قال: "أَتَدْرونَ ما الغِيبَةُ؟" قالوا: الله ورسولهُ أَعْلمُ، قال: "ذكرُك أخاك بما يكْرهُ" قيلَ: أَفرأَيْت إنْ كان في أَخي ما أقولُ؟ قال: "إنْ كانَ فيه ما تقولُ فقد اغْتبتهُ، وإنْ لم يكن فيه فقد بهتّهُ" أَخرجَهُ مُسْلمٌ. (وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "أتدرون ما الغيبةُ؟" ) بكسر الغين المعجمة (قالوا: الله ورسوله أعلم قال: "ذكرُك أَخاكَ بما يكرهُ" قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لمْ يكُنْ فيه فقدْ بهتّهُ" ) بفتح الموحدة وفتح الهاء من البهتان (أخرجه مسْلمٌ) . الحديث كأنه سيق لتفسير الغيبة المذكورة في قوله تعالى: {ولا يغتب بعضكم بعضاً} ودل الحديث على حقيقة الغيبة، قال في النهاية: هي أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه. قال النووي في الأذكار تبعاً للغزالي: ذكر المرء بما يكره سواء كان في بدن الشخص أو دينه أو دنياه أو نفسه أو خلقه أو ماله أو والده أو ولده أو زوجه أو خادمه أو حركته أو طلاقته أو عبوسته أو غير ذلك مما يتعلق به ذكر سوء سواء ذكر باللفظ أو بالرمز أو بالإشارة، قال النووي: ومن ذلك التعريض في كلام المصنفين كقولهم قال من يدّعي العلم أو بعض من ينسب إلى الصلاح أو نحو ذلك مما يفهم السامع المراد به، ومنه قولهم عند ذكره: الله يعافينا؛ الله يتوب علينا؛ نسأل الله السلامة، ونحو ذلك؛ فكل ذلك من الغيبة. وقوله: "ذكرك أخاك بما يكره" شامل لذكره في غيبته وحضرته وإلى هذا ذهب طائفة، ويكون الحديث بياناً لمعناها الشرعي. وأما معناها لغة فاشتقاقها من الغيب يدل على أنها لا تكون إلا في الغيبة. ورجح جماعة أن معناها الشرعي موافق لمعناها اللغوي، ورووا في ذلك حديثاً مسنداً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ما كرهت أن تواجه به أخاك فهو غيبة" فيكون هذا إن ثبت مخصصاً لحديث أبي هريرة، وتفاسير العلماء دالة على هذا، ففسرها بعضهم بقوله: ذكر العيب بظهر الغيب، وآخر بقوله: هي أن تذكر الإنسان من خلفه بسوء وإن كان فيه. نعم ذكر العيب في الوجه حرام لما فيه من الأذى وإن لم يكن غيبة. وفي قوله: "أخاك" أي أخ الدين دليل على أن غير المؤمن تجوز غيبته وتقدّم الكلام في ذلك. قال ابن المنذر: في الحديث دليل على أن من ليس بأخ كاليهودي والنصراني وسائر أهل الملل ومن قد أخرجته بدعته عن الإسلام لا غيبة له، وفي التعبير عنه بالأخ جذب للمغتاب عن غيبته لمن يغتاب لأنه إذا كان أخاه فالأولى الحنوّ عليه، وطي مساويه، والتأويل لمعايبه لا نشرها بذكرها. وفي قوله: "بما يكره" ما يشعر بأنه إذا كان لا يكره ما يعاب به كأهل الخلاعة والمجون فإنه لا يكون غيبة. وتحريم الغيبة معلوم من الشرع ومتفق عليه. وإنما اختلف العلماء هل هو من الصغائر أو الكبائر؟ فنقل القرطبي الإجماع على أنها من الكبائر. واستدل لكبرها بالحديث الثابت "إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام" وذهب الغزالي وصاحب العمدة من الشافعية إلى أنها من الصغائر، قال الأوزاعي لم أرَ من صرح أنها من الصغائر غيرهما. وذهب المهدي إلى أنها محتملة بناءً على ما لم يقطع بكبره فهو محتمل كما تقوله المعتزلة. قال الزركشي: والعجب ممن يعد أكل الميتة كبيرة ولا يعد الغيبة كذلك والله أنزلها منزلة أكل لحم الآدمي أي ميتاً. والأحاديث في التحذير من الغيبة واسعة جداً دالة على شدّة تحريمها. واعلم أنه قد استثنى العلماء من الغيبة أموراً ستة: الأولى: التظلم فيجوز أن يقول المظلوم فلان ظلمني وأخذ مالي أو أنه ظالم، ولكن إذا كان ذكره لذلك شكاية على من له قدرة على إزالتها أو تخفيفها ودليله قول هند عند شكايتها له صلى الله عليه وآله وسلم من أبي سفيان إنه رجل شحيح. الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على إزالته فيقول: فلان فعل كذا، في حق من لم يكن مجاهراً بالمعصية. الثالث: الاستفتاء بأن يقول للمفتي: فلان ظلمني بكذا فما طريقي إلى الخلاص عنه، ودليله أنه لا يعرف الخلاص عما يحرم عليه إلا بذكر ما وقع منه. الرابع: التحذير للمسلمين من الاغترار، كجرح الرواة والشهود ومن يتصدّر للتدريس والإفتاء مع عدم الأهلية، ودليله قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "بئس أخو العشيرة" وقوله صلى الله عليه وآله وسلم "أما معاوية فصعلوك" وذلك أنها جاءت فاطمة بنت قيس تستأذنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وتستشيره وتذكر أنه خطبها معاوية بن أبي سفيان وخطبها أبو جهم فقال: "معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، ثم قال: انكحي أسامة" الحديث. الخامس: ذكر من جاهر بالفسق أو البدعة كالمكاسين وذوي الولايات الباطلة، فيجوز ذكرهم بما يجاهرون به دون غيره، وتقدّم دليله في حديث "اذكروا الفاجر" . السادس: التعريف بالشخص بما فيه من العيب كالأعور والأعرج والأعمش ولا يرد به نقصه وغيبته، وجمعها ابن أبي شريف في قوله: [شع] الذم ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرّف ومحذِّر [/شع] [شع] ولمظهر فسقاً ومستفت ومن طلب الإعانة في إزلة منكر [/شع] . وعنْهُ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا تحَاسَدوا، ولا تناجَشُوا، ولا تباغَضُوا ولا تدابَرُوا، ولا يَبعُ بَعْضُكُم على بيْع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسْلمُ أَخُو المسلم لا يظْلمُهُ ولا يخذُلُهُ، ولا يحقرُهُ، التّقوى ها هنا" ويشيرُ إلى صَدْرهِ ثلاثَ مرَّات: "بحسْب امرئٍ من الشرِّ أَنْ يحقِر أَخاه المسلمَ. كُلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دمُهُ ومالهُ وعرضُهُ" أَخُرجَهُ مُسلمٌ. (وعنه رضي الله عنه أي أبي هريرة (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا تحاسدوا ولا تناجشوا) بالجيم والشين المعجمة (ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبْغ) بالغين المعجمة من البغي. وبالمهملة من البيع (بَعْضُكمْ على بعض، وكونوا عباد الله) منصوب على النداء (إخواناً، المُسْلمُ أَخُو المُسلم لا يظْلمهُ ولا يخْذُلُهُ ولا يحقِرُهُ) بفتح حرف المضارعة وسكون الحاء المهملة وبالقاف فراء. قال القاضي عياض: ورواه بعضهم:" لا يخفره "بضم الياء وبالخاء المعجمة وبالفاء، أي لا يغدر بعهده ولا ينقض أمانه قال: والصواب الأول (التّقوى هَا هُنا ــــ ويشيرُ إلى صدره ثلاث مرَّات ــــ بحسب امرئٍ من الشّرِّ أَنْ يحْقِر أَخاهُ المُسْلم، كُلُّ المسلم على المُسْلم حَرَامٌ، دَمُهُ، ومالُهُ، وعرْضُهُ" أخرجه مسلم) . الحديث اشتمل على أمور نهى عنها الشارع. الأول: التحاسد وهو تفاعل يكون بين اثنين. نهى عن حسد كل واحد منهما صاحبه من الجانبين، ويعلم منه النهي عن الحسد من جانب واحد بطريق الأولى لأنه إذا نهى عنه مع من يكافئه ويجازيه بحسده مع أنه من باب {وجزاء سيئة سيئة مثلها} فهو مع عدم ذلك أولى بالنهي، وتقدّم تحقيق الحسد. الثاني: النهي عن المناجشة وتقدّم تحقيقها في البيع، ووجه النهي عنها أنها من أسباب العداوة والبغضاء. وقد روي بغير هذا اللفظ في الموطأ بلفظ "ولا تنافسوا" من المنافسة وهي الرغبة في الشيء ومحبة الانفراد به، ويقال: نافست في الشيء منافسة ونفاساً إذا رغبت فيه، والنهي عنها نهي عن الرغبة في الدنيا وأسبابها وحظوظها. والثالث: النهي عن التباغض وهو تفاعل وفيه ما في "تحاسدوا" من النهي عن التقابل في المباغضة، والانفراد بها بالأولى، وهو نهي عن تعاط ي أسبابه لأن البغض لا يكون إلا عن سبب. والذم متوجه إلى المباغضة لغير الله فأما ما كانت لله فهي واجبة فإن البغض في الله والحب في الله من الإيمان، بل ورد في الحديث حصر الإيمان عليهما. الرابع: النهي عن التدابر، قال الخطابي: أي لا تهاجروا فيهجر أحدكم أخاه، مأخوذ من تولية الرجل للآخر دبره، إذا أعرض عنه حين يراه، وقال ابن عبد البرّ: قيل للإعراض تدابر لأن من أبغض أعرض ومن أعرض ولى دبره والمحب بالعكس. وقيل: معناه لا يستأثر أحدكم على الآخر، وسمي المستأثر مستدبراً لأنه يولي دبره حين يستأثر بشيء دون الآخر؟ وقال المازري: معنى التدابر المعاداة، تقول: دابرته أي عاديته، وفي الموطأ عن الزهري: التدابر الإعراض عن السلام يدبر عنه بوجهه، وكأنه أخذه من بقية الحديث وهي "يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" فإنه يفهم أن صدور السلام منهما أو من أحدهما يرفع الإعراض. الخامس: النهي عن البغي؛ إن كان بالغين المعجمة، وإن كان بالمهملة فعن بيع بعض على بيع بعض، وقد تقدم في كتاب البيع، قال ابن عبد البرّ: تضمن الحديث تحريم بغض المسلم والإعراض عنه وقطيعته بعد صحبته بغير ذنب شرعي، والحسد له على ما أنعم الله تعالى عليه، ثم أمر أن يعامله معاملة الأخ النسيب، ولا يبحث عن معايبه، ولا فرق في ذلك بين الحاضر والغائب والحي والميت. وبعد هذه المناهي الخمسة حثهم بقوله: "وكونوا عباد الله إخواناً" فأشار بقوله: "عباد" إلى أن من حق العبودية لله الامتثال لما أمر، قال القرطبي: المعنى كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة والمواساة والمعاونة والنصيحة، وفي رواية لمسلم زيادة "كما أمر الله" أي بهذه الأمور فإن أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر منه تعالى وزاد "المسلم" حثا على أخوه المسلم بقوله: "المسلم أخو المسلم" وذكر من حقوق الأخوة أنه لا يظلمه، وتقدم تحقيق الظلم وتحريمه، والظلم محرم في حق الكافر، أيضاً وإنما خص المسلم لشرفه. "ولا يخذله" والخذلان ترك الإعانة والنصر، ومعناه إذا استعان به في دفع أي ضر أو جلب أي نفع أعانه "ولا يحقره" ولا يحتقره ولا يتكبر عليه ويستخف به ويروى "لا يحتقره" وهو بمعناه. وقوله: "التقوى ها هنا" إخبار بأن عمدة التقوى ما يحل في القلب من خشية الله ومراقبته وإخلاص الأعمال له. وعليه دل حديث مسْلم: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" أي أن المجازاة والمحاسبة إنما تكون على ما في القلب دون الصورة الظاهرة والأعمال البارزة، فإن عمدتها النيات ومحلها القلب. وتقدم "إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد" . وقوله: "بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه" أي يكفيه أن يكون من أهل الشر بهذه الخصلة وحدها، وفي قوله: "كل المسلم على المسلم حرام" إخبار بتحريم الدماء والأموال والأعراض، وهو معلوم من الشرع علماً قطعياً. وَعَنْ قُطبة بن مالك رضي الله عنْهُ قال: كان رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقولُ: "اللهُمَّ جَنِّبني مُنْكراتِ الأخلاق والأعمال والأهواءِ والأدواءِ" أَخرجهُ الترمذيُّ وصحَحهُ الحاكم واللفظ لهُ .. (وعن قطبة) بضم القاف وسكون الطاء المهملة وفتح الموحدة (ابن مالك رضي الله عنه يقال له التغلبي بالمثناة الفوقية والغين المعجمة ويقال الثعلبي بالمثلثة والعين المهملة (قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: "اللّهُمَّ جَنّبْني مُنْكرات الأخْلاق والأهواءِ والأدواءِ" أخرجه الترمذي وصحّحه الحاكم واللفظ له) . التجنيب: المباعدة أي باعدني، والأخلاق: جمع خلق، قال القرطبي: الأخلاق أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره، وهي محمودة ومذمومة. فالمحمودة على الإجمال: أن تكون مع غيرك على نفسك فتنتصف منها ولا تنتصف لها، وعلى التفصيل: العفو والحلم والجود والصبر وتحمل الأذى والرحمة والشفقة وقضاء الحوائج والتودّد ولين الجانب ونحو ذلك. والمذمومة: ضد ذلك وهي منكرات الأخلاق التي سأل صلى الله عليه وآله وسلم ربه أن يجنبه إياها في هذا الحديث. وفي قوله: "اللهم كما حسنت خَلْقي فحسّن خُلُقِي" أخرجه أحمد وصححه ابن حبان، وفي دعائه صلى الله عليه وآله وسلم في الافتتاح "واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها سواك، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها غيرك" . ومنكرات الأعمال: ما ينكر شرعاً أو عادة، ومنكرات الأهواء جمع هوى، والهوى هو ما تشتيه النفس من غير نظر إلى مقصد يحمد عليه شرعاً، ومنكرات الأدواء جمع داء وهي الأسقام المنفرة التي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتعوّذ منها كالجذام والبرص، والمهلكة: كذات الجنب وكان صلى الله عليه وآله وسلم يستعيذ من سيء الأسقام. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا تمار أَخاكَ ولا تمازحهُ ولا تَعِدْهُ موعداً فَتُخْلفهُ" أَخرجهُ الترمذي بسندٍ ضعيفٍ. (وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: "لا تمار) من المماراة، وهي المجادلة (أَخاك ولا تمازحْهُ) من المزح (ولا تَعِدْهُ موعداً فَتخْلِفَهُ" أخرجه الترمذي بسند ضعيف) . لكن في معناه أحاديث سيما في المراء، فإنه روى الطبراني أن جماعة من الصحابة قالوا: خرج علينا رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ونحن نتمارى في شيء من أمر الدين فغضب غضباً شديداً لم يغضب مثله ثم انتهرنا وقال: "أبهذا يا أمة محمد أمرتم؟ إنما أهلك من كان قبلكم بمثل هذا، ذروا المراء لقلة خيره، ذروا المراء فإن المؤمن لا يماري، ذروا المراء فإن المماري قد تمت خسارته، ذروا المراء، كفى إثماً أن لا تزال ممارياً، ذروا المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة، ذروا المراء فأنا زعيم بثلاثة أبيات في الجنة في رياضها أسفلها وأوسطها وأعلاها لمن ترك المراء وهو صادق، ذروا المراء فإنه أوّل ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان" وأخرج الشيخان مرفوعاً "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم" أي الشديد المراء أي الذي يحج صاحبه. وحقيقة المراء طعنك في كلام غيرك لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله، وإظهار مزيتك عليه، والجدال هو ما يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها. والخصومة لجاج في الكلام ليستوفى به أو غيره، ويكون تارة ابتداء وتارة اعتراضاً، والمراء لا يكون إلا اعتراضاً، والكل قبيح إذا لم يكن لإظهار الحق وبيانه وإدحاض الباطل وهدم أركانه. وأما مناظرة أهل العلم للفائدة وإن لم تخل عن الجدال فليست داخلة في النهي، وقد قال تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} وقد أجمع عليه المسلمون سلفاً وخلفاً، وأفاد الحديث النهي عن ممازحة الأخ، والمزاح: الدعابة، والمنهي عنه ما يجلب الوحشة أو كان بباطل، وأما ما فيه بسط الخلق وحسن التخاطب وجبر الخاطر فهو جائز. فقد أخرج الترمذي من حديث أبي هريرة أنهم قالوا: يا رسول الله إنك لتداعبنا؛ قال: "إني لا أقول إلا حقاً" . وأفاد الحديث النهي عن إخلاف الوعد، وتقدم أنه من صفات المنافقين، وظاهره التحريم، وقد قيده حديث: "أن تعده وأنت مضمر لخلافه" وأما إذا وعدته وأنت عازم على الوفاء فعرض مانع فلا يدخل تحت النهي. [رح ١٩] ـ وعن أَبي سعيد الخُدْريِّ رضي الله عنهُ قال: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "خصْلتان لا يجتمعان في مُؤمنٍ: البُخْلُ وسُوءُ الخُلُق" أَخرجهُ الترمذي وفي سنده ضعْفٌ. قد علم قبح البخل عرفاً وشرعاً، وقد ذمّه الله في كتابه بقوله {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} وبقوله في الكانزين {فبشرهم بعذاب أليم} بل ذم من لم يأمر الناس ويحثهم على خلافه فقال تعالى: {ولا يحض على طعام المسكين} . جعله من صفات الذين يكذبون بيوم الدين وقال في الحكاية عن الكفار: إنهم قالوا وهم في طبقات النار: {ولم نك نطعم المسكين} [المدثر: ٤٤] الآية. وإنما اختلف العلماء في المذموم منه وقدمنا كلامهم في ذلك. وحده بعضهم بأنه في الشرع منع ذلك كان بخيلاً ينله العقاب. قال الغزالي: وهذا الحد غير كاف فإن من يرد اللحم والخبز إلى القصاب والخباز لنقص وزن حبة يعد بخيلاً اتفاقاً وكذا مضايق عياله في لقمة أو تمرة أكلوها من ماله بعد ما سلم لهم ما فرض القاضي لهم، وكذا من بين يديه رغيف فحضر من يظن أن يشاركه فأخفاه يعد بخيلاً قلت: هذا في البخيل عرفاً لا من يستحق العقاب فلا يرد نقضاً. وأما حسن الخلق فقد تقدم القول فيه، وسوء الخلق ضده، وقد وردت فيه أحاديث دالة على أنه ينافي الإيمان فأخرج الحاكم "سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل" ، وأخرج ابن منده "سوء الخلق شؤم، وطاعة النساء ندامة، وحسن الملكة نماء" ، وأخرج الخطيب "إن لكل شيء توبة إلا صاحب سوء الخلق فإنه لا يتوب من ذنب إلا وقع فيما هو شر منه" ، وأخرج الصابوني "ما من ذنب إلا وله عند الله توبة إلا سوء الخلق فإنه لا يتوب صاحبه من ذنب إلا وقع فيما هو شر منه" ، وأخرج الترمذي وابن ماجه "لا يدخل الجنة سيء الخلق" ، والأحاديث في الباب واسعة ولعله يحمل المؤمن في الحديث على كامل الإيمان أو أنه خرج مخرج التحذير والتنفير أو أراد إذا ترك إخراج الزكاة مستحلاً لترك واجب قطعي. [رح] ــــ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "المُسْتَبّانِ مَا قَالا، فعَلَى البَادِيءِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ" . أخرجه مسلم. وعن أبي هرية رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "المستبان ما قالا فعلى الباديء ما لم يعتد المظلوم" أخرجه مسلم دل الحديث على جواز مجازاة من نابتدأ الأنسان بالأذية بمثلها وأن إثم ذلك عائد على الباديء لأنه المتسبب لكل ما قاله المجيب إلا أن يعتدي المجيب في أذيته بالكلام فيختص به إثم عدوانه لأنه إنما أذن له في مثل ما عوقب به: {وجزاء سيئة سيئة مثلها. فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ، وعدم المكافأة والصبر والاحتمال أفضل فقد ثبت: "أن رجلاً سب أبا بكر رضي الله عنه بحضرته صلى الله عليه وآله وسلم فسكت أبو بكر والنبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قاعد ثم أجابه أبو بكر فقام النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقيل له في ذلك فقال: إنه لما سكت أبو بكر كان ملك يجيب عنه فلما انتصف لنفسه حضر الشيطان أو نحو هذا اللفظ" قال تعالى: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} . [رح] ـــ وعن أبي صرمة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "من ضارَّ مسلماً ضارَّهُ اللَّه، ومن شاقَّ مسلماً شقَّ اللَّه علَيه" . أخرجه أبو داود، والترمذي، وحسنه. وعن أبي صرمة بكسر الصاد المهملة وسكون الراء اشتهر بكنيته واختلف في اسمه اختلافاً كثيراً وهو من بني مازن بن النجار شهد بدراً وما بعدها من المشاهد قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "من ضار مسلماً ضاره الله ومن شاق مسلماً شق الله عليه" أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه أي من أدخل على مسلم مضرة في ماله أو نفسه أو عرضه بغير حق ضاره الله أي جازاه من جنس فعله وأدخل عليه المضرة. والمشاقة المنازعة أي من نازع مسلماً ظلماً وتعدياً أنزل الله عليه المشقة جزاء وفاقاً. والحديث تحذير من أذى المسلم بأي شيء. [رح] ـــ وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إنَّ اللَّه يُبْغِضُ الفاحِشَ البَذِيءَ" . أخرجه الترمذي، وصححه. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إن الله يبغض الفاحش البذيء" أخرجه الترمذي وصححهُ البغض ضد المحبة وبغض الله عبده إنزال العقوبة بهوعدم إكرامه إياه والبذيء فعيل من البذاء وهو الكلام القبيح الذي ليس من صفات المؤمن كما دل له الحديث الآتي: وقد استدل به على وجوب التضحية على من كان له سعة، لأنه لما نهى عن قربان المصلى دل على أنه ترك واجباً، كأنه يقول لا فائدة في الصلاة مع ترك هذا الواجب، ولقوله تعالى: {فصل لربك وانحر} فقيل يوم النحر ويومان بعده وهو المشهور، وقيل: العشر الأول من ذي الحجة، والسبب الثاني: معارضة دليل الخطاب في هذه الآية بحديث جبير بن مطعم مرفوعاً أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: "كل فجاج مكة منحر وكل أيام التشريق ذبح" فمن قال في الأيام المعلومات إنها يوم النحر ويومان بعده في هذه الآية رجح دليل الخطاب فيها على الحديث المذكور، وقال: لا نحر إلا في هذه الأيام. ومن رأى الجمع بين الحديث والآية قال: لا معارضة بينهما، إذ الحديث اقتضى حكماً زائداً على ما في الآية، مع أن الآية ليس المقصود فيها تحديد أيام النحر والحديث المقصود منه ذلك، قال: يجوز الذبح في اليوم الرابع إذا كان من أيام التشريق باتفاق. [رح] ـــ وله من حديث ابن مسعود رضي الله عنه رفعه: "ليسَ المُؤمِنُ بالطَّعانِ، ولا اللَّعانِ ولا الفاحِشِ، ولا البَذِيءِ" . وحسنه، وصححه الحاكم، ورجح الدارقطني وقفه. وله أي للترمذي (من حديث ابن مسعود رفعه "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء" وحسنه وصححه الحاكم ورجح الدارقطني وقفهُ الطعن السب يقال: طعن في عرضه أي سبه واللعان اسم فاعل للمبالغة بزنة فعال أي كثير اللعن ومفهوم الزيادة غير مراد فإن اللعن محرم قليلة وكثيرة. والحديث إخبار بأنه ليس من صفات المؤمن الكامل الإيمان السب واللعن إلا أنه يستثني من ذلك لعن الكافر وشارب الخمر ومن لعنه الله ورسوله. [رح] ــــ وعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالتْ: قالَ رسولُ اللهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا تسُبُّوا الأمْوَاتَ فإنَّهم قد أفْضَوا إلى ما قدَّمُوا" . أخرجه البخاري. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال: رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا ستبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" أخرجه البخاري سب الأموات عام للكافر وغيره وقد تقدم وعلله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بإفضائهم إلى ما قدموا "من أعمالهم وصار أمرهم إلى مولاهم. وقد مر الحديث بلفظة في آخر الجنائز والكلام عليه. [رح] ـــ وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم:" لا يدخُلُ الجنَّة قتَّات ". متفق عليه. وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الل صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: لا يدخل الجنة قتات بقاف ومثناة فوقية وبعد الألف مثناة أيضاً وهو النمام، وقد روي بلفظه: متفق عليه، وقيل: إن بين القتات والنمام فرقاً فالنمام الذي يحضر القصة ليبلغها والقتات الذي يتسمع من حيث لا يعلم به ثم ينقل ما سمعه وحقيقة النميمة نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض للأفساد بينهم. وقال الغزالي: إن حدها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول إليه أو المنقول عنه أو ثالث وسواء كان الكشف بالرمز أو بالكتابة أو بالإيماء. قال: فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه فلو رآه يخفي ما لا لنفسه فذكره فهو نميمة كذا قاله. قلت ويحتمل أن مثل هذا لا يدخل في النميمة بل يكون من إفشاء السر وهو محرم أيضاً وورد في النميمة عدة أحاديث أخرج الطبراني مرفوعاً:" ليس منا ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ولا أنا منه "، ثم تلا قوله تعالى: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً} [الأحزاب: ٥٨] وأخرج أحمد:" خيار عباد الله الذين إذا رؤوا ذكر الله، وشر عباد الله المشاؤون بالنميمة الباغون للبراء العيب يحشرهم الله مع الكلاب" وغير هذا من الأحاديث. وقد تجب النميمة كما إذا سمع شخصاً يتحدث بإرادة إيذاء إنسان ظلماً وعدواناً يحذره منه، فإن أمكن تحذيره بغير ذكر من سمعه منه وإلا ذكر له ذلك. والحديث دليل على عظم ذنب النمام. قال الحافظ المنذري: أجمعت الأمة على أن النميمة محرمة وأنها من أعظم الذنوب عند الله وفي كلام للغزالي ما يدل على أنها لا تكون كبيرة إلا مع قصد الأفساد. [رح] ـــ وعن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "مَنْ كفَّ غَضَبَهُ كَفّ اللَّه عنْهُ عَذَابَهُ" . أخرجه الطبراني في الأوسط. وله شاهد من حديث ابن عمر عند ابن أبي الدنيا. وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "من كف غضبه كف الله عنه عذابه" أخرجه الطبراني في الأوسط وله شاهد من حديث ابن عمر عند ابن أبي الدنيا تقدم الكلام في الغضب مراراً. وهذا الحديث في فضل من كف غضبه ومنع نفسه من إصدار ما يقتضيه الغضب ولا يكون ذلك إلا بالحلم والصبر وجهاد النفس وهو أمر شاق، ولذا جعل الله جزاءه كف عذابه عنه، وقد قال تعالى في صفات المؤمنين: {وإذا ما غضبوا هم يغفرون} (الشورى: ٣٧) . وعَنْ أبي بكر الصِّديق رضي اللّهُ عَنْهُ قال: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا يدخلُ الجنّة خَبٌّ ولا بخيلٌ ولا سَيِّءُ الملكَة" أَخرجَهُ الترمذيُّ وفرَّقَهُ حديثين وفي إسناده ضَعْفٌ. (وعن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "لا يدخُلُ الجنّة) من أول الأمر (خَبٌّ) بالخاء المعجمة مفتوحة وبالموحدة الخداع (ولا بخيلٌ) تقدّم الكلام على البخيل (ولا سيءُ الملكة) وهو مَنْ يترك ما يجب عليه من حق المماليك، أو يتجاوز الحد في عقوبتهم، ومثله تركه لتأديبهم بالآداب الشرعية من تعليم فرائض الله وغيرها، وكذلك البهائم سوء الملكة يكون بإهمالها عن الطعام وتحميلها ما لا تطيقه من الأحمال والمشقة عليها بالسير والضرب العنيف وغير ذلك (أخرجه الترمذي وفرقه حديثين وفي إسناده ضعف) ولكن له شواهد كثيرة وقد مضى كثير منها. وعنْ ابن عَبّاس رضي الله عنهما قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم:" مَنْ تَسَمّع حديث قومٍ وهم لهُ كارهون صُبَّ في أُذنيْهِ الآنُكُ يَومَ القيامة "يعني الرَّصاص. أخرجه البخاريُّ. (وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم:" منْ تسمّعَ حديث قوْم وهُمْ لهُ كارهون صُبَّ في أُذنيه الآنك) بفتح الهمزة والمد وضم النون (يَوْم القيامة "يعني الرصاص) هو مدرج في الحديث تفسيراً لما قبله (أخرجه البخاري) . هكذا في نسخ بلوغ المرام" تسمع "بالمثناة الفوقية وتشديد الميم، ولفظ البخاري من استمع، والحديث دليل على تحريم استماع حديث من يكره سماع حديثه ويعرف بالقرائن وبالتصريح. وروى البخاري في الأدب المفرد من رواية سعيد المقبري قال: مررت على ابن عمر ومعه رجل يتحدّث فقمت إليهما فلطم صدري وقال: إذا وجدت اثنين يتحدّثان فلا تقم معهما حتى تستأذنهما. قال ابن عبد البرّ: لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجين في حال تناجيهما. قال المصنف: ولا ينبغي للداخل عليهما القعود عندهما ولو تباعد عنهما إلا بإذنهما، لأن افتتاحهما الكلام سراً وليس عندهما أحد دل على أنهما لا يريدان الإطلاع عليه. وقد يكون لبعض الناس قوّة فهم إذا سمع بعض الكلام استدل به على باقيه، فلا بدّ منه له من معرفة الرضا فإنه قد يكون في الإذن حياء وفي الباطن الكراهة. ويلحق باستماع الحديث استنشاق الرائحة ومس الثوب واستخبار صغار أهل الدار ما يقول الأهل والجيران من كلام أو ما يعملون من الأعمال. وأما لو أخبره عدل عن منكر جاز له أن يهجم ويستمع الحديث لإزالة المنكر. وعن أنَس رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم:" طوبى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عنْ عيوب النّاس" أَخرجهُ البزَّارُ بإسنادٍ حسنٍ. طوبى: مصدر من الطيب، أو اسم شجرة في الجنّة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها. والمراد أنها لمن شغله النظر في عيوبه، وطلب إزالتها أو الستر عليها عن الاشتغال بذكر عيوب غيره والتعرف لما يصدر منهم من العيوب، وذلك بأن يقدم النظر في عيب نفسه إذا أراد أن يعيب غيره فإنه يجد من نفسه ما يردعه عن ذكر غيره. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "مَنْ تعاظم في نفسهِ واخْتال في مشْيتهِ لقي الله وهُوَ عليه غَضْبان" أَخرجهُ الحاكمُ ورجالهُ ثقاتٌ. تفاعل يأتي بمعنى فعل مثل توانيت بمعنى ونيت فيه مبالغة، وهو المراد هنا: أي من عظم نفسه إما باعتقاد أنه يستحق التعظيم فوق ما يستحقه غيره ممن لا يعلم استحقاقه الإهانة. ويحتمل هنا أن تعاظم بمعنى تعظم مشددة أي اعتقد في نفسه أنه عظيم كتكبر اعتقد أنه كبير، أو يكون تفاعل بمعنى استفعل أي طلب أن يكون عظيماً وهذا يلاقي معنى تكبر، والكبر كما قال المهدي في كتاب تكملة الأحكام: هو اعتقاد أنه يستحق من التعظيم فوق ما يستحقه غيره ممن لا يعلم استحقاقه الإهانة. وقد أخرج مسلم والحاكم والترمذي من حديث ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر" قال رجل: يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسناً؛ قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس" . قيل: هو أن يتكبر عن الحق فلا يراه حقاً. وقيل: هو أن يتكبر عن الحق فلا يقبله. وقال النووي: معناه الارتفاع عن الناس واحتقارهم ودفع الحق وإنكاره ترفعاً وتجبراً. وجاء في رواية الحاكم "ولكن الكبر من بطر الحق وازدرى الناس" فبطر الحق دفعه وردهّ. وغمط الناس ــــ بفتح المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة ــــ هو احتقارهم وازدراؤهم، هكذا جاء مفسراً عند الحاكم، قاله المنذري، ولفظة "من" رويت بالكسر لميمها على أنها حرف جرّ وبفتحها على أنها موصولة، والتفسير النبوي دلّ على أنه ليس من قبيل الاعتقاد، وإنما هو بمعنى عدم الامتثال تعززاً وترفعاً واحتقاراً للناس. وقال ابن حجر في الزواجر: الكبر إما باطن وهو خلق في النفس واسم الكبر بهذا أحق، وإما ظاهر وهو أعمال تصدر من الجوارح وهي ثمرات ذلك الخلق، وعند ظهورها يقال: تكبر وعند عدمها يقال: كبر، فالأصل هو خلق النفس الذي هو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه فهو يستدعي متكبراً عليه ومتكبراً به، وبه فارق العجب، فإنه لا يستدعي غير المعجب به حتى لو فرض انفراده دائماً لما أمكن أن يقع منه العجب دون الكبر، فالعجب مجرد استعظام الشيء، فإن صحبه من يرى أنه فوقه كان تكبراً ا هـ. والاختيال في المشية هو من التكبر، وعطفه عليه من عطف أحد نوعي الكبر على الآخر، كأنه يقول: من جمع بين نوعين من أنواع هذا الكبر يستحق الوعيد، ولا يلزم منه أن أحدهما لا يكون بهذه المثابة لأنه قد ثبتت أحاديث في ذم الكبر مطلقاً. والحديث وغيره دال على تحريم الكبر وإيجابه لغضب الله تعالى. وعنْ سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "الْعَجَلَةُ منَ الشّيطان" أَخرجَهُ التِّرمذي وقالَ: حَسَنٌ. العجلة: هي السرعة في الشيء، وهي مذمومة فيما كان المطلوب فيه الأناة، محمودة فيم يطلب تعجيله من المسارعة إلى الخيرات ونحوها، وقد يقال: لا منافاة بين الأناة والمسارعة، فإن سارع بتؤده وتأنَّ فيتم له الأمران والضابط أن خيار الأمور أوسطها. وَعَنْ عائشة رضي الله عنها قالتْ: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "الشؤْمُ سوءُ الخُلُق" أَخرجَهُ أَحمدُ وفي سندهِ ضَعْفٌ. الشؤم ضد اليمن، وتقدم الكلام على حقيقة سوء الخلق وأنه الشؤم، وأن كل ما يلحق من الشرور فسببه سوء الخلق، وفيه إشعار بأن سوء الخلق وحسنه اختيار مكتسب للعبد، وتقدم تحقيقه. وَعَنْ أَبي الدرداءِ رضي الله عنهُ قالَ: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إنَّ اللّعَانين لا يكونونَ شُفَعَاءَ ولا شهداءَ يَوْمَ القيامةِ" أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ. تقدم الكلام في اللعن قريباً، والحديث إخبار بأن كثيري اللعن ليس لهم عند الله قبول شفاعة يوم القيامة أي لا يشفعون حين يشفع المؤمنون في إخوانهم. ومعنى "ولا شهداء" قيل: لا يكونون يوم القيامة شهداء على تبليغ الأمم رسلهم إليهم الرسالات، وقيل: لا يكونون شهداء في الدنيا ولا تقبل شهادتهم لفسقهم، لأن إكثار اللعن من أدلة التساهل في الدين، وقيل: لا يرزقون الشهادة وهي القتل في سبيل الله. فيوم القيامة متعلق بشفعاء وَحْدَه على هذين الأخيرين، ويحتمل عليهما أن يتعلق بهما، ويراد أن شهادته لما تقبل في الدنيا لم يكتب له في الآخرة ثواب من شهد بالحق، وكذلك لا يكون له في الآخرة ثواب الشهداء. وعنْ مُعاذ بن جَبَلٍ رضي اللّهُ عنْهُ قالَ: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "مَنْ عيّر أَخاه بذنب لم يمتْ حتى يَعْمَلَهُ" أَخْرجَهُ التِّرمذيُّ وحسّنَهُ وسندهُ مُنقطعٌ. (وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "من عَيّر أَخَاهُ بذنبٍ) من عابه به (لم يمُتْ حتى يعْملَهُ" أخرجه الترمذي وحسّنه وسنده منقطع) . كأنه حسنه الترمذي لشواهده فلا يضره انقطاعه، وكأن من عير أخاه ــــ أي عابه، من العار وهو كل شيء لزم به عيب كما في القاموس ــــ يجازى بسلب التوفيق حتى يرتكب ما عير أخاه به، وذاك إذا صحبه إعجابه بنفسه بسلامته مما عير به أخاه، وفيه أن ذكر الذنب لمجرد التعيير قبيح يوجب العقوبة، وأنه لا يذكر عيب الغير إلا للأمور الستة التي سلفت مع حسن القصد فيها. وَعَنْ بهزْ بن حكيم عنْ أبيهِ عَنْ جدِّه رضي اللّهُ عنهمْ قالَ: قالَ رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "وَيْلٌ للذي يحدث فيكْذبُ لِيُضْحك به القومَ ويلٌ لهُ ثمَّ ويْلٌ لهُ" أَخرجهُ الثلاثةُ وإسْنادُهُ قَويٌّ. (وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنهم معاوية بن حيدة رضي الله عنهما (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "ويْلٌ للذي يُحدّث فيكذب ليُضْحك به القَوْمَ، ويْلٌ لَهُ ثمَّ ويلٌ لَهُ" أخرجه الثلاثة وإسناده قوي) . وحسنه الترمذي وأخرجه البيهقي. والويل الهلاك، ورفعه على أنه مبتدأ خبره الجار والمجرور، وجاز الابتداء بالنكرة لأنه من باب: سلام عليكم. وفي معناه الأحاديث الواردة في تحريم الكذب على الإطلاق، مثل حديث "إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور (وإن) الفجور يهدي إلى النار" سيأتي وأخرج ابن حبان في صحيحه "إياكم والكذب فإنه مع الفجور وهما في النار" ومثله عند الطبراني. وأخرج أحمد من حديث ابن لهيعة "ما عمل أهل النار؟ قال: الكذب. فإن العبد إذا كذب فجر وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار" وأخرج البخاري أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الطويل، ومن جملته قوله "رأيت الليلة رجلين أتياني قالا لي: الذي رأيته يشق شدقه فكذاب يكذب الكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق" في حديث رؤياه صلى الله عليه وآله وسلم والأحاديث في الباب كثيرة. والحديث دليل على تحريم الكذب لإضحاك القوم، وهذا تحريم خاص. ويحرم على السامعين سماعه إذا علموه كذباً، لأنه إقرار على المنكر بل يجب عليهم النكير أو القيام من الموقف. وقد عدّ الكذب من الكبائر، قال الروياني من الشافعية: إنه كبيرة ومن كذب قصداً ردت شهادته، وإن لم يضر بالغير، لأن الكذب حرام بكل حال، وقال المهدي: إنه ليس بكبيرة، ولا يتم له نفي كبره على العموم، فإن الكذب على النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أو الإضرار بمسلم أو معاهد كبيرة. وقسم الغزالي الكذب في الإحياء إلى واجب ومباح ومحرم وقال: إن كل مقصد محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعاً فالكذب فيه حرام، وإن أمكن التوصل إليه بالكذب وحده فمباح إن أنتج تحصيل ذلك المقصود، وواجب إن وجب تحصيل ذلك وهو إذا كان فيه عصمة من يجب إنقاذه، وكذا إذا خشي على الوديعة من ظالم وجب الإنكار والحلف، وكذا إذا كان لا يتم مقصود حرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجنى عليه إلا بالكذب فهو مباح، وكذا إذا وقعت منه فاحشة كالزنا وشرب الخمر وسأله السلطان فله أن يكذب، ويقول: ما فعلت. ثم قال: وينبغي أن تقابل مفسدة الكذب بالمفسدة المترتبة على الصدق، فإن كانت مفسدة الصدق أشدّ فله الكذب، وإن كانت بالعكس أو شك فيها حرم الكذب، وإن تعلق بنفسه استحب أن لا يكذب، وإن تعلق بغيره لم تحسن المسامحة بحق الغير. والحزم تركه حيث أبيح. واعلم أنه يجوز الكذب اتفاقاً في ثلاث صور كما أخرجه مسلم في الصحيح قال ابن شهاب: لم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها. قال القاضي عياض: لا خلاف في جواز الكذب في هذه الثلاث الصور. وأخرج ابن النجار عن النواس بن سمعان مرفوعاً "الكذب يكتب على ابن آدم إلا في ثلاث: الرجل يكون بين الرجلين ليصلح بينهما، والرجل يحدث امرأته ليرضيها بذلك، والكذب