الثالث >> تتمة كتاب الإيمان >> -١٩ - باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب