أن يقرن إلا بإذن أصحابه "فالذي ترجح عندي أن لا إدراج فيه. وقد اعتمد البخاري هذه الزيادة وترجم عليها في كتاب المظالم وفي الشركة، ولا يلزم من كون ابن عمر ذكر الإذن مرة غير مرفوع أن لا يكون مستنده فيه الرفع، وقد ورد أنه استفتي في ذلك فأفتى، والمفتي قد لا ينشط في فتواه إلى بيان المستند، فأخرج النسائي من طريق مسعر عن صلة قال" سئل ابن عمر عن قران التمر قال: لا تقرن، إلا أن تستأذن أصحابك "، فيحمل على أنه لما حدث بالقصة ذكرها كلها مرفوعة، ولما استفتي أفتى بالحكم الذي حفظه على وقفه. ولم يصرح حينئذ برفعه والله أعلم. وقد اختلف في حكم المسألة: قال النووي: اختلفوا في هذا النهي هل هو على التحريم أو الكراهة؟ والصواب التفصيل، فإن كان الطعام مشتركا بينهم فالقران حرام إلا برضاهم، ويحصل بتصريحهم أو بما يقوم مقامه من قرينة حال بحيث يغلب على الظن ذلك، فإن كان الطعام لغيرهم حرم وإن كان لأحدهم وأذن لهم في الأكل اشترط رضاه، ويحرم لغيره ويجوز له هو إلا أنه يستحب أن يستأذن الآكلين معه، وحسن للمضيف أن لا يقرن ليساوي ضيفه، إلا إن كان الشيء كثيرا يفضل عنهم، مع أن الأدب في الأكل مطلقا ترك ما يقتضي الشره، إلا أن يكون مستعجلا بريد الإسراع نشغل آخر. فأما اليوم مع اتساع الحال فلا يحتاج إلى استئذان. وتعقبه النووي بأن الصواب التفصيل، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كيف وهو غير ثابت. قلت: حديث أبي هريرة الذي قدمته يرشد إليه وهو قوي، وقصة ابن الزبير في حديث الباب كذلك. وقال ابن الأثير في النهاية: إنما وقع النهي عن القران لأن فيه شرها وذلك يزري بصاحبه، أو لأن فيه غبنا برفيقه، وقيل إنما نهى عنه لما كانوا فيه من شدة العيش وقلة الشيء، وكانوا مع ذلك يواسون من القليل وإذا اجتمعوا ربما آثر بعضهم بعضا، وقد يكون فيهم من اشتد جوعه حتى يحمله ذلك على القرن بين التمرتين أو تعظيم اللقمة فأرشدهم إلى الاستئذان في ذلك تطيبا لنفوس الباقين، وأما قصة جبلة بن سحيم فظاهرها أنها من أجل الغبن ولكون ملكهم فيه سواء، وروى نحوه عن أبي هريرة في أصحاب الصفة انتهى. وقد أخرج ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ وهو في" مسند البزار "من طريق ابن بريدة عن أبيه رفعه" كنت نهيتكم عن القرآن في التمر، وأن الله وسع عليكم فاقرنوا "فلعل النووي أشار إلى هذا الحديث فإن في إسناده ضعفا، قال الحازمي: حديث النهي أصح وأشهر، إلا أن الخطب فيه يسير، لأنه ليس من باب العبادات وإنما هو من قبيل المصالح الدنيوية فيكفي فيه بمثل ذلك، ويعضده إجماع الأمة على جواز ذلك. كذا قال، ومراده بالجواز في حال كون الشخص مالكا لذلك المأكول ولو بطريق الإذن له فيه كما قرره النووي، وإلا فلم يجز أحد من العلماء أن يستأثر أحد بمال غيره بغير إذنه، حتى لو قامت قرينة تدل على أن الذي وضع الطعام بين الضيفان لا يرضيه استئثار بعضهم على بعض حرم الاستئثار جزما، وإنما تقع المكارمة في ذلك إذا قامت قرينة الرضا. وذكر أبو موسى المديني في" ذيل الغريبين " عن عائشة وجابر استقباح القران لما فيه من الشره والطمع المزري بصاحبه. وقال مالك: ليس بجميل أن يأكل أكثر من رفقته. (تنبيه) : في معنى التمر الرطب وكذا الزبيب والعنب ونحوهما، لوضوح العلة الجامعة. قال القرطبي: حمل أهل الظاهر هذا النهي على التحريم، وهو سهو منهم وجهل بمساق الحديث وبالمعنى، وحمله الجمهور على حال المشاركة في الأكل والاجتماع عليه بدليل فهم ابن عمر راويه وهو أفهم للمقال وأقعد بالحال. وقد اختلف العلماء ممن يوضع الطعام بين يديه متى يملكه؟ فقيل بالوضع، وقيل بالرفع إلى فيه وقيل غير ذلك، فعلى الأول فملكهم قيه سواء، فلا يجوز أن يقرن إلا بإذن الباقين، وعلى الثاني يجوز أن يقرن؛ لكن التفصيل الذي تقدم هو الذي تقتضيه القواعد الفقهية. نعم ما يوضع بين يدي الضيفان وكذلك النثار في الأعراس سبيله في العرف سبيل المكارمة لا التشاح، لاختلاف الناس في مقدار الأكل، وفي الاحتياج إلى التناول من الشيء، ولو حمل الأمر على تساوي السهمان بينهم لضاق الأمر على الواضع والموضوع له، ولما ساغ لمن لا يكفيه اليسير أن يتناول أكثر من نصيب من يشبعه اليسير، ولما لم يتشاح الناس في ذلك وجرى عملهم على المسامحة فيه عرف أن الأمر في ذلك ليس على الإطلاق في كل حالة، والله أعلم. صحيح مسلم بشرح النووي، الإصدار ٢.٠١ - للإمام محي الدين بن شرف النووي. الجزء الثالث عشر >> كتاب الأشربة >> -٨٣ - باب نهي الآكل مع جماعة، عن قران تمرتين ونحوهما في لقمة، إلاَّ بإذن أصحابه