أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَاعِفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ إِنْ كَانَتْ الْأَمَةُ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ الشرح: حديث حارثة بن وهب وقد تقدم شرحه في تفسير سورة ن، والغرض منه وصف المستكبر بأنه من أهل النار. وقوله "ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف" هو برفع كل لأن التقدير هم كل ضعيف الخ ولا يجوز أن يكون بدلا من أهل. حديث أنس: قوله: (وقال محمد بن عيسى) أي ابن أبي نجيح المعروف بابن الطباع بمهملة مفتوحة وموحدة ثقيلة، وهو أبو جعفر البغدادي نزيل أذنة بفتح الهمزة والمعجمة والنون، وهو ثقة عالم بحديث هشيم حتى قال علي بن المديني سمعت يحيي القطان وابن مهدي يسألانه عن حديث هشيم. وقال أبو حاتم: حدثنا محمد بن عيسى بن الطباع الثقة المأمون، ورجحه على أخيه إسحاق بن عيسى وإسحاق أكثر من محمد. وقال أبو داود: كان يتفقه، وكان يحفظ نحو أربعين ألف حديث، ومات سنة أربع وعشرين ومائتين، وحدث عنه أبو داود بلا واسطة. وأخرج الترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجه من حديثه بواسطة، ولم أر له في البخاري سوى هذا الموضع وموضع آخر في الحج "قال محمد بن عيسى حدثنا" قال حماد ولم أر في شيء من نسخ البخاري تصريحه عنه بالتحديث، وقد قال أبو نعيم بعد تخريجه ذكره البخاري بلا رواية، وأما الإسماعيلي فإنه قال: قال البخاري قال محمد بن عيسى فذكره ولم يخرج له سندا، وقد ضاق مخرجه على أبي نعيم أيضا، فساقه في مستخرجه من طريق البخاري، وغفل عن كونه في مسند أحمد وأخرجه أحمد عن هشيم شيخ محمد بن عيسى فيه، وإنما عدل البخاري عن تخريجه عن أحمد بن حنبل لتصريح حميد في رواية محمد بن عيسى بالتحديث، فإنه عنده عن هشيم "أنبأنا حميد عن أنس" وحميد مدلس، والبخاري يخرج له ما صرح فيه بالحديث. قوله: (فتنطلق به حيث شاءت) في رواية أحمد "فتنطلق به في حاجتها" وله من طريق علي بن زيد عن أنس "أن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت" وأخرجه ابن ماجه من هذا الوجه، والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الرفق والانقياد. وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع لذكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة، وحيث عمم بلفظ الإماء أي أمة كانت، وبقوله "حيث شاءت" أي من الأمكنة. والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست منه مساعدتها في تلك الحاجة على ذلك، وهذا دال على مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر صلى الله عليه وسلم وقد ورد في ذم الكبر ومدح التواضع أحاديث، من أصحها ما أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر فقيل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا، قال: الكبر بطر الحق وغمط الناس" والغمط بفتح المعجمة وسكون الميم بعدها مهملة هو الازدراء والاحتقار، وقد أخرجه الحاكم بلفظ "الكبر من بطر الحق وازدري الناس" والسائل المذكور يحتمل أن يكون ثابت بن قيس فقد روى الطبراني بسند حسن عنه أنه سأل عن ذلك، وكذا أخرج من حديث سواد بن عمرو أنه سأل عن ذلك. وأخرج عبد بن حميد من حديث ابن عباس رفعه "الكبر السفه عن الحق، وغمص الناس. فقال: يا نبي الله وما هو؟ قال: السفه أن يكون لك على رجل مال فينكره فيأمره رحل بتقوى الله فيأبى، والغمص أن يجيء شامخا بأنفه، وإذا رأى ضعفاء الناس وفقراءهم لم يسلم عليهم ولم يجلس إليهم محقرة لهم" وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم من حديث ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم "من مات وهو بريء من الكبر والغلول والدين دخل الجنة" وأخرج أحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان من حديث أبي سعيد رفعه "من تواضع لله درجة رفعه الله درجة حتى يجعله الله في أعلى عليين، ومن تكبر على الله درجة وضعه الله درجة حتى يجعله في أسفل سافلين" وأخرج الطبراني في "الأوسط" عن ابن عمر رفعه "إياكم والكبر، فإن الكبر يكون في الرجل وإن عليه العباءة" ورواته ثقات، وحكى ابن بطال عن الطبري أن المراد بالكبر في هذه الأحاديث الكفر، بدليل قوله في الأحاديث "على الله" ثم قال: ولا ينكر أن يكون من الكبر ما هو استكبار على غير الله تعالى ولكنه غير خارج عن معنى ما قلناه، لأن معتقد الكبر على ربه يكون لخلق الله أشد استحقارا انتهى. وقد أخرج مسلم من حديث عياض بن حماد بكسر المهملة وتخفيف الميم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد" الحديث، والأمر بالتواضع نهي عن الكبر فإنه ضده، وهو أعم من الكفر وغيره واختلف في تأويل ذلك في حق المسلم فقيل: لا يدخل الجنة مع أول الداخلين، وقيل لا يدخلها بدون مجازاة، وقيل جزاؤه أن لا يدخلها ولكن قد يعفى عنه، وقيل ورد مورد الزجر والتغليظ، وظاهره غير مراد. وقيل معناه لا يدخل الجنة حال دخولها وفي قلبه كبر، حكاه الخطابي، واستضعفه النووي فأجاد لأن الحديث سيق لذم الكبر وصاحبه لا للإخبار عن صفة دخول أهل الجنة الجنة قال الطيبي: المقام يقتضي حمل الكبر على من يرتكب الباطل، لأن تحرير الجواب إن كان استعمال الزينة لإظهار نعمة الله فهو جائز أو مستحب، وإن كان للبطر المؤدي إلى تسفيه الحق وتحقير الناس والصد عن سبيل الله فهو المذموم. فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد الحادي عشر >> كِتَاب الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ >> باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ الحديث: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنِي غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْن َ وَهْبٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ وَأَهْلِ النَّارِ كُلُّ جَوَّاظٍ عُتُلٍّ مُسْتَكْبِرٍ الشرح: حديث حارثة بن وهب وهو بالحاء المهملة وبالمثلثة. قوله (ألا أدلكم على أهل الجنة إلخ) قال الداودي: المراد أن كلا من الصنفين في محله المذكور لا أن كلا من الدارين لا يدخلها إلا من كان من الصنفين فكأنه قيل كل ضعيف في الجنة وكل جواظ في النار، ولا يلزم أن لا يدخلها غيرهما. قوله (كل ضعيف) قال أبو البقاء: كل بالرفع لا غير، والتقدير هم كل ضعيف إلخ، والمراد بالضعيف الفقير والمستضعف بفتح العين المهملة، وغلط من كسرها لأن المراد أن الناس يستضعفونه ويقهرونه ويحقرونه، وذكر الحاكم في "علوم الحديث" أن ابن خزيمة سئل من المراد بالضعيف هنا؟ فقال: هو الذي يبرئ نفسه من الحول والقوة في اليوم عشرين مرة إلى خمسين مرة. وقال الكرماني: يجوز الكسر ويراد به المتواضع المتذلل، وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفي في تفسير سورة ن، ونقل ابن التين عن الداودي أن الجواظ هو الكثير اللحم الغليظ الرقبة. وقوله "لو أقسم على الله لأبره" أي لو حلف بمينا على شيء أن يقع طمعا في كرم الله بإبراره لأبره وأوقعه لأجله، وقيل هو كناية عن إجابة دعائه. صحيح مسلم بشرح النووي، الإصدار ٢.٠١ - للإمام محي الدين بن شرف النووي. الجزء السادس عشر >> تتمة كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم >> -٤١ - باب من فضائل أويس القرنيّ رضي الله عنه