الخليل: ليس في الكلام فعلاء بكسر أوله مع المد سوى سيراء ــــ وهو الماء الذي يخرج على رأس المولود ــــ وحولاء وعنباء لغة في ضبط العنب وحلة بالتنوين، على أن سيراء صفة لها وبغيره على الإضافة وهو الأجود كما في شرح مسلم (فخرجت فيها فرأيت الغضب في وجهه فشققتها بين نسائي. متفق عليه وهذا لفظ مسلم. قال أبو عبيدة: الحلة إزار ورداء، وقال ابن الأثير: إذا كانا من جنس واحد، وقيل هي برود مضلعة بالقز، وقيل حرير خالص وهو الأقرب. وقوله "فرأيت الغضب في وجهه" زاد مسلم في رواية فقال: "إني لم أبعثها إليك لتلبسها إنما بعثتها إليك لتشققها خُمُراً بين نسائك" وله في أخرى: "شققتها خمراً بين الفواطم" . وقوله "فشققتها" أي قطعتها ففرقتها خُمُراً وهي بالخاء المعجمة مضمومة وضم الميم جمع خِمار ــــ بكسر أوله والتخفيف ــــ ما تغطي به المرأة رأسها. والمراد بالفواطم: فاطمة بنت محمد صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم وفاطمة بنت أسد أم علي عليه السلام والثالثة قيل هي فاطمة بنت حمزة وذكرت لهنّ رابعة وهي فاطمة امرأة عقيل بن أبي طالب. وقد استدل بالحديث على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لأنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أرسلها لعلي عليه السلام فبنى على ظاهر الإرسال وانتفع بها في أشهر ما صنعت له وهو اللبس فبيّن له النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أنه لم يبيح له لبسها. [رح ٦] ــــ وَعَنْ أَبي موسى رضي الله عَنْهُ أنَّ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: "أُحِلَّ الذَّهبُ والحرير لإناثِ أُمّتي وحُرِّمَ على ذكورها" رواهُ أَحمدُ والنّسائي والترمذي وصحّحهُ. (وعن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: "أُحِلَّ الذَّهَبُ والْحريرُ) أي لبسهما (لإناثِ أُمّتي وحُرِّمَ) أي لبسهما وفراش الحرير كما سلف (على ذُكُورها" رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه) إلا أنه أخرجه الترمذي من حديث سعيد بن أبي هند عن أبي موسى وأعله أبو حاتم بأنه لم يلقه. وكذا قال ابن حبان في صحيحه: سعيد بن أبي هند عن أبي موسى معلول لا يصح. وأما ابن خزيمة فصححه. وقد روي من ثمان طرق غير هذه الطريق عن ثمانية من الصحابة وكلها لا تخلوا عن مقال ولكنه يشدّ بعضها بعضاً. وفيه دليل على تحريم لبس الرجال الذهب والحرير وجواز لبسهما للنساء ولكنه قد قيل إن حل الذهب للنساء منسوخ. [رح ٧] ــــ وعنْ عِمْرانَ بن حُصَين رضي الله عَنْهُما أنَّ رسول اللَّهِ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال: "إنَّ الله يحبُّ إذا أَنعمَ على عبدهِ نعْمَةً أَنْ يرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عليْهِ" رواهُ البيْهَقِيُّ. وأخرج النسائي من حديث أبي الأحوص، والترمذي والحاكم من حديث ابن عمر "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده" وأخرج النسائي عن أبي الأحوص عن أبيه وفيه: "إذا آتاك الله مالاً فلير أثر نعمته عليك وكرامته" . في هذه الأحاديث دلالة أن الله تعالى يحب من العبد إظهار نعمته في مأكله وملبسه فإنه شكر للنعمة فعْليّ، ولأنه إذا رآه المحتاج في هيئة حسنة قصده ليتصدق عليه، وبذاذة الهيئة سؤال وإظهار للفقر بلسان الحال ولذا قيل: ولسان حالي بالشكاية أنطق، وقيل: وكفاك شاهد منظري عن مخبري. [رح ٨] ــــ وَعَنْ عليٍّ رضيَ الله عنه "أن رسولَ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم نهى عَنْ لُبْس الْقَسِّيِّ والمُعَصْفر" رَواهُ مُسْلمٌ. (وعن علي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن لُبس) بضم اللام (القَسِّي) بفتح القاف وتشديد المهملة بعدها ياء النسبة وقيل: إن المحدثين يكسرون القاف وأهل مصر يفتحونها وهي نسبة إلى بلد يقال لها القس، وقد فسر القسي في الحديث بأنها ثياب مضلعة يؤتى بها من مصر والشام هكذا في مسلم وفي البخاري فيها حرير أمثال الأترج (والمعصفر. رواه مسلم) هو المصبوغ بالعصفر. فالنهي في الأول للتحريم إن كان حريره أكثر وإلا فإنه للتنزيه والكراهة وأما في الثاني فالأصل في النهي أيضاً التحريم وإليه ذهب الهادوية. وذهب [اث] جماهير الصحابة [/اث] والتابعين إلى جواز لبس المعصفر وبه قال الفقهاء غير أحمد، وقيل مكروه تنزيهاً، قالوا: لأنه لبس صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم حلة حمراء، وفي الصحيحين عن ابن عمر "رأيت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يصبغ بالصفرة" . وقد رد ابن القيم القول بأنها حلة حمراء بحتاً وقال: إن الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط وأما الأحمر البحت فمنهي عنه أشد النهي ففي الصحيحين أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم نهى عن المياثر الحمر. ولكن الحديث وهو قوله: [رح ٩] ــــ وعَنْ عبد الله بن عمْرو رضي اللَّهُ عَنْهُما قالَ: رَأَى عليَّ النَّبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم ثَوْبَيْن مُعَصْفَرَيْن فقال: "أُمُّكَ أَمرتْكَ بهذا؟" رواهُ مُسلمٌ. دليل على تحريم المعصفر معضد للنهي الأول ويزيده قوة في الدلالة تمام هذا الحديث عند مسلم "قلت: أغسلهما يا رسول الله؟ قال: بل احرقهما" . وفي رواية "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها" وأخرجه أبو داود والنسائي. وفي قوله: "أمّك أمرتك" إعلان بأنه لباس النساء وزينتهنّ وأخلاقهنّ. وفيه حجة على العقوبة بإتلاف المال وهو ــــ أي أمر ابن عمرو بتحريقها ــــ يعارض حديث علي عليه السلام، وأمره بأن يشقها بين نسائه كما في رواية قدمناها فينظر في وجه الجمع إلا أن في سنن أبي داود عن عبد الله بن عمرو: أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم رأى عليه رَّيْطَة مضرجة بالعصفر فقال: "ما هذه الرّيْطَة التي عليك؟" قال: فعرفت ما كره، فأتيت أهلي وهم يسجرون تنوراً لهم، فقذفتها فيه ثم أتيته من الغد فقال: يا عبد الله ما فعلت الريطة؟ فأخبرته فقال: "ألا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس به للنساء" فهذا يدل على أنه أحرقها من غير أمر من النبي صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم فلو صحت هذه الرواية لزال التعارض بينه وبين حديث علي عليه السلام لكنه يبقى التعارض بين روايتي ابن عمرو وقد يقال: إنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم أمر أولاً بإحراقها ندباً ثم لما أحرقها قال له صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: لو كسوتها بعض أهلك إعلاماً له بأن هذا كان كافياً عن إحراقها لو فعله وأن الأمر للندب. وقال القاضي عياض في شرح مسلم: أمره صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بإحراقها من باب التغليظ أو العقوبة. [رح ١٠] ــــ وعَنْ أَسْماءَ بنْت أَبي بكرٍ رضي اللَّهُ عنهُما "أَنها أَخْرَجَتْ جُبّةَ رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم مكْفوفةَ الْجيْب والْكُمّين والْفرْجَيْن بالديباج" رواهُ أَبو داود. وأَصلُهُ في مسلمٍ وزاد "كانت عندَ عائشة حَتى قُبضتْ فَقَبَضْتُهَا، وكان النبيُّ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يَلْبَسُها فَنَحْنُ نَغْسِلُها للمرضى يُسْتَشْفى بها" وزاد البُخاريُّ في الأدب المفْرد "وكان يلْبَسُهَا للوَفْدِ والجُمُعَةِ" . (وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنها أخرجت جبة رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم طيالسة مكفوفة) المكفوف من الحرير ما اتخذ جيبه من حرير وكان لذيله وأكمامه كفاف منه (الجيب والكمين والفرجين بالديباج) هو ما غلظ من الحرير كما سلف (رواه أبو داود وأصله في مسلم وزاد) أي من رواية أسماء (كانت) أي الجبة (عند عائشة حتى قُبضت) مغير الصيغة أي ماتت (فقبضتها وكان النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها) الحديث في مسلم له سبب وهو: أن أسماء أرسلت إلى ابن عمر أنه بلغها أنه يحرم العلم في الثواب فأجاب بأنه سمع عمر يقول: سمعت رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يقول: "إنما يلبس الحرير من لا خلاق له" فخفت أن يكون العلم منه فأخرجت أسماء الجبة (وزاد البخاري في الأدب المفرد) في رواية أسماء (وكان يلبسها للوفد والجمعة) . قال في شرح مسلم للنووي على قوله مكفوفة: ومعنى المكفوفة أنه جعل له كُفة بضم الكاف وهو ما