١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْني: ابْنَ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ- عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيى الْمَازِنِيُّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لأَهْلِهَا. وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ) هذا دليل لمن يقول: إنَّ تحريم مكَّة إنَّما هو كان في زمن إبراهيم -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- والصَّحيح أنَّه كان يوم خلق الله السَّموات والأرض، وقد سبقت المسألة مستوفاة قريباً. وذكروا في تحريم إبراهيم احتمالين: أحدهما: أنَّه حرَّمها بأمر الله له بذلك لا باجتهاده، فلهذا أضاف التَّحريم إليه تارة وإلى الله تارة. والثَّاني: أنَّه دعا لها فحرَّمها الله بدعوته، فأضيف التَّحريم إليه لذلك. قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: (وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ) وذكر مسلم الأحاديث الَّتي بعده بمعناه. هذه الأحاديث حجَّة ظاهرة للشَّافعيِّ ومالك وموافقيهما في تحريم صيد المدينة وشجرها. وأباح أبو حنيفة ذلك واحتجَّ له بحديث:" يا أبا عمير ما فعل النّغير ". وأجاب أصحابنا بجوابين: أحدهما: أنَّه يحتمل أنَّ حديث النّغير كان قبل تحريم المدينة. والثَّاني: يحتمل أنَّه صاده من الحلِّ لا من حرم المدينة، وهذا الجواب لا يلزمها على أصولهم، لأنَّ مذهب الحنفية: أنَّ صيد الحلِّ إذا أدخله الحلال إلى الحرم ثبت له حكم الحرم، ولكنَّ أصلهم هذا ضعيف فيردّ عليهم بدليله. والمشهور من مذهب مالك والشَّافعيّ والجمهور: أنَّه لا ضمان في صيد المدينة وشجرها بل هو حرام بلا ضمان. وقال ابن أبي ذئب، وابن أبي ليلى: يجب فيه الجزاء كحرم مكَّة، وبه قال بعض المالكيَّة. وللشَّافعيِّ قول قديم: أنَّه يسلب القاتل لحديث سعد بن أبي وقَّاص الَّذي ذكره مسلم بعد هذا. قال القاضي عياض: لم يقل بهذا القول أحد بعد الصَّحابة إلاَّ الشَّافعيّ في قوله القديم، واللَّه أعلم. (ج/ص: ٩/ ١٣٥) إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَي مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لأَهْلِ مَكَّةَ" .