إلا من المسجد) أي مسجد ذي الحليفة (متفق عليه) هذا قاله ابن عمر ردّاً على من قال: إنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أحرم من البيداء، فإنه قال: بيداؤكم هذه التي تكذبون على رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أنه أهل منها ما أهل ــــ الحديث. وفي رواية: "أنه أهل من عند الشجرة حين قام به بعيره" والشجرة كانت عند المسجد، وعند مسلم: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ركع ركعتين بذي الحليفة ثم إذا استوت به الناقة عند مسجد ذي الحليفة أهل "، وقد جمع بين حديث الإهلال بالبيداء والإهلال بدي الحليفة بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أهل منهما وكل من روى أنه أهل بكذا فهو راو لما سمعه من إهلاله، وقد أخرج أبو داود والحاكم من حديث ابن عباس" أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لمّا صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أهل بالحج حين فرغ منهما، فسمع قوم فحفظوه فلما استقرت به راحلته أهلَّ وأدرك ذلك منه قوم لم يشهدوا في المرة الأولى فسمعوه حين ذاك فقالوا: إنما أهل حين استقلت به راحلته ثم مضى فلما علا على شرف البيداء أهلَّ وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه فنقل كما سمع ". الحديث: ودل الحديث على أن الأفضل أن يحرم من الميقات لا قبله فإن أحرم قبله فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل الميقات أنه محرم، وهل يكره؟ قيل: نعم، لأن قول الصحابة" وقت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لأهل المدينة ذا الحليفة "يقضي بالإهلال من هذه المواقيت ويقضي بنفي النقص والزيادة، فإن لم تكن الزيادة محرمة فلا أقل من أن يكون تركها أفضل، ولولا ما قيل من الإجماع بجواز ذلك لقلنا بتحريمه لأدلة التوقيت، ولأن الزيادة على المقدرات من المشروعات كأعداد الصلاة ورمي الجمار لا تشرع، كالنقص منها، وإنما لم يجزم بتحريم ذلك لما ذكرنا من الإجماع، ولأنه روي عن عدة من الصحابة تقديم الإحرام على الميقات فأحرم ابن عمر من بيت المقدس، وأحرم أنس من العقيق، وأحرم ابن عباس من الشام، وأهلّ عمران بن حصين من البصرة، وأهل ابن مسعود من القادسية. وورد في تفسير الآية" أن الحج والعمرة إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك "عن علي وابن مسعود، وإن كان قد تؤول بأن مرادهما أن ينشيء لهما سفراً مفرداً من بلده كما أنشأ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لعمرة الحديبية والقضاء سفراً من بلده، ويدل لهذا التأويل أن علياً لم يفعل ذلك، ولا أحد من الخلفاء الراشدين، ولم يحرموا بحج ولا عمرة إلا من الميقات، بل لم يفعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فكيف يكون ذلك تمام الحج ولم يفعله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ولا أحد من الخلفاء ولا جماهير الصحابة. نعم الإحرام من بيت المقدس بخصوصه ورد فيه حديث أم سلمة: سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول:" من أهل من المسجد الأقصى بعمرة أو بحجة غفر له ما تقدم من ذنبه "رواه أحمد وفي لفظ:" من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أو وجبت له الجنة "شك عبد الله أيتهما قال. ورواه ابن ماجه بلفظ" من أهل بعمرة من بيت المقدس كانت كفارة لما قبلها من الذنوب "فيكون هذا مخصوصاً ببيت المقدس فيكون الإحرام منه خاصة أفضل من الإحرام من المواقيت، ويدل له إحرام ابن عمر منه ولم يفعل ذلك من المدينة على أن منهم من ضعف الحديث ومنهم من تأوله بأن المراد ينشيء لهما السفر من هنالك. [رح ٢] ــــ وَعَنْ خلاد بن السّائبِ عَنْ أَبيه رضي الله عنهما أَنَّ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال:" أَتاني جبريلُ فأَمرني أَن آمر أصحابي أَنّ يرْفعوا أَصواتهم بالإهلال" رواه الخمسة وصححه الترمذي وابنُ حبان. (وعن خَلّاد) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام آخره دال مهملة (ابن السائب) بالسين المهملة (عن أبيه رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم قال: "أَتاني جبريل فأَمرني أَنْ آمُر أَصحابي أَنْ يرْفعوا أَصواتهمْ بالإهلال" رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان) وأخرج ابن ماجه "أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل أي الحج أفضل؟ قال: العج والثج" وفي رواية عن السائب عنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: "أتاني جبريل فقال: كن عجاجاً ثجاجاً" والعج رفع الصوت والثج نحر البدن. كل ذلك دال على استحباب رفع الصوت بالتلبية، وإن كان ظاهر الأمر الوجوب. وأخرج ابن أبي شيبة "أن أصحاب رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم" وإلى هذا ذهب الجمهور. وعن مالك: لا يرفع صوته بالتلبية إلا عند المسجد الحرام، مسجد منى. [رح ٣] ــــ وعنْ زيد بن ثابت رضي الله عنه "أَنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم تجرَّد لإهلاله واغتسل" رواه الترمذي وحسّنهُ. وغربه، وضعفه العقيلي، وأخرجه الدارقطني والبيهقي والطبراني، ورواه الحاكم والبيهقي من طريق يعقوب بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس قال: "اغتسل رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ثم لبس ثيابه فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين ثم قعدعلى بعيره فلما استوى به على البيداء أحرم بالحج" و [تض] يعقوب ابن عطاء بن أبي رباح [/تض] ضعيف. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "من السنة أن يغتسل إذا أراد الإحرام وإذا أراد دخول مكة" . ويستحب التطيب قبل الإحرام. لحديث عائشة: "كنت أطيب النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بأطيب ما أجد" . وفي رواية: "كنت أطيب رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بأطيب ما أقدر عليه قبل أن يحرم ثم يحرم" . متفق عليه ويأتي الكلام في ذلك. [رح ٤] ــــ وعن ابن عُمر رضي الله عنهُما أَنَّ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سئل ما يلبس المحرم من الثِّياب؟ فقال: "لا يلبس القميص ولا العمائمَ ولا السّراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أَحدٌ لا يجد النّعلين فَليَلْبس الخُفّين ولْيقطعهما أَسْفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثِّيابِ شيئاً مَسّهُ الزَّعْفران ولا الْوَرْس" مُتّفقٌ عليهِ واللفظُ لمسْلم. (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سئل ما يلبس المحرم من الثياب قال: "لا يَلْبسُ القميص ولا السراويلات ولا الْبرانس ولا الخفاف إلا أَحدٌ لا يجد النعلين) أي لا يجدهما يباعان أو يجدهما يباعان ولكن ليس معه ثمن فائض عن حوائجه الأصلية كما في سائر الأبدال (فَلْيَلْبس الخفين وليقطعهما أَسفل من الكعبين، ولا تَلْبسوا من الثياب شيئاً مَسّه الزعفران ولا الورس" ) بفتح الواو وسكون الراء آخره سين مهملة (متفق عليه واللفظ لمسلم) وأخرج الشيخان من حديث ابن عباس "سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يخطب بعرفات: من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين" ومثله عند أحمد والظاهر أنه ناسخ لحديث ابن عمر بقطع الخفين لأنه قاله بعرفات في وقت الحاجة، وحديث ابن عمر كان في المدينة، قاله ابن تيمية في المنتقى. واتفقوا على أن المراد بالتحريم هنا على الرجل ولا تلحق به المرأة في ذلك. واعلم أنه تحصل من الأدلة أنه يحرم على المحرم الخف ولبس القميص والعمامة والبرانس والسراويل وثوب مسه ورس أو زعفران ولبس الخفين إلا لعدم غيرهما فيشقهما ويلبسهما والطيب والوطء. والمراد من القميص كل ما أحاط بالبدن مما كان عن تفصيل وتقطيع. وبالعمامة ما أحاط بالرأس فليحق بها غيرها مما يغطي الرأس، قال الخطابي: ذكر البرانس والعمامة معاً ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر كالبرانس وهو كل ثوب رأسه منه ملتزقاً به من جبة أو دراعة أو غيرهما. واعلم أن المصنف لم يأت بالحديث فيما يحرم على المرأة المحرمة، والذي يحرم عليها في الأحاديث الانتقاب أي لبس النقاب، كما يحرم لبس الرجل القميص والخفين فيحرم عليها النقاب، ومثله البرقع وهو الذي فصل على قدر ستر الوجه، لأنه الذي ورد به النص، كما ورد بالنهي عن القمص للرجل مع جواز ستر الرجل لبدنه بغيره اتفاقاً، فكذلك المرأة المحرمة تستر وجهها بغير ما ذكر كالخمار والثوب ومن قال: إن وجهها كرأس الرجل المحرم لا يغطى بشي فلا دليل معه. ويحرم عليها لبس القفازين ولبس مامسّه ورس أو زعفران من الثياب. وبياح لها ما أحبت من غير ذلك من حلية وغيرها والطيب، وأما الصيد وحلق الرأس فالظاهر أنهن كالرجل في ذلك والله أعلم. وأما الانغماس في الماء، ومباشرة المحمل بالرأس، وستر الرأس باليد، وكذا وضعه على المخدة عند النوم، فإنه لا يضر لأنه لا يسمى لابساً. والخفاف جمع خف وهو ما يكون إلى نصف الساق، ومثله في الحكم الجوارب، وهو ما يكون إلى فوق الركبة وقد أبيح لمن لم يجد النعلين بشرط القطع إلا أنك قد سمعت ما قاله في المنتقى من نسخ القطع وقد رجحه في الشرح بعد إطالة الكلام بذكر الخلاف في المسألة ثم ألحق أنه لا فدية على لابس الخفين لعدم النعلين. وخالفت الحنفية فقالوا: تجب الفدية. ودل الحديث على تحريم لبس ما مسّه الزعفران والورس. واختلف في العلة التي لأجلها النهي هل هي الزينة أو الرائحة، فذهب الجمهور إلى أنها الرائحة فلو صار الثوب بحيث إذا أصابه الماء لم يظهر له رائحة جاز الإحرام فيه. وقد ورد في رواية "إلا أن يكون غسيلاً" وإن كان فيها مقال، ولبس المعصفر وال مورّس محرم على الرجال في حال الحل كما في الإحرام. [رح ٥] ــــ وعَنْ عائشةَ رضي الله عنها قالت: "كُنْتُ أُطيِّبُ رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لإحرامهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرمَ ولحلِّه قبل أن يطوفَ بالبيت" مُتفقٌ عليه. فيه دليل استحباب التطيب عند إرادة فعل الإحرام، وجواز استدامته بعد الإحرام وأنه لا يضر بقاء لونه وريحه وإنما يحرم ابتداؤه في حال الإحرام وإلى هذا ذهب جماهير الأئمة والصحابة والتابعين. وذهب جماعة منهم إلى خلافه وتكلفوا لهذه الرواية ونحوها بما لا يتم به مدعاهم فإنهم قالوا: إنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم تطيب ثم اغتسل بعده فذهب الطيب. قال النووي في شرح مسلم بعد ذكره: الصواب ما قاله الجمهور من أنه يستحب الطيب للإحرام لقولها: "لإحرامه" . ومنهم من زعم أن ذلك خاص به صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ولا يتم ثبوت الخصوصية إلا بدليل عليها، بل الدليل قائم على خلافها ووهو ما ثبت من حديث عائشة: "كنا نضمح وجوهنا بالمسك المطيب قبل أن نحرم فنعرق ويسيل على وجوهنا ونحن مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فلا ينهانا" . رواه أبو داود، وأحمد بلفظ: "كنا نخرج مع رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلى مكة فننضح جباهنا بالمسك المطيب عند الإحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فلا ينهانا" . ولا يقال هذا خاص بالنساء في الطيب سواء بالإجماع فالطيب يحرم بعد الإحرام لا قبله وإن دام حاله فإنه كالنكاح لأنه من دواعيه والنكاح إنما يمنع المحرم من ابتدائه لا من استدامته فكذلك الطيب، ولأن الطيب من النظافة من حيث إنه يقصد به دفع الرائحة الكريهة كما يقصد بالنظافة إزالة ما يجمعه الشعر والظفر من الوسخ، ولذا استحب أن يأخذ قبل الإحرام من شعره وأظفاره، لكونه ممنوعاً منه بعد الإحرام، وإن بقي أثره بعده. وأما حديث مسلم في الرجل الذي جاء يسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيف يصنع في عمرته وكان الرجل قد أحرم وهو متضمخ بالطيب فقال: يا رسول الله ما ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بالطيب؟ فقال صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات الحديث" فقد أجيب عنه بأن هذا السؤال والجواب كانا بالجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وقد حج صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم سنة عشر، واستدام الطيب، وإنما يؤخذ بالآخر من أمر رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، لأنه يكون ناسخاً للأول. وقوله: "لحله قبل أن يطوف بالبيت" المراد لحله الإحلال الذي يحل به كل محظور وهو طواف الزيارة وقد كان حل بعض الإحلال وهو بالرمي الذي يحل به الطيب وغيره ولا يمنع بعده إلا من النساء. وظاهر هذا أنه قد كان فعل الحق والرمي وبقي الطواف: [رح ٦] ــــ وعن عثمان بن عفانَ رضي الله عنْهُ أنَّ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: "لا يَنْكِحُ المُحْرم ولا يُنْكِحُ ولا يَخْطُبُ" رواهُ مُسْلمٌ. (وعن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا ينكحُ) بفتح حرف المضارعة أي لا ينكح هو لنفسه (المحرم ولا ينكح) بضم حرف المضارعة لا يعقد لغيره (ولا يخطبُ) له ولا لغيره (رواه مسلم) . والحديث دليل على تحريم العقد على المحرم لنفسه ولغيره، وتحريم الخطبة كذلك، والقول بأنه صلى الله عليه وآله وسلم تزوج ميمونة بنت الحرث وهو محرم لرواية ابن عباس لذلك، مردود بأن رواية أبي رافع" أنه تزوجها صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وهو حلال "" أرجح لأن كان السفير بينهما، أي بين النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وبين ميمونة، ولأنها رواية أكثر الصحابة، قال القاضي عياض: لم يرو أنه تزوجها محرماً إلا ابن عباس وحده حتى قال سعيد: ذهل ابن عباس وإن كانت خالته ما تزوجها رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلا بعد ما حل ذكره البخاري. ثم ظاهر النهي في الثلاثة التحريم، إلا أنه قيل إن النهي في الخطبة للتنزيه وإنه إجماع، فإن صح الإجماع فذاك ولا أظن صحته، وإلا فالظاهر هو التحريم. ثم رأيت بعد هذا نقلاً عن ابن عقيل الحنبلي أنها تحرم الخطبة أيضاً، قال ابن تيمية: لأن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم نهى عن الجميع نهياً واحداً ولم يفصل وموجب النهي التحريم وليس ما يعارض ذلك من أثر أو نظر. [رح ٧] ــــ وعنْ أَبي قَتَادة الأنصاري رضي الله عنه في قِصَّة صَيْده الحمارَ الوَحْشيَّ وَهُوَ غيرُ مُحرم قال: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لأصحابه وكانوا مُحْرمين: "هَلْ مِنْكمْ أَحَدٌ أَمرهُ أَوْ أَشارَ إليْه بشيءٌ؟" قالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقيَ من لحْمِه" متفقٌ عَلَيْهِ. (وعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه في قصة صيده الحمار الوحشي وهو غير محرم) وكان ذلك عام الحديبية (قال: فقال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لأصحابه وكانوا محرمين: "هل منكم أَحدٌ أَمَرهُ أوْ أَشار إليه بشيءٍ؟" فقالوا: لا، قال: "فكلوا ما بقي من لحمه" متفق عليه) قد استشكل عدم إحرام أبي قتادة وقد جاوز الميقات وأجيب عنه بأجوبه. منها: أنه كان قد بعثه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم هو وأصحابه لكشف عدّو لهم بالساحل. ومنها أنه لم يخرج مع النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بل بعثه أهل المدينة. ومنها أنها لم تكن المواقيت قد وقتت في ذلك الوقت. والحديث دليل على جواز أكل المحرم لصيد البر، والمراد به إن صاده غير محرم ولم يكن منه إعانة على قتله بشيء وهو رأي الجماهير والحديث نص فيه. وقيل: لا يحل أكله، وإن لم يكن منه إعانة عليه. ويروى هذا عن علي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وهو مذهب الهادوية عملاً بظاهر قوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} بناء على أنه أريد بالصيد المصيد. وأجيب عنه: بأن المراد في الآية: الاصطياد، ولفظ الصيد وإن كان متردداً بين المعنيين، لكن بين حديث أبي قتادة المراد. وزاده بياناً حديث جابر بن عبد الله عنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أنه قال: "صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصد لكم" أخرجه أصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان والحاكم إلا أن في بعض رواته مقالاً بينه المصنف في التلخيص. وعلى تقدير أن المراد في الآية الحيوان الذي يصاد فقد ثبت تحريم الاصطياد من آيات أخر ومن أحاديث. ووقع البيان بحديث جابر فإنه نص في المراد. والحديث فيه زيادة وهي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "هل معكم من لحكمه شيء" وفي رواية: "هل معكم منه شيء" قالوا: معنا رجله، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكلها "إلا أنه لم يخرج الشيخان هذه الزيادة واستدل المانع لأكل المحرم الصيد مطلقاً بقوله: [رح ٨] ــــ وَعَن الصَّعب بن جَثّامة الليثي رضي الله عَنْهُ أَنّهُ أَهدى لرسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حماراً وحْشياً وهو بالأبواءِ أو بودَّان فردَّهُ عليه، وقال:" إنّا لمْ نُردُّهُ عليك إلا أَنّا حُرُم "مُتّفقٌ عليه. (وعن الصَعْب) بفتح الصاد المهملة وسكون العين المهملة فموحدة (ابن جثامة) بفتح الجيم وتشديد المثلثة (الليثي رضي الله عنه أنه أهدى لرسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حماراً وحشياً) وفي رواية:" حمار وحش يقطر دماً "، وفي أخرى:" لحم حمار وحش "، وفي آخرى:" عجز حمار وحش "، وفي رواية:" عضداً من لحم صيد"، كلها في مسلم (وهو بالأبواء) ممدود (أو بودّان) بفتح الواو وتشديد الدال المهملة وكان ذلك في حجة الوداع (فردّه عليه وقال: "إنّا لمْ نَرُدَّهُ) بفتح الدال رواه المحدثون وأنكره المحققون من أهل العربية، وقالوا: صوابه ضمها لأنه القاعدة في تحريك الساكن إذا كان بعده ضمير المذكر الغائب على الأصح، وقال النووي في شرح مسلم: في ردّه ونحوه للمذكر ثلاثة أوجه أوضحها الضم والثاني الكسر وهو ضعيف والثالث الفتح وهو أضعف منه، بخلاف ما إذا اتصل به ضمير المؤنث، نحو ردّها فإنه بالفتح (عليك إلا أَنّا حُرُمٌ" ) بضم الحاء والراء أي محرمون (متفق عليه) . دل على أنه لا يحل لحم الصيد للمحرم مطلقاً، لأنه علل صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ردّه لكونه محرماً، ولم يستفصل هل صاده لأجله أولاً، يدل على التحريم مطلقاً، وأجاب من جوّزه بأنه محمول على أنه صيد لأجله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، فيكون جمعاً بينه وبين حديث أبي قتادة، والجمع بين الأحاديث إذا أمكن وأولى من إطراح بعضها، وقد دل لهذا أن في حديث أبي قتادة الماضي عند أحمد وابن ماجه بإسناد جيد: "إنما صدته له وأنه أمر أصحابه أن يأكلون ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدته له" . قال أبو بكر النيسابوري: قوله: "لك" وأنه "لم يأكل منه" : لا أعلم أحداً قاله في هذا الحديث غير معمر. قلت: معمر ثقة لا يضر تفرّده ويشهد للزيادة حديث جابر الذي قدّمناه. وفي الحديث دليل على أنه ينبغي قبول الهدية وإبانة المانع من قبولها إذا ردّها. واعلم أن ألفاظ الروايات اختلفت فقال الشافعي: إن كان الصعب أهدى للنبي صلى الله تعالى عليه وعلى أهل وسلم الحمار حياً فليس للمحرم ذبح حمار وحشي، وإن كان أهدى لحم حمار فيحتمل أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قد فهم أنه صاده لأجله، وأما رواية "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أكل منه" التي أخرجها البيهقي فقد ضعفها ابن القيم، ثم إنه استقوى من الروايات رواية لحم حمار قال: لأنها لا تنافي رواية من روى حماراً لأنه قد يسمى الجزء باسم الكل وهو شائع في اللغة، ولأن أكثر الروايات اتفقت أنه بعض من أبعاض الحمار، وإنما وقع الاختلاف في ذلك البعض ولا تناقض بينها فإنه يحتمل أن يكون المهدي من الشق الذي فيه العجز الذي فيه رجله. [رح ٩] ــــ وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "خمسٌ من الدوابِّ كُلُّهنَّ فواسق يقْتلنَ في الحلِّ والحرَمِ: الْعقربُ والحدَأَةُ والغُرابُ والفأرةُ والكلبُ العقور" متّفقٌ عليه. (وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "خمس من الدواب كلُّهنَّ فواسق يقتلن في الحلِّ والحرم: الغراب والحدأة) بكسر الحاء المهملة وفتح الدال بعدها همزة (والعقرب) يقال على الذكر والأنثى وقد يقال عقربة (والفأرة) بهمزة ساكنة ويجوز تخفيفها ألفاً (والكلب العقور" متفق عليه) وفي رواية في البخاري زيادة ذكر الحية فكانت ستاً، وقد أخرجها بلفظ "ست" أبو عوانة وسرد الخمس مع الحية، ووقع عند أبي داود زيادة السبع العادي، فكانت سبعاً، ووقع عند أبي خزيمة وابن المنذر زيادة: الذئب والنمر، فكانت تسعاً إلا أنه نقل عن الذهلي أنه ذكرهما في تفسير الكلب العقور، ووقع ذكر الذئب في حديث مرسل رجاله ثقات. وأخرج أحمد مرفوعاً الأمر للمحرم بقتل الذئب وفيه راو ضعيف. وقد دلت هذه الزيادات أن مفهوم العدد غير مراد من قوله خمس. والدواب: بتشديد الباء جمع دابة وهو ما دب من الحيوان، وظاهره أنه يسمى الطائر دابة، وهو يطابق قوله تعالى: {وما من دابةٍ في الأرض إلا على الله رزقها} ، {وكأين من دابة لا تحمل رزقها} وقيل: يخرج الطائر من لفظ الدابة لقوله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه} ولا حجة فيه، لأنه يحتمل أنه عطف خاص على عام. هذا وقد اختص في العرف لفظ الدابة بذوات الأربع القوائم. وتسميتها فواسق: لأن الفسق لغة: الخروج، ومنه {ففسق عن أمر ربه} أي خرج، ويسمى العاصي فاسقاً، لخروجه عن طاعة ربه، ووصفت المذكورة بذلك لخروجها عن حكم غيرها من الحيوانات، في تحريم قتل المحرم لها، وقيل: لخروجها عن غيرها من الحيوانات في حل أكله لقوله تعالى: {أو فسقاً أهل لغير الله به} فسمي ما لا يؤكل فسقاً قال تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وأنه لفسق} ، وقيل: لخروجها عن حكم غيرها بلإيذاء والإفساد وعدم الانتقاع، فهذه ثلاث علل استخرجها العلماء في حل قتل هذه الخمس.