أصحابنا: والاضطباع سنة في الطواف، وقد صح فيه الحديث في (سنن أبي داود) و (الترمذي) وغيرهما، وهو أنه يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، ويكون منكبه الأيمن مكشوفاً. قالوا: وإنما يسن الاضطباع في طواف يسن فيه الرمل على ما سبق تفصيله، والله أعلم. وأما قوله: (اسْتَلَمَ الرُّكْنَ) فمعناه: مسحه بيده، وهو سنة في كل طواف، وسيأتي شرحه واضحاً حيث ذكره مسلم بعد هذا إن شاء الله تعالى. قوله: (ثُمَّ نَفَذَ إِلَىَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- فَقَرَأَ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ) هذا دليل لما أجمع عليه العلماء أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف، واختلفوا هل هما واجبتان أم سنتان؟ وعندنا فيه خلاف حاصله ثلاثة أقوال: أصحها: أنهما سنة. والثاني: أنهما واجبتان. والثالث: إن كان طوافاً واجباً فواجبتان وإلا فسنتان، وسواء قلنا واجبتان أو سنتان لو تركهما لم يبطل طوافه، والسنة أن يصليهما خلف المقام، فإن لم يفعل ففي الحجر، وإلا ففي المسجد، وإلا ففي مكة وسائر الحرم، ولو صلاهما في وطنه وغيره من أقاصي الأرض جاز وفاتته الفضيلة، ولا تفوت هذه الصلاة ما دام حياً، ولو أراد أن يطوف أطوفة استحب أن يصلي عقب كل طواف ركعتيه، فلو أراد أن يطوف أطوفة بلا صلاة ثم يصلي بعد الأطوفة لكل طواف ركعتيه. (ج/ص: ٨/ ١٧٦) فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: -وَلاَ أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلاَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} وَ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَىَ الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَىَ الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} [البقرة: ١٥٨] . قال أصحابنا: يجوز ذلك وهو خلاف الأولى ولا يقال مكروه، وممن قال بهذا المسور بن مخرمة وعائشة وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق وأبو يوسف، وكرهه ابن عمر والحسن البصري والزهري ومالك والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن المنذر، ونقله القاضي عن جمهور الفقهاء. قوله: (فَكَانَ أَبِي يَقُولُ: -وَلاَ أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلاَّ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقْرَأُ في الرَّكْعَتَيْنِ: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} وَ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ) معنى هذا الكلام: أن جعفر بن محمد روى هذا الحديث عن أبيه عن جابر قال: كان أبي يعني: محمداً يقول: إنه قرأ هاتين السورتين. قال جعفر: ولا أعلم أبي ذكر تلك القراءة عن قراءة جابر في صلاة جابر بل عن جابر عن قراءة النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في صلاة هاتين الركعتين. قوله: ( {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} وَ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ) معناه: قرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} ، وفي الثانية بعد الفاتحة {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} . وأما قوله: (لاَ أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلاَّ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ليس هو شكاً في ذلك لأن لفظة العلم تنافي الشك بل جزم برفعه إلى النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قد ذكره البيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر: "أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طاف بالبيت فرمل من الحجر الأسود ثلاثاً ثم صلى ركعتين قرأ فيهما: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد" . قوله: (ثُمَّ رَجَعَ إِلَىَ الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَىَ الصَّفَا) فيه دلالة لما قاله الشافعي وغيره من العلماء أنه: يستحب للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف، وصلاته خلف المقام أن يعود إلى الحجر الأسود فيستلمه ثم يخرج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب، وإنما هو سنة لو تركه لم يلزمه دم. (ج/ص: ٨/ ١٧٧) "أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ" فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّىَ رَأَىَ الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ. وَقالَ: "لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكَ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ" . ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَىَ الْمَرْوَةِ، حَتَّىَ إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَىَ. قوله: (ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَىَ الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ} فَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّىَ رَأَىَ الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ، وَقالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكَ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ. ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَىَ الْمَرْوَة. في هذا اللفظ أنواع من المناسك منها: أن السعي يشترط فيه أن يبدأ من الصفا وبه قال الشافعي ومالك والجمهور. وقد ثبت في رواية النسائي في هذا الحديث بإسناد صحيح أن النبي -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: (أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ) هكذا بصيغة الجمع. ومنها: أنه ينبغي أن يرقى على الصفا والمروة وفي هذا الرقي خلاف. قال جمهور أصحابنا: هو سنة ليس بشرط ولا واجب فلو تركه صح سعيه لكن فاتته الفضيلة. وقال أبو حفص بن الوكيل من أصحابنا: لا يصح سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا والصواب الأول. قال أصحابنا: لكن يشترط أن لا يترك شيئاً من المسافة بين الصفا والمروة فليلصق عقبيه بدرج الصفا، وإذا وصل المروة ألصق أصابع رجليه بدرجها، وهكذا في المرات السبع يشترط في كل مرة أن يلصق عقبيه بما يبدأ منه وأصابعه بما ينتهي إليه. قال أصحابنا: يستحب أن يرقى على الصفا والمروة حتى يرى البيت إن أمكنه. ومنها: أنه يسن أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة ويذكر الله تعالى بهذا الذكر المذكور ويدعو ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات، هذا هو المشهور عند أصحابنا. وقال جماعة من أصحابنا: يكرر الذكر ثلاثاً والدعاء مرتين فقط والصواب الأول. قوله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ) معناه: هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا بسبب من جهتهم. والمراد بالأحزاب: الذين تحزبوا على رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يوم الخندق، وكان الخندق في شوال سنة أربع من الهجرة، وقيل: سنة خمس. (ج/ص: ٨/ ١٧٨) حَتَّىَ إِذَا صَعِدَنَا مَشَىَ حَتَّىَ أَتَىَ الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَىَ الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَىَ الصَّفَا، حَتَّىَ إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَىَ الْمَرْوَةِ فَقَالَ: "لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً" . فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلِعَامِنا هَذَا أَمْ لأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الأُخْرَىَ. قوله: (ثُمَّ نَزَلَ إِلَىَ الْمَرْوَة حَتَّىَ إِذَا صَعِدَنَا مَشَىَ حَتَّىَ أَتَىَ الْمَرْوَةَ) هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع النسخ.