يمسح المقيم يوماً وليلةً والمسافر ثلاثة أيام ولياليها. و عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال خرجت إلى العراق فرأيت سعداً يمسح على الخفين فقلت ما هذا فقال: إذا رجعت إلى أبيك فسله فسألت أبي فقال عمك أفقه منك رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين وسمعته يقول يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليها. ولأن المسح رخصةٌ لدفعِ المشقةِ وذلك مؤقتٌ في حق المقيم بيوم وليلةٍ لأنه يلبس خفيه حين يصبح ويخرج فيشق عليه النزع قبل أن يعود إلى بيته ليلاً، والمسافر يلحقه الحرج بالنزع في كل مرحلة فقدر في حقه بثلاثة أيام ولياليها أدنى مدة السفر إذْ لا نهاية لأكثره. وكان الحسن البصري رضي الله عنه يقول المسح مؤبد للمسافر لحديث عمار بن ياسر رضي الله عنه قال قلت يا رسول الله أمسح على الخفين يوماً فقال نعم فقلت يومين فقال نعم حتى أنتهيت إلى سبعة أيام فقال إذا كنت في سفر فامسح ما بدا لك. وتأويله أن مراده صلى الله عليه وسلم بيان أن المسح مؤبد غير منسوخ وأن ينزع في هذه المدة والأخبار المشهورة لا تترك بهذا الشاذ. وكان مالك رحمه الله تعالى يقول لا يمسح المقيم أصلاً ويمسح المسافر ما بدا له لحديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنه قال وفدت على عمر رضي الله تعالى عنه من الشام فقال متى عهدك بالخف فقلت منذ أسبوع قال أصبت. وتأويله أن المراد بيان أول اللبس وخروجه مسافراً لا أنه لم ينزع بين ذلك. ثم ابتداءُ المدة من وقت الحدث، لأن سبب وجوب الطهارة الحدث واستتار القدم بالخف يمنع سراية الحدث إلى القدم فما هو موجب لبس الخف إنما يظهر عند الحدث فلهذا كان ابتداء المدة منه، ولأنه لا يمكن ابتداء المدة من وقت اللبس فإنه لو لم يحدث بعد اللبس حتى يَمُرّ عليه يوم وليلة لا يجب عليه نزع الخف بالاتفاق، ولا يمكن اعتباره من وقت المسح لأنه لو أحدث ولم يمسح ولم يصل أياماً لا إشكال أنه لا يمسح بعد ذلك فكان العدل في الإعتبار من وقت الحدث. قال: وإنما يجوز المسح من كل حدث موجب للوضوء دون الإغتسال لحديث صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنّا سفراً أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليها إلا من جنابة ولكن من بولٍ أو غائطٍ أو نومٍ، ولأن الجنابة ألزمته غسل جميع البدن ومع الخف لا يتأتى ذلك والرِّجْلُ مُعتبرةٌ بالرأس فمتى كان الفرض في الرأس المسح كان في الرِّجل في حق لابس الخف كذلك، وفي الجنابة الفرض في الرأس الغسل فكذلك في الرِّجل عليه نزع الخف وغسل القدمين. قال: وإنما يجوز المسح إذا لبس الخف على طهارة كاملة لحديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين مسح على خفيه إني أدخلتهما وهما طاهرتان ولأن موجب لبس الخف المنع من سراية الحدث إلى القدمين لا تحويل حكم الحدث من الرجل إلى الخف، وإنما يتحقق هذا إذا كان اللبس على طهارة. قال: فإن غسل رجليه أوّلا ولبس خفيه ثم أحدث قبل إكمال الطهارة لم يجز له أن يمسح عليهما لأن أول الحدث بعد اللبس ما طرأ على طهارة كاملة فهو وما لبس قبل غسل الرجل سواءٌ. وإن أكمل وضوءَه قبل الحدث جاز له أن يمسح عندنا ولم يجز عند الشافعي رحمه الله تعالى بناء على أن الترتيب في الوضوء ليس بركن عندنا فأول الحدث بعد لبس الخف طرأ على طهارة كاملة. قال: ولو توضأ وغسل إحدى رجليه ولبس الخف ثم غسل الرجل الأُخرى ولبس الخف ثم أحدث جاز له عندنا أن يمسح وقال الشافعي رحمه الله تعالى إن لم ينزع الخف الأول فلا يجوز له أن يمسح وإن نزعه ثم لبسه جاز له المسح لأن الشرط أن يكون لبسه بعد إكمال الطهارة. وهذا اشتغال بما لا يفيد ينزع ثم يلبس من غير أن يلزمه فيه غسل وهو ليس من الحكمة فلا يجوز له اشتراطه. قال: ومسح الخف مرةٌ واحدةٌ وقال عطاء رضي الله تعالى عنه ثلاثاً كالغسل. ولنا حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهما قال كأني أنظر إلى أثر المسح على ظهر خف رسول الله صلى الله عليه وسلم خطوطاً بالأصابع، وإنما لم تبق الخطوط إذا لم يمسحه إلا مرةً واحدةً ولأن كثرة إصابة البلة إفساد الخف وفيه حرج فيكتفي فيه بالمرة الواحدة ويبدأ من قبل الأصابع حتى ينتهي إلى أسفل الساق اعتباراً بالغسل فالبداءَة فيه من الأصابع لأن الله تعالى جعل الكعبين غاية. قال: وإن مسح خفيه بأُصبع أو أُصبعين لم يجزِهِ حتى يمسح بثلاثة أصابع وعلى قول زفر رضي