١٥ - إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه ولا تقل قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله تعالى خلق آدم على صورته الراوي: أبو هريرة المحدث: الألباني - المصدر: السلسلة الصحيحة - الصفحة أو الرقم: ٢/ ٥١٩ خلاصة حكم المحدث: سنده حسن فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد الخامس >> كِتَاب الْعِتْقِ >> باب إِذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ الحديث: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ وَأَخْبَرَنِي ابْنُ فُلَانٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ح و حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ الشرح: قوله في الإسناد (حدثني محمد بن عبيد الله) هو ابن ثابت المدني؛ ورجال الإسناد كلهم مدنيون، وكأن أبا ثابت تفرد به عن ابن وهب، فإني لم أره في شيء من المصنفات إلا من طريقه. قوله: (قال وأخبرني ابن فلان) قائل ذلك هو أبو ثابت فهو موصول وليس بمعلق، وفاعل قال هو ابن وهب، وكأنه سمعه من لفظ مالك وبالقراءة على الآخر. وكان ابن وهب حريصا على تمييز ذلك. وأما "ابن فلان" فقال المزي: يقال هو ابن سمعان، يعني عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المدني، وهو يوهم تضعيف ذلك، وليس كذلك فقد جزم بذلك أبو نصر الكلاباذي وغيره. وقاله قبله بعض القدماء أيضا؛ فوقع في رواية أبي ذر الهروي في روايته عن المستملي: قال أبو حرب الذي قال "ابن فلان" هو ابن وهب، وابن فلان هو ابن سمعان. قلت: وأبو حرب هذا هو بيان وقد أخرجه الدار قطني في "غرائب مالك" من طريق عبد الرحمن بن خراش بكسر المعجمة عن البخاري "قال حدثنا أبو ثابت محمد بن عبيد الله المدني" فذكر الحديث لكن قال بدل قوله ابن فلان "ابن سمعان" فكأن البخاري كنى عنه في الصحيح عمدا لضعفه، ولما حدث به خارج الصحيح نسبه، وقد بين ذلك أبو نعيم في "المستخرج" بما خرجه من طريق العباس بن الفضل عن أبي ثابت وقال فيه "ابن سمعان" وقال بعده: أخرجه البخاري عن أبي ثابت فقال ابن فلان وأخرجه في موضع آخر فقال ابن سمعان، وابن سمعان المذكور مشهور بالضعف متروك الحديث كذبه مالك وأحمد وغيرهما وماله في البخاري شيء إلا في هذا الموضع، ثم إن البخاري لم يسق المتن من طريقه مع كونه مقرونا بمالك بل ساقه على لفظ الرواية الأخرى وهي رواية همام عن أبي هريرة، وقد أخرجه مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ "فليتق" بدل "فليجتنب" وهي رواية أبي نعيم المذكورة، وأخرجه مسلم أيضا من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ "إذا ضرب" ومثله للنسائي من طريق عجلان، ولأبي داود من طريق أبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة وهو يفيد أن قوله في رواية همام "قاتل" بمعنى قتل، وأن المفاعلة فيه ليست على ظاهرها ويحتمل أن تكون على ظاهرها ليتناول ما يقع عند دفع الصائل مثلا فينهى دافعه عن القصد بالضرب إلى وجهه، ويدخل في النهي كل من ضرب في حد أو تعزير أو تأديب وقد وقع في حديث أبي بكرة وغيره عند أبي داود وغيره في قصة التي زنت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمها وقال: "ارموا واتقوا الوجه" وإذا كان ذلك في حق من تعين إهلاكه فمن دونه أولى. قال النووي: قال العلماء إنما نهي عن ضرب الوجه لأنه لطيف يجمع المحاسن، وأكثر ما يقع الإدراك بأعضائه، فيخشى من ضربه أن تبطل أو تتشوه كلها أو بعضها، والشين فيها فاحش لظهورها وبروزها، بل لا يسلم إذا ضربه غالبا من شين ا هـ. والتعليل المذكور حسن، لكن ثبت عند مسلم تعليل آخر، فإنه أخرج الحديث المذكور من طريق أبي أيوب المراغي عن أبي هريرة وزاد "فإن الله خلق آدم على صورته" واختلف في الضمير على من يعود؟ فالأكثر على أنه يعود على المضروب لما تقدم من الأمر بإكرام وجهه، ولولا أن المراد التعليل بذلك لم يكن لهذه الجملة ارتباط بما قبلها. وقال القرطبي: أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكا بما ورد في بعض طرقه "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن" قال: وكأن من رواه أورده بالمعنى متمسكا بما توهمه فغلط في ذلك. وقد أنكر المازري ومن تبعه صحة هذه الزيادة ثم قال: وعلى تقدير صحتها فيحمل على ما يليق بالباري سبحانه وتعالى قلت: الزيادة أخرجها ابن أبي عاصم في "السنة" والطبراني من حديث ابن عمر بإسناد رجاله ثقات وأخرجها ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي يونس عن أبي هريرة بلفظ يرد التأويل الأول قال: "من قاتل فليجتنب الوجه فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن" فتعين إجراء ما في ذلك على ما تقرر بين أهل السنة من إمراره كما جاء من غير اعتقاد تشبيه، أو من تأويله على ما يليق بالرحمن جل جلاله، وسيأتي في أول كتاب الاستئذان من طريق همام عن أبي هريرة رفعه: خلق الله آدم على صورته الحديث، وزعم بعضهم أن الضمير يعود على آدم أي على صفته أي خلقه موصوفا بالعلم الذي فضل به الحيوان وهذا محتمل، وقد قال المازري: غلط ابن قتيبة فأجرى هذا الحديث على ظاهره وقال: صورة لا كالصور انتهى. وقال حرب الكرماني في "كتاب السنة" سمعت إسحاق بن راهويه يقول: صح أن الله خلق آدم على صورة الرحمن. وقال إسحاق الكوسج سمعت أحمد يقول هو حديث صحيح وقال الطبراني في كتاب السنة "حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: قال رجل لأبي إن رجلا قال خلق الله آدم على صورته - أي صورة الرجل - فقال: كذب هو قول الجهمية" انتهى. وقد أخرج البخاري في "الأدب المفرد" وأحمد من طريق ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة مرفوعا "لا تقولن قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته" وهو ظاهر في عود الضمير على المقول له ذلك، وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورة وجهه" ولم يتعرض النووي لحكم هذا النهي، وظاهره التحريم. ويؤيده حديث سويد بن مقرن الصحابي "أنه رأى رجلا لطم غلامه فقال: أو ما علمت أن الصورة محترمة" أخرجه مسلم وغيره. فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد السادس >> كِتَاب أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ >> باب خَلْقِ آدَمَ الحديث: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ثُمَّ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الْآنَ الشرح: حديث أبي هريرة "خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا" كذا وقع من هذا الوجه، وعبد الله الراوي عن معمر هو ابن المبارك، وقد رواه عبد الرزاق عن معمر فقال "خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعا،" وهذه الرواية تأتي في أول الاستئذان، وقد تقدم الكلام على معنى هذه اللفظة في أثناء كتاب العتق، وهذه الرواية تؤيد قول من قال إن الضمير لآدم، والمعنى أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالا ولا تردد في الأرحام أطوارا كذريته بل خلقه الله رجلا كاملا سويا من أول ما نفخ فيه الروح، ثم عقب ذلك بقوله "وطوله ستون ذراعا" فعاد الضمير أيضا على آدم، وقيل معنى قوله "على صورته: أي لم يشاركه في خلقه أحد، إبطالا لقول أهل الطبائع. وخص بالذكر تنبيها بالأعلى على الأدنى، والله أعلم قوله: (ستون ذراعا) يحتمل أن يريد بقدر الذراع المتعارف يومئذ عند المخاطبين، والأول أظهر لأن ذراع كل أحد بقدر ربعه فلو كان بالذراع المعهود لكانت يده قصيرة في جنب طول جسده قوله: (فلما خلقه قال اذهب فسلم) سيأتي شرحه في أول الاستئذان. قوله: (فكل من يدخل الجنة على صورة آدم) أي على صفته، وهذا يدل على أن صفات النقص من سواد وغيره تنتفي عند دخول الجنة، وقد تقدم بيان ذلك في" باب صفة الجنة " وزاد عبد الرزاق في روايته هنا "وطوله ستون ذراعا" وإثبات الواو فيه لئلا يتوهم أن قوله " طوله "تفسير لقوله" على صورة آدم "وعلى هذا فقوله" طوله "إلخ" من الخاص بعد العام، ووقع عند أحمد من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا "كان طول آدم ستين ذراعا في سبعة أذرع عرضا" وأما ما روى عبد الرزاق من وجه آخر مرفوعا "أن آدم لما أهبط كانت رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، فحطه الله إلى ستين ذراعا" فظاهره أنه كان مفرط الطول في ابتداء خلقه، وظاهر الحديث الصحيح أنه خلق في ابتداء الأمر على طول ستين ذراعا وهو المعتمد، وروى ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن أبي بن كعب مرفوعا "أن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس كأنه نخلة سحوق" . قوله: (فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن) أي أن كل قرن يكون نشأته في الطول أقصر من القرن الذي قبله، فانتهى تناقص الطول إلى هذه الأمة واستقر الأمر على ذلك. وقال ابن التين قوله "فلم يزل الخلق ينقص" أي كما يزيد الشخص شيئا فشيئا، ولا يتبين ذلك فيما بين الساعتين ولا اليومين حتى إذا كثرت الأيام تبين، فكذلك هذا الحكم في النقص، ويشكل على هذا ما يوجد الآن من آثار الأمم السالفة كديار ثمود فإن مساكنهم تدل على أن قاماتهم لم تكن مفرطة الطول على حسب ما يقتضيه الترتيب السابق، ولا شك أن عهدهم قديم، وأن الزمان الذي بينهم وبين آدم دون الزمان الذي بينهم وبين أول هذه الأمة، ولم يظهر لي إلى الآن ما يزيل هذا الإشكال. فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد الحادي عشر >> كِتَاب الِاسْتِئْذَانِ >> بَاب بَدْءِ السَّلَامِ الحديث: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ فَلَمْ يَزَلْ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الْآنَ الشرح: قوله (حدثنا يحيى بن جعفر) هو البيكندي. قوله (خلق الله آدم على صورته) تقدم بيانه في بدء الخلق، واختلف إلى ماذا يعود الضمير؟ فقيل: إلى آدم أي خلقه على صورته التي استمر عليها إلى أن أهبط وإلى أن مات، دفعا لتوهم من يظن أنه لما كان في الجنة كان على صفة أخرى، أو ابتدأ خلقه كما وجد لم ينتقل في النشأة كما ينتقل ولده من حالة إلى حالة. وقيل للرد على الدهرية أنه لم يكن إنسان إلا من نطفة ولا تكون نطفة إنسان إلا من إنسان ولا أول لذلك، فبين أنه خلق من أول الأمر على هذه الصورة. وقيل للرد على الطبائعيين الزاعمين أن الإنسان قد يكون من فعل الطبع وتأثيره، وقيل للرد على القدرية الزاعمين أن الإنسان يخلق فعل نفسه، وقيل إن لهذا الحديث سببا حذف من هذه الرواية وأن أوله قصة الذي ضرب عبده فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال له إن الله خلق آدم على صورته، وقد تقدم بيان ذلك في كتاب العتق، وقيل الضمير لله وتمسك قائل ذلك بما ورد في بعض طرقه "على صورة الرحمن" والمراد بالصورة الصفة، والمعنى أن الله خلقه على صفته من العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك، وإن كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شيء. قوله (اذهب فسلم على أولئك) فيه إشعار بأنهم كانوا على بعد، واستدل به على إيجاب ابتداء السلام لورود الأمر به، وهو بعيد بل ضعيف لأنها واقعة حال لا عموم لها، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على أن الابتداء بالسلام سنة، ولكن في كلام المازري ما يقتضي إثبات خلاف في ذلك، كذا زعم بعض من أدركناه وقد راجعت كلام المازري وليس فيه ذلك فإنه قال: ابتداء السلام سنة ورده واجب. هذا هو المشهور عند أصحابنا، وهو من عبادات الكفاية، فأشار بقوله المشهور إلى الخلاف في وجوب الرد هل هو فرض عين أو كفاية؟ وقد صرح بعد ذلك بخلاف أبي يوسف كما سأذكره بعد، نعم وقع في كلام القاضي عبد الوهاب فيما نقله عنه عياض قال: لا خلاف أن ابتداء السلام سنة أو فرض على الكفاية فإن سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم، قال عياض: معنى قوله فرض على الكفاية مع نقل الإجماع على أنه سنة أن إقامة السنن وإحياءها فرض على الكفاية. قوله (نفر من الملائكة) بالخفض في الرواية، ويجوز الرفع والنصب، ولم أقف على تعيينهم. قوله (فاستمع) في رواية الكشميهني "فاسمع" . قوله (ما يحيونك) كذا للأكثر بالمهملة من التحية، وكذا تقدم في خلق آدم عن عبد الله بن محمد عن عبد الرزاق، وكذا عند أحمد ومسلم عن محمد بن رافع كلاهما عن عبد الرزاق. وفي رواية أبي ذر هنا بكسر الجيم وسكون التحتانية بعدها موحدة من الجواب، وكذا هو في "الأدب المفرد" للمصنف عن عبد الله بن محمد بالسند المذكور. قوله (فإنها) أي الكلمات التي يحيون بها أو يجيبون. قوله (تحيتك وتحية ذريتك) أي من جهة الشرع، أو المراد بالذرية بعضهم وهم المسلمون. وقد أخرج البخاري في "الأدب المفرد" وابن ماجه وصححه ابن خزيمة من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة مرفوعا "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين" وهو يدل على أنه شرع لهذه الأمة دونهم. وفي حديث أبي ذر الطويل في قصة إسلامه قال "وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه "فكنت أول من حياه بتحية الإسلام فقال: وعليك ورحمة الله" أخرجه مسلم. وأخرج الطبراني والبيهقي في "الشعب" من حديث أبي أمامة رفعه "جعل الله السلام تحية لأمتنا وأمانا لأهل ذمتنا" وعند أبي داود من حديث عمران بن حصين "كنا نقول في الجاهلية: أنعم بك عينا، وأنعم صباحا" فلما جاء الإسلام نهينا عن ذلك ورجاله ثقات، لكنه منقطع. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال "كانوا في الجاهلية يقولون: حييت مساء، حييت صباحا، فغير الله ذلك بالسلام" . قوله (فقال السلام عليكم) قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الله علمه كيفية ذلك تنصيصا، ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله له "فسلم" قلت: ويحتمل أن يكون ألهمه ذلك، ويؤيده ما تقدم في "باب حمد العاطس" في الحديث الذي أخرجه ابن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه "أن آدم لما خلقه الله عطس فألهمه الله أن قال الحمد لله" الحديث فلعله ألهمه أيضا صفة السلام. واستدل به على أن هذه الصيغة هي المشروعة لابتداء السلام لقوله "فهي تحيتك وتحية ذريتك" وهذا فيما لو سلم على جماعة، فلو سلم على واحد فسيأتي حكمه بعد أبواب، ولو حذف اللام فقال "سلام عليكم" أجزأ، قال الله تعالى (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم) وقال تعالى (فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة) وقال تعالى (سلام على نوح في العالمين) إلى غير ذلك، لكن باللام أولى لأنها للتفخيم والتكثير، وثبت في حديث التشهد "السلام عليك أيها النبي" قال عياض: ويكره أن يقول في الابتداء: عليك السلام. وقال النووي في "الأذكار" : إذا قال المبتدئ وعليكم السلام لا يكون سلاما ولا يستحق جوابا، لأن هذه الصيغة لا تصلح للابتداء قاله المتولي، فلو قاله بغير واو فهو سلام، قطع بذلك الواحدي، وهو ظاهر. قال النووي: ويحتمل أن لا يجزئ كما قيل به في التحلل من الصلاة، ويحتمل أن لا يعد سلاما ولا يستحق جوابا لما رويناه في سنن أبي داود والترمذي وصححه وغيرهما بالأسانيد الصحيحة عن أبي جري بالجيم والراء مصغر الهجيمي بالجيم مصغرا قال "أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: عليك السلام يا رسول الله، قال: لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتى" قال ويحتمل أن يكون ورد لبيان الأكمل، وقد قال الغزالي في "الإحياء" : يكره للمبتدئ أن يقول عليكم السلام، قال النووي: والمختار لا يكره، ويجب الجواب لأنه سلام. قلت: وقوله بالأسانيد الصحيحة يوهم أن له طرقا إلى الصحابي المذكور، وليس كذلك فإنه لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم غير أبي جري، ومع ذلك فمداره عند جميع من أخرجه على أبي تميمة الهجيمي راوية عن أبي جري، وقد أخرجه أحمد أيضا والنسائي وصححه الحاكم، وقد اعترض هو ما دل عليه الحديث بما أخرجه مسلم من حديث عائشة في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى البقيع، الحديث. وفيه "قلت: كيف أقول؟ قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين" . قلت: وكذا أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما أتى البقيع "السلام على أهل الديار من المؤمنين" الحديث. قال الخطابي: فيه أن السلام على الأموات والأحياء سواء، بخلاف ما كانت عليه الجاهلية من قولهم: "عليك سلام الله قيس بن عاصم" . قلت: ليس هذا من شعر أهل الجاهلية، فإن قيس بن عاصم صحابي مشهور عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم، والمرثية المذكورة لمسلم معروف قالها لما مات قيس، ومثله ما أخرج ابن سعد وغيره أن الجن رثوا عمر بن الخطاب بأبيات منها: عليك السلام من أمير وباركت يد الله في ذاك الأديم الممزق وقال ابن العربي في السلام على أهل البقيع: لا يعارض النهي في حديث أبي جري لاحتمال أن يكون الله أحياهم لنبيه صلى الله عليه وسلم فسلم عليهم سلام الأحياء، كذا قال، ويرده حديث عائشة