ما بَيْن المشرق والمغْرب قِبْلَةٌ" رواهُ الترمذي وقواه البخاريُّ. وفي التلخيص حديث: "ما بين الشرق والمغرب قبلة" رواه الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً، وقال حسن صحيح، فكان عليه هنا أن يذكر تصحيح الترمذي له على قاعدته، ورأيناه في الترمذي بعد سياقه له بسنده من طريقين حسن إحداهما، وصححها ثم قال: وقد روى عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه واله وسلم "ما بين المشرق والمغرب قبلة" . منهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس. وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك، والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة، وقال ابن المبارك: ما بين المشرق، والمغرب قبلة لأهل المشرق. اهـ. والحديث دليل على أن الواجب استقبال الجهة، لا العين في حق من تعذرت عليه العين، وقد ذهب إليه جماعة من العلماء؛ لهذا الحديث. ووجه الاستدلال به على ذلك: أن المراد: أن ما بين الجهتين قبلة لغير المعاين، ومن في حكمه؛ لأن المعاين لا تنحصر قبلته بين الجهتين المشرق والمغرب، بل كل الجهات في حقه سواء، متى قابل العين، أو شطرها. فالحديث: دليل على أن ما بين الجهتين قبلة: وأن الجهة كافية في الاستقبال، وليس فيه دليل على أن المعاين يتعين عليه العين، بل لا بد من الدليل على ذلك. وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} ، خطاب له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، وهو في المدينة، واستقبال العين فيها متعسر، أو متعذر، إلا ما قيل: في محرابه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: ولكن الأمر بتوليته وجهه شطر المسجد الحرام عام لصلاته في محرابه، وغيره، وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} : دال على كفاية الجهة؛ إذ العين في كل محل تتعذر على كل مصل، وقولهم: يقسم الجهات حتى يحصل له أنه توجه إلى العين تعمق، لم يرد به دليل، ولا فعله الصحابة وهم خير قبيل. فالحق أن الجهة كافية، ولو لمن كان في مكة وما يليها. وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قالَ: رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصلي على راحِلَتِهِ حَيْثُ توجّهَتْ به. متفقٌ عليه، زادَ البخاريُّ: يومِئ برأسه ــــ ولم يكن يصنعهُ في المكتوبة. (وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصلي على راحلته حَيْثُ تَوَجّهتْ به. متفق عليه) . هو في البخاري عن عامر بن ربيعة بلفظ: "كان يسبح على الراحلة" وأخرجه عن ابن عمر بلفظ: "كان يسبح على ظهر راحلته" وأخرج الشافعي نحوه من حديث جابر بلفظ: "رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصلي وهو على راحلته النوافل" وقوله: (زاد البخاري: يومئ برأسه) أي في سجوده وركوعه. زاد ابن خزيمة: "ولكنه يخفض السجدتين من الركعة" (ولم يكن يصنعه) ، أي: هذا الفعل، وهو الصلاة على ظهر الراحلة (في المكتوبة) أي الفريضة. الحديث دليل على صحة صلاة النافلة على الراحلة، وإن فاته استقبال القبلة، وظاهره سواء كان على محمل أو لا، وسواء كان السفر طويلاً أو قصيراً، إلا أن في رواية رزين في حديث جابر زيادة: "في سفر القصر" . وذهب إلى شرطية هذا جماعة من العلماء، وقيل: لا يشترط، بل يجوز في الحضر، وهو مروي عن أنس من قوله، وفعله. والراحلة: هي الناقة. والحديث ظاهر في جواز ذلك للراكب، وأما الماشي فمسكوت عنه. وقد ذهب إلى جوازه جماعة من العلماء، قياساً على الراكب بجامع التيسير للمتطوع، إلا أنه قيل: لا يعفى له عدم الاستقبال في ركوعه وسجوده، وإتمامهما، وأنه لا يمشي إلا في قيامه وتشهده. ولهم في جواز مشيه عند الاعتدال من الركوع قولان: وأما اعتداله بين السجدتين فلا يمشي فيه، إذ لا يمشي إلا مع القيام، وهو يجب عليه القعود بينهما وظاهر قوله: "حيث توجهت" أنه لا يعتدل لأجل الاستقبال، لا في حال صلاته، ولا في أولها، إلا أن في قوله: ولأبي داود من حديث أنس رضي لله عنه: وكان إذا سافرَ فأراد أن يتطوَع استقبلَ بناقتِهِ القِبلة، فكبّر ثمَّ صلى حيث كانَ وجْهُ رِكَابِه، وإسنادُهُ حسنٌ. ولأبي داود من حديث أنس رضي لله عنه: وكان إذا سافرَ فأراد أن يتطوَع استقبلَ بناقتِهِ القِبلة، فكبّر ثمَّ صلى حيث كانَ وجْهُ رِكَابِه، وإسنادُهُ حسنٌ. ما يدل على أنه عند تكبيرة الإحرام يستقبل القبلة، وهي زيادة مقبولة، وحديثه حسن، فيعمل بها. وقوله: ناقته، وفي الأول: راحلته: هما بمعنى واحد، وليس بشرط أن يكون ركوبه على ناقة، بل قد صح في رواية مسلم: "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم صلى على حماره" وقوله: "إذا سافر" تقدم أن السفر شرط عند بعض العلماء، وكأنه يأخذه من هذا، وليس بظاهر في الشرطية. وفي هذا الحديث؛ والذي قبله: أن ذلك في النفل، لا الفرض، بل صرح البخاري: أنه لا يصنعه في المكتوبة، إلا أنه قد ورد في رواية الترمذي والنسائي: "أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أتى إلى مضيق هو وأصحابه، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن، فأذن، وأقام. ثم تقدم رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على راحلته، فصلى بهم يومئ إيماء، فيجعل السجود أخفض من الركوع" . قال الترمذي: حديث غريب، وثبت ذلك عن أنس من فعله، وصححه عبد الحق، وحسنه الثوري، وضعفه البيهقي، وذهب البعض: إلى أن الفريضة تصح على الراحلة إذا كان مستقبل القبلة في هودج، ولو كانت سائرة كالسفينة، فإن الصلاة تصح فيها إجماعاً. قلت: وقد يفرق: بأنه قد يتعذر في البحر وجدان الأرض فعفي عنه، بخلاف راكب الهودج. وأما إذا كانت الراحلة واقفة، فعند الشافعي تصح الصلاة للفريضة، كما تصح عندهم في الأرجوحة المشدودة بالحبال، وعلى السرير المحمول على الرجال إذا كانوا واقفين. والمراد من المكتوبة: التي كتبت على جميع المكلفين، فلا يرد عليهّ: أنه صلى الله عليه واله وسلم كان يوتر على راحلته، والوتر واجب عليه. وعن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: "الأرض كُلُّها مسجدٌ إلا المقبرة والحمام" رواه الترمذيُّ ولَهُ علّةٌ. وعن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه أنَّ النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: "الأرض كُلُّها مسجدٌ إلا المقبرة والحمام" رواه الترمذيُّ ولَهُ علّةٌ. وهي الاختلاف في وصله، وإرساله، فرواه حماد موصولاً عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد، ورواه الثوري مرسلًا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورواية الثوري أصح، وأثبت. وقال الدارقطني: المحفوظ المرسل، ورجحه البيهقي. والحديث دليل على أن الأرض كلها تصح فيها الصلاة، ما عدا المقبرة وهي: التي تدفن فيها الموتى، فلا تصح فيها الصلاة، وظاهره سواء كان على القبر، أو بين القبور، وسواء كان قبر مؤمن، أو كافر، فالمؤمن تكرمة له، والكافر بعداً من خبثه. وهذا الحديث يخصص "جعلت لي الأرض كلها مسجداً" الحديث. وكذلك الحمام، فإنه لا تصح فيه الصلاة فقيل: للنجاسة فيختص بما فيه النجاسة منه، وقيل: تكره لا غير. وقال أحمد بن حنبل: لا تصح فيه الصلاة، ولو على سطحه عملاً بالحديث، وذهب الجمهور: إلى صحتها، ولكن مع كراهته، وقد ورد النهي معللاً بأنه محل الشياطين، والقول الأظهر مع أحمد. ثم ليس التخصيص لعموم حديث: "جعلت لي الأرض مسجداً" بهذين المحلين فقط، بل بما يفيده الحديث الاتي وهو قوله: وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم نهى "أنْ يُصَلى في سبْعِ مَواطِن: المزْبَلَة، والمجْزَرة، والمقْبَرَةِ، وقارعةِ الطريق والحمّام، ومعَاطنِ الإبلِ، وفوْقَ ظَهْرِ بيتِ الله تعالى" رواه الترمذي وضعّفَهُ. (وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم نهى أن يصلي في سَبْع: المزْبَلَة) هي مجتمع إلقاء الزبل (والمجزرة) محل جزر الأنعام (والمقبرة) وهما بزنة مفعلة بفتح العين ولحوق التاء بهما شاذ (وقارعة الطريق) ما تقرعه الأقدام بالمرور عليها (والحمام) تقدم فيه الكلام (ومعاطن) بفتح الميم فعين مهملة وكسر الطاء المهملة فنون (الإبل) وهو مبرك الإبل حول الماء (وفوق ظهر بيت الله تعالى، رواه الترمذي، وضعفه) فإنه قال بعد إخراجه ما لفظه: وحديث ابن عمر ليس بذاك القوي، وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه، وجبيرة بفتح الجيم وكسر الموحدة فمثناة تحتية فراء. وقال البخاري: فيه متروك. وقد تكلف استخراج علل للنهي عن هذه المحلات، فقيل: المقبرة والمجزرة؛ للنجاسة، وقارعة الطريق كذلك، وقيل: لأن فيها حقاً للغير، فلا تصح فيها الصلاة، واسعة كانت، أو ضيقة؛ لعموم النهي. ومعاطن الإبل ورد التعليل فيها منصوصاً: "بأنها مأوى الشياطين" . أخرجه أبو داود، وورد بلفظ: "مبارك الإبل" ، وفي لفظ: "مزابل الإبل" ، وفي أخرى: "مناخ الإبل" وهي أعم من معاطن الإبل. وعللوا النهي عن الصلاة على ظهر بيت الله، وقيدوه بأنه إذا كان على طرف بحيث يخرج عن هوائها لم تصح صلاته، وإلا صحت، إلا أنه لا يخفى أن هذا التعليل أبطل معنى الحديث، فإنه إذا لم يستقبل بطلت الصلاة لعدم الشرط، لا لكونها على ظهر الكعبة، فلو صح هذا الحديث لكان بقاء النهي على ظاهره في جميع ما ذكر هو الواجب، وكان مخصصاً لعموم، "جعلت لي الأرض مسجداً" ، لكن قد عرفت ما فيه، إلا أن الحديث في القبور من بين هذه المذكورات قد صح، كما يفيده: وعن أبي مَرْثَدٍ الغَنَوي قالَ: سمعتُ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقولُ: "لا تُصلُّوا إلى القُبور، ولا تجْلِسُوا عَلَيْها" رواهُ مُسْلِمٌ. (وعن أبي مرثد) بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة (الغنوي) بفتح الغين المعجمة والنون، وهو مرثد بن أبي مرثد. أسلم هو وأبوه، وشهد بدراً، وقتل مرثد يوم غزوة الرجيع شهيداً في حياته صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم. (قال: سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول: لا تُصَلُّوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها. رواه مسلم) . وفيه دليل على النهي عن الصلاة إلى القبر، كما نهى عن الصلاة على القبر، والأصل التحريم، ولم يذكر المقدار الذي يكون به النهي عن الصلاة إلى القبر، والظاهر: أنه ما يعد مستقبلاً له عرفاً. ودل على تحريم الجلوس على القبر، وقد وردت به أحاديث، كحديث جابر في وطء القبر، وحديث أبي هريرة: "لأن يجلس أحدكم على جمرة، فتحرق ثيايه، فتخلص إلى جلده: خير له من أن يجلس على قبر" أخرجه مسلم، وقد ذهب إلى تحريم ذلك جماعة من العلماء. وعن مالك: أنه لا يكره القعود عليها ونحوه، وإنما النهي عن القعود لقضاء الحاجة. وفي الموطأ: عن علي عليه السلام "أنه كان يتوسد القبر ويضطجع عليه" ، ومثله في البخاري: عن ابن عمر، وعن غيره. والأصل في النهي التحريم، كما عرفت غير مرة، وفعل الصحابي لا يعارض الحديث المرفوع، إلا أن يقال: إن فعل الصحابي دليل لحمل النهي على الكراهة، ولا يخفى بعده. وعن أبي سعيدٍ رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إذا جاءَ أحَدُكُمْ المسْجد، فَلْيَنْظُر، فإن رأى في نعليْه أذىً أوْ قَذراً فَلْيَمْسَحْهُ ولْيُصَلِّ فيهما" أخرجه أبو داود. وصححه ابنُ خزيْمَة. (وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا جاءَ أحدكم إلى المسجد فلينظر) أي نعليه، كما دل له قوله: (فإن رأى في نعْلَيْهِ أذى أو قَذراً) شك من الراوي (فَلْيَمْسَحْهُ وليُصَلِّ فيهما. أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة) اختلف في وصله، وإرساله، ورجح أبو حاتم وصله، ورواه الحاكم من حديث أنس، وابن مسعود، ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس، وعبد الله بن الشخير، وإسنادهما ضعيف. وفي الحديث دلالة على شرعية الصلاة في النعال، وعلى أن مسح النعل من النجاسة مطهر له من القذر والأذى، والظاهر فيهما عند الإطلاق النجاسة رطبة أو جافة، ويدل له: سبب الحديث، وهو إخبار جبريل له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: أن في نعله أذى، فخلعه في صلاته، واستمر فيها، فإنه سبب هذا. وأن المصلي إذا دخل في الصلاة وهو متلبس بنجاسة، غير عالم بها، أو ناسياً لها، ثم عرف بها في أثناء صلاته، أنه يجب عليه إزالتها، ثم يستمر في صلاته، ويبني على ما صلى، وفي الكل خلاف، إلا أنه لا دليل للمخالف، يقاوم الحديث، فلا نطيل بذكره. ويؤيد طهورية النعال بالمسح بالتراب الحديث الاتي وهو: وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إذا وَطئَ أحدُكُم الأذَى بخُفّيْهِ فطهُورُهُما التّراب" . أخرَجَهُ أبو داود وصحّحهُ ابنُ حِبّان. (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إذا وطئ أحدكم الأذى بخفّيه) أي مثلاً، أو نعليه، أو أي ملبوس لقدميه (فطهورهما) أي الخفين (التراب، أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان) ، وأخرجه ابن السكن، والحاكم، والبيهقي: من حديث أبي هريرة، وسنده ضعيف. وأخرجه أبو داود: من حديث عائشة، وفي الباب غير هذه بأسانيد، لا تخلو من ضعف، إلا أنه يشد بعضها بعضاً. وقد ذهب الأوزاعي: إلى العمل بهذه الأحاديث، وكذا النخعي وقالا: يجزيه أن يمسح خفيه إذا كان فيهما نجاسة بالتراب، ويصلي فيهما؛ ويشهد له: أن أم سلمة سألت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فقالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر، فقال: "يطهره ما بعده" . أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه. ونحوه: "أن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت: يا رسول الله إن لنا طريقاً إلى المسجد منتنة، فكيف نفعل إذا مطرنا؟ فقال: أليس من بعدها طريق هي أطيب منها؟ قلت: بلى، قال: فهذه بهذه" أخرجه أبو داود، وابن ماجه. قال الخطابي: وفي إسناد الحديثين مقال، وتأوله الشافعي: بأنه إنما هو فيما جرى على ما كان يابساً، لا يعلق بالثوب منه شيء، قلت: ولا يناسبه قولها: "إذا مطرنا" . وقال مالك؛ معنى كون الأرض يطهر بعضها بعضاً: أن يطأ الأرض القذرة، ثم يصل للأرض الطيبة اليابسة، فإن بعضها يطهر بعضاً. أما النجاسة تصيب الثوب أو الجسد، فلا يطهرها إلا الماء؛ قال: وهو إجماع. قيل: ومما يدل لحديث الباب، وأنه على ظاهره: ما أخرجه البيهقي عن أبي المعلى عن أبيه عن جده قال: أقبلت مع علي بن أبي طالب عليه السلام إلى الجمعة، وهو ماش؛ فحال بينه وبين المسجد حوض من ماء وطين، فخلع نعليه وسراويله؛ قال: قلت: هات يا أمير المؤمنين أحمله عنك. قال: لا، فخاض، فلما جاوزه لبس نعليه وسراويله، ثم صلى بالناس، ولم يغسل رجليه. أي ومن المعلوم: أن الماء المجتمع في القرى لا يخلو عن النجاسة. وعن معاوية بن الحكم رضي الله عنه قال: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إنَّ هذه الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هُوَ التّسْبيحُ، والتّكبير، وقراءةُ القُران" رواه مُسلمٌ. (وعن معاوية بن الحكم) هو معاوية بن الحكم السلمي كان ينزل المدينة، وعداده في أهل الحجاز (قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: إنَّ هذه الصلاة لا يصْلُحُ فيها شيءٌ من كلام النّاس، إنّما هو التسبيحُ والتّكبيرُ وقراءة القران. رواه مسلم) . وللحديث سبب حاصله: "أنه عطس في الصلاة رجل، فشمته معاوية، وهو في الصلاة، فأنكر عليه من لديه من الصحابة بما أفهمه ذلك، ثم قال له النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعد ذلك: إن هذه الصلاة. الحديث "وله عدة ألفاظ. والمراد من عدم الصلاحية: عدم صحتها، ومن الكلام مكالمة الناس ومخاطبتهم، كما هو صريح السبب. فدل على أن المخاطبة في الصلاة تبطلها، سواء كانت لإصلاح الصلاة، أو غيرها؛ وإذا احتيج إلى تنبيه الداخل فيأتي حكمه، وبماذا يثبت. ودل الحديث: على أن الكلام من الجاهل في الصلاة لا يبطلها، وأنه معذور لجهله؛ فإنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لم يأمر معاوية بالإعادة. وقوله:" إنما هو ": أي الكلام المأذون فيه في الصلاة، أو الذي يصلح فيها: التسبيح، والتكبير، وقراءة القران: أي إنما يشرع فيها ذلك، وما انضم إليه من الأدعية، ونحوها، لدليله الاتي وهو: وعن زيد بن أرْقَم أنه قالَ: إنْ كُنا لَنَتَكلّم في الصلاة على عهْد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُكلِّمُ أحدُنا صاحبهُ بحاجَتِهِ، حتّى نَزَلَتْ {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا للَّهِ قَانِتِينَ} فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام. متفق عليه، واللفظ لمسلم. (وعن زيد بن أرقم قال: إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم) والمراد: ما لا بد منه من الكلام، كرد السلام ونحوه، لا أنهم كانوا يتحادثون فيها تحادث المتجالسين، كما يدل قوله: (يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا للَّهِ قَانِتِينَ} وهي صلاة العصر على أكثر الأقوال. وقد ادعى فيه الإجماع {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا للَّهِ قَانِتِينَ} قال النووي في شرح مسلم: فيه دليل على تحريم جميع أنواع كلام الادميين. وأجمع العلماء: على أن المتكلم فيها عامداً عالماً بتحريمه، لغير مصلحتها، ولغير إنقاذ هالك، وشبهه: مبطل للصلاة، وذكر الخلاف في الكلام لمصلحتها، ويأتي في شرح حديث ذي اليدين في أبواب السهو. وفهم الصحابة الأمر بالسكوت من قوله:" قانتين "؛ لأنه أحد معاني القنوت، وله أحد عشر معنى معروفة، وكأنهم أخذوا خصوص هذا المعنى من القرائن، أو من تفسيره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم لهم ذلك. والحديث فيه أبحاث قد سقناها في حواشي شرح العمدة، فإن اضطر المصلي إلى تنبيه غيره، فقد أباح له الشارع نوعاً من الألفاظ كما يفيده الحديث: وعن أبي هريرة قالَ: قالَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم:" التّسْبيحُ للرجالِ، والتّصْفيقُ للنِّساءِ "مُتّفقٌ عليهِ، زادَ مُسْلمٌ" في الصَّلاةِ ". (وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: التسبيح للرجال) وفي رواية:" إذا نابكم أمر فالتسبيح للرجال "(والتّصفيق للنساء متفق عليه. زاد مسلم: في الصلاة) وهو المراد من السياق، وإن لم يأت بلفظه. والحديث دليل: على أنه يشرع لمن نابه في الصلاة أمر من الأمور، كأن يريد: تنبيه الإمام على أمر سها عنه، وتنبيه المار، أو من يريد منه أمراً، وهو لا يدري أنه يصلي، فينبهه على أنه في صلاة، فإن كان المصلي رجلاً قال: سبحان الله؛ وقد ورد في البخاري بهذا اللفظ، وأطلق فيما عداه، وإن كانت المصلية امرأة نبهت بالتصفيق. وكيفيته، كما قال عيسى بن أيوب: أن تضرب بأصبعين من يمينها على كفها اليسرى. وقد ذهب إلى القول بهذا الحديث جمهور العلماء، وبعضهم فصل بلا دليل ناهض، فقال: إن كان ذلك للإعلام: بأنه في صلاة فلا يبطلها، وإن كان لغير ذلك: فإنه يبطلها، ولو كان فتحاً على الإمام. قالوا: لما أخرجه أبو داود من قوله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم:" يا علي لا تفتح على الإمام في الصلاة ". وأجيب: بأن أبا داود ضعفه بعد سياقه له. فحديث الباب باق على إطلاقه، لا تخرج منه صورة إلا بدليل. ثم الحديث لا يدل على وجوب التسبيح تنبيهاً، أو التصفيق؛ إذ ليس فيه أمر، إلا أنه قد ورد بلفظ الأمر في رواية:" إذا نابكم أمر فليسبح الرجال وليصفق النساء". وقد اختلف في ذلك العلماء. قال شارح التقريب: الذي ذكره أصحابنا: ومنهم: الرافعي، والنووي: أنه سنة، وحكاه عن الأصحاب، ثم قال بعد كلام: والحق انقسام التنبيه في الصلاة إلى: ما هو واجب، ومندوب، ومباح، بحسب ما يقتضيه الحال. وعنْ مُطرِّف بن عبد الله بن الشِّخِّير عن أبيه قال: رَأَيْتُ رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يُصَلي، وفي صدره أَزيزٌ كأزيز المرْجلِ، من الْبُكاءِ. أخرجهُ الخمسة إلا ابن ماجهْ، وصَحّحهُ ابن حِبّان. (وعن مطرف) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء المكسورة وبالفاء (ابن عبد الله بن الشخير) بكسر الشين المعجمة وكسر الخاء المشددة، ومطرف تابعي جليل (عن أبيه) عبد الله بن الشخير، وهو ممن وفد إلى النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم في بني عامر، يعد في البصريين. (قال: رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصلي وفي صَدْرهِ أزيزٌ) بفتح الهمزة فزاي مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فزاي، وهو: صوت القدر في غليانها (كأزيز المرجل) بكسر الميم وسكون الراء وفتح الجيم هو القدر (من البكاء) بيان للأزيز (أخرجه الخمسة) هم عنده على ما ذكره في الخطبة: من عدا الشيخين، فهم أصحاب السنن، وأحمد، إلا أنه هنا أراد بهم غير ذلك، وهم أهل السنن الثلاثة وأحمد، كما بينه قوله: إلا ابن ماجه، وصححه ابن حبان)، وصححه أيضاً ابن خزيمة، والحاكم، ووهم من قال: إن مسلماً أخرجه، ومثله ما روى: "أن عمر صلى صلاة الصبح، وقرأ سورة يوسف حتى بلغ إلى قوله: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ} (يوسف: ٨٦) . فسمع نشيجه، أخرجه البخاري مقطوعاً، ووصله سعيد بن منصور، وأخرجه ابن المنذر. والحديث دليل على أن مثل ذلك لا يبطل الصلاة، وقيس عليه الأنين. وعن عليٍّ قال: كان لي من رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مَدْخلان، فكُنْتُ إذَا أتيتُهُ وهُوَ يُصلي تَنَحْنَحَ لي. رَواهُ النسائيُّ وابنُ مَاجَهْ. (وعن علي رضي الله عنه قال: كان لي من رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مدخلان) بفتح الميم ودال مهملة وخاء معجمة تثنية مدخل بزنة مقتل: أي وقتان أدخل عليه فيهما (فكنت أذا أَتيْتُه وهو يُصلي تَنَحْنَحَ لي، رواه النسائي، وابن ماجه) وصححه ابن السكن، وقد روى بلفظ:" سبح "مكان" تنحنح ": من طريق أخرى ضعيفة. والحديث دليل: على أن التنحنح غير مبطل للصلاة، وقد ذهب إليه الناصر، والشافعي؛ عملاً بهذا الحديث، وعند الهادوية: أنه مفسد إذا كان بحرفين فصاعداً، إلحاقاً له بالكلام المفسد، قالوا: وهذا الحديث فيه اضطراب، ولكن قد سمعت: أن رواية: تنحنح صححها ابن السكن، ورواية سبح ضعيفة، فلا تتم دعوى الاضطراب؛ ولو ثبت الحديثان معاً، لكان الجمع بينهما ــــ بأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم كان تارة يسبح، وتارة يتنحنح ــــ صحيحاً. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قُلتُ لبلالٍ: كيْفَ رأيت النّبيَّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يرُدُّ عليهمْ حين يُسلِّمون عليه، وهو يُصلي؟ قال: يَقُولُ هكذا، وبَسَطَ كَفّهُ. أخرجهُ أبو داود، والترمذي، وصَحّحهُ. (وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قلت لبلال: كيف رأيت النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يرد عليهم) أي على الأنصار، كما دل له السياق (حين يسلمون عليه وهو يُصلي؟ قال: يقول: هكذا وبسط كفه. أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه) ، وأخرجه أيضاً أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وأصل الحديث:" أنه خرج رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم إلى قباء يصلي فيه، فجاءت الأنصار، وسلموا عليه، فقلت لبلال: كيف رأيت؟ الحديث، ورواه أحمد، وابن حبان، والحاكم أيضاً من حديث ابن عمر: "أنه سأل صهيباً عن ذلك" بدل بلال، وذكر الترمذي: أن الحديثين صحيحان جميعاً. والحديث دليل على أن إذا سلم أحد على المصلي رد عليه السلام، بالإشارة دون النطق. وقد أخرج مسلم عن جابر: "أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بعثه لحاجة. قال: ثم أدركته وهو يصلي، فسلمت عليه، فأشار إليّ، فلما فرغ دعاني: وقال: إنك سلمت علي، فاعتذر إليه بعد الرد بالإشارة" . وأما حديث ابن مسعود: "أنه سلم عليه وهو يصلي، فلم يرد عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، ولا ذكر الإشارة، بل قال له بعد فراغه من الصلاة:" إن في الصلاة شغلاً "، إلا أنه قد ذكر البيهقي في حديثه:" أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أومأ له برأسه ". وقد اختلف العلماء في رد السلام في الصلاة على من سلم على المصلي. فذهب جماعة: إلى أنه يرد باللفظ. وقال جماعة: يرد بعد السلام من الصلاة. وقال قوم: يرد في نفسه. وقال قوم: يرد بالإشارة، كما أفاده هذا الحديث، وهذا هو أقرب الأقوال للدليل، وما عداه لم يأت به دليل. قيل: وهذا الرد بالإشارة استحباب، بدليل: أنه لم يرد صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم به على ابن مسعود، بل قال له:" إن في الصلاة شغلاً". قد عرفت من رواية البيهقي، أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رد عليه بالإشارة برأسه، ثم اعتذر إليه عن الرد باللفظ، لأنه الذي كان يرد به عليهم في الصلاة، فلما حرم الكلام، رد عليه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بالإشارة، ثم أخبره: "أن الله أحدث من أمره أن لا يتكلموا في الصلاة" فالعجب من قول من قال: يرد باللفظ مع أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال هذا. أي أن الله أحدث من أمره في الاعتذار عن رده على ابن مسعود السلام باللفظ، وجعل رده السلام في الصلاة كلاماً، وأن الله نهى عنه. والقول: بأنه من سلم على المصلي لا يستحق جواباً. يعني بالإشارة لا باللفظ، يرده: رده صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم على الأنصار، وعلى جابر بالإشارة؛ ولو كانوا لا يستحقون لأخبرهم بذلك، ولم يرد عليهم. &&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& »»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»» ) ٢ - أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه الراوي: عائشة المحدث: أبو داود - المصدر: سنن أبي داود - الصفحة أو الرقم: ٤١٠٤ خلاصة حكم المحدث: مرسل خالد بن دريك لم يدرك عائشة ? نيل الأوطار، الإصدار ٢.٠١ - للإمام الشوكاني الجزء الثاني >> [تابع كتاب الصلاة] >> أبواب ستر العورة. >> باب أن المرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها. الحديث أخرجه أيضاً ابن خزيمة والحاكم [ص ٥٥] وأعله الدارقطني بالوقف وقال: إن وقفه أشبه وأعله الحاكم بالإرسال ورواه الطبراني في الصغير والأوسط من حديث أبي قتادة بلفظ: (لا يقبل اللَّه من امرأة صلاة حتى تواري زينتها ولا من جارية بلغت الحيض حتى تختمر) . قوله (لا يقبل اللَّه صلاة حائض إلا بخمار) قد تقدم الكلام على لفظ القبول وما يدل عليه. والحائض من بلغت سن المحيض لا من هي ملابسة للحيض فإنها ممنوعة من الصلاة وهو مبين في رواية ابن خزيمة في صحيحه بلفظ: (لا يقبل اللَّه صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار) وقوله (إلا بخمار) هو بكسر الخاء ما يغطى به رأس المرأة. قال صاحب المحكم: الخمار النصيف وجمعه أخمرة وخمر. والحديث استدل به على وجوب ستر المرأة لرأسها حال الصلاة واستدل به من سوى بين الحرة والأمة في العورة لعموم ذكر الحائض ولم يفرق بين الحرة والأمة وهو قول أهل الظاهر. وفرقت العترة والشافعي وأبو حنيفة والجمهور بين عورة الحرة والأمة فجعلوا عورة الأمة ما بين السرة والركبة كالرجل. والحجة لهم ما رواه أبو داود والدارقطني وغيرهما وقد ذكرنا لفظ الحديث في شرح حديث أبي موسى المتقدم في الباب الذي قبل هذا وبما رواه أبو داود أيضاً بلفظ: (إذا زوج أحدكم عبده أمته فلا ينظر إلى عورتها) قالوا: والمراد بالعورة المذكورة في هذا الحديث ما صرح ببيانه في الحديث الأول. وقال مالك: الأمة عورتها كالحرة حاشا شعرها فليس بعورة وكأنه رأى العمل في الحجاز على كشف الإماء لرؤوسهن هكذا حكاه عنه ابن عبد البر في الاستذكار. قال العراقي في شرح الترمذي: والمشهور عنه أن عورة الأمة كالرجل وقد اختلف في مقدار عورة الحرة فقيل جميع بدنها ما عدا الوجه والكفين وإلى ذلك ذهب الهادي والقاسم في أحد قوليه والشافعي في أحد أقواله وأبو حنيفة في إحدى الروايتين عنه ومالك. وقيل والقدمين وموضع الخلخال وإلى ذلك ذهب القاسم في قول وأبو حنيفة في رواية عنه والثوري وأبو العباس وقيل بل جميعها إلا الوجه وإليه ذهب أحمد بن حنبل وداود. وقيل جميعها بدون استثناء وإليه ذهب بعض أصحاب الشافعي وروي عن أحمد. وسبب اختلاف هذه الأقوال ما وقع من المفسرين من الاختلاف في تفسير قوله تعالى {إلا ما ظهر منها} وقد استدل بهذا الحديث على أن ستر العورة شرط في صحة الصلاة لأن قوله لا يقبل صالح للاستدلال به على الشرطية كما قيل. وقد اختلف في ذلك فقال الحافظ في الفتح: ذهب الجمهور إلى أن ستر العورة [ص ٥٦] من شروط الصلاة قال: وعن بعض المالكية التفرقة بين الذاكر والناسي ومنهم من أطلق كونه سنة لا يبطل