العلماء: أحاديث النَّهي عن الاستلقاء رافعاً إحدى رجليه على الأخرى محمولة على حالة تظهر فيها العورة، أو شيء منها، وأمَّا فعله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكان على وجه لا يظهر منها شيء، وهذا لا بأس به، ولا كراهة فيه على هذه الصِّفة. (ج/ص: ١٤/ ٧٨) وفي هذا الحديث: جواز الاتِّكاء في المسجد والاستلقاء فيه، قال القاضي: لعلَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعل هذا لضرورة، أو حاجة من تعب، أو طلب راحة أو نحو ذلك، قال: وإلاَّ فقد علم أنَّ جلوسه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المجامع على خلاف هذا، بل كان يجلس متربِّعاً، أو محتبياً، وهو كان أكثر جلوسه، أو القرفصاء، أو مقعياً، وشبهها من جلسات الوقار والتَّواضع. قلت: ويُحتمل أنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعله لبيان الجواز، وأنَّكم إذا أردتم الاستلقاء فليكن هكذا، وأنَّ النَّهي الَّذي نهيتكم عن الاستلقاء ليس هو على الإطلاق، بل المراد به من ينكشف شيء من عورته، أو يقارب انكشافها، واللهُ أعلم. قوله: (وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالاَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) هكذا هو في جميع نسخ بلادنا، وكذا ذكره أبو عليٍّ الغسَّانيُّ، عن رواية الجلوديِّ، قال: وكذا ذكره أبو مسعود الدِّمشقيُّ، عن مسلم، قال: وفي رواية ابن ماهان إسحاق بن منصور بدل إسحاق بن إبراهيم، قال الغسَّانيُّ: الأوَّل هو الَّذي أعتقد صوابه لكثرة ما يجيء إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد في رواية مسلم مقرونين عن عبد الرَّزَّاق، وإن كان إسحاق بن منصور أيضاً يروي عن عبد الرَّزَّاق، وهذا الَّذي صوَّبه الغسَّانيُّ هو الصَّواب. »»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»» ٢٥ - باب: نهي الآكل مع جماعة، عن قران تمرتين ونحوهما في لقمة، إلا بإذن أصحابه ١ - كنا بالمدينة، فأصابتنا سنة، فكان ابن الزبير يرزقنا التمر، وكان ابن عمر يمر بنا فيقول: لا تقرنوا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإقران، إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه. الراوي: عبدالله بن عمر المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: ٢٤٩٠ خلاصة حكم المحدث: [صحيح] ? فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد التاسع >> كتاب الأطعمة >> باب الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ الحديث: حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ قَالَ أَصَابَنَا عَامُ سَنَةٍ مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَرَزَقَنَا تَمْرًا فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَمُرُّ بِنَا وَنَحْنُ نَأْكُلُ وَيَقُولُ لَا تُقَارِنُوا فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْقِرَانِ ثُمَّ يَقُولُ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ أَخَاهُ قَالَ شُعْبَةُ الْإِذْنُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ الشرح: قوله (جبلة) بفتح الجيم والموحدة الخفيفة. قوله (ابن سحيم) بمهملتين مصغر كوفي تابعي ثقة ماله في البخاري عن غير ابن عمر رضي الله عنهما شيء. قوله (أصابنا عام سنة) بالإضافة أي عام قحط، وقع في رواية أبي داود الطيالسي مسنده عن شعبة "أصابتنا مخمصة" . قوله (مع ابن الزبير) يعني عبد الله لما كان خليفة، وتقدم في المظالم من وجه آخر عن شعبة بلفظ " كنا بالمدينة في بعض أهل العراق ". قوله (فرزقنا تمرا) أي أعطانا في أرزاقنا تمرا، وهو القدر الذي يصرف لهم في كل سنة من مال الخراج وغيره بدل النقد تمرا لقلة النقد إذ ذاك بسبب المجاعة التي حصلت. قوله (ويقول لا تقارنوا) في رواية أبي الوليد في الشركة" فيقول لا تقرنوا "وكذا لأبي داود الطيالسي في مسنده. قوله (عن الإقران) كذا لأكثر الرواة وقد أوضحت في كتاب الحج أن اللغة الفصحى بغير ألف، وقد أخرجه أبو داود الطيالسي بلفظ" القرآن "وكذلك قال أحمد عن حجاج بن محمد عن شعبة. وقال عن محمد بن جعفر عن شعبة" الإقران "قال القرطبي: ووقع عند جميع رواة مسلم" الإقران "وفي ترجمة أبي داود" باب الإقران في التمر وليست هذه اللفظة معروفة، وأقرن من الرباعي وقرن من الثلاثي وهو الصواب، قال الفراء: قرن بين الحج، والعمرة ولا يقال أقرن، وإنما يقال أقرن لما قوى عليه وأطاقه، ومنه قوله تعالى (وما كنا له مقرنين) قال: لكن جاء في اللغة أقرن الدم في العرق أي كثر فيحمل حمل الإقران في الخبر على ذلك، فيكون معناه أنه نهى عن الإكثار من أكل التمر إذا كان مع غيره، ويرجع معناه إلى القران المذكور. قلت: لكن يصير أغم منه. والحق أن هذه اللفظة من اختلاف الرواة، وقد ميز أحمد بين من رواه بلفظ أقرن وبلفظ قرن من أصحاب شعبة، وكذا قال الطيالسي عن شعبة القرآن، ووقع في رواية الشيباني الإقران. وفي رواية مسعر القرآن. قوله (ثم يقول إلا أن يستأذن الرجل أخاه) أي فإذا أذن له في ذلك جاز، والمراد بالأخ رفيقه الذي اشترك معه في ذلك التمر. قوله (قال شعبة: الإذن من قول ابن عمر) هو موصول بالسند الذي قبله، وقد أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة مدرجا، وكذا تقدم في الشركة عن أبي الوليد وللإسماعيلي، وأصله لمسلم كذلك عن معاذ بن معاذ، وكذا أخرجه أحمد عن يزيد وبهز وغيرهما عن شعبة، وتابع آدم على فصل الموقوف من المرفوع شبابة بن سوار عن شعبة أخرجه الخطيب من طريقه مثل ما ساقه آدم إلى قوله "الإقران، قال ابن عمر إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه" وكذا قال عاصم بن علي عن شعبة "أرى الإذن من قول ابن عمر" أخرجه الخطيب، وقد فصله أيضا عن شعبة سعيد بن عامر الضبعي فقال في روايته، قال شعبة "إلا أن يستأذن أحدكم أخاه" هو من قول ابن عمر، أخرجه الخطيب أيضا إلا أن سعيدا أخطأ في اسم التابعي فقال "عن شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر" والمحفوظ "حبلة بن سحيم" كما قال الجماعة. والحاصل أن أصحاب شعبة اختلفوا فأكثرهم رواه عنه مدرجا: وطائفة منهم رووا عنه التردد في كون هذه الزيادة مرفوعة أو موقوفة، وشبابة فصل عنه، وآدم جزم عنه بأن الزيادة من قول ابن عمر، وتابعه سعيد بن عامر إلا أنه خالف في التابعي، فلما اختلفوا على شعبة وتعارض جزمه وتردده وكان الذي رووا عنه التردد أكثر نظرنا فيمن رواه غيره من التابعين فرأيناه قد ورد عن سفيان الثوري وابن إسحاق الشيباني ومسعر وزيد بن أبي أنيسة، فأما الثوري فتقدمت روايته في الشركة ولفظه "نهى أن يقرن الرجل بين التمرتين جميعا حتى يستأذن أصحابه" وهذا ظاهره الرفع مع احتمال الإدراج، وأما رواية الشيباني فأخرجها أحمد وأبو داود بلفظ "نهى عن الإقران إلا أن تستأذن أصحابك" والقول فيها كالقول في رواية الثوري، وأما رواية زيد بن أبي أنيسة فأخرجها ابن حبان في النوع الثامن والخمسين من القسم الثاني من صحيحه بلفظ "من أكل من قول من تمر فلا يقرن، فإن أراد أن يفعل ذلك فليستأذنهم، فإن أذنوا فليفعل" وهذا أظهر في الرفع مع احتمال الإدراج أيضا. ثم نظرنا فيمن رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم غير ابن عمر فوجدناه عن أبي هريرة وسياقه يقتضي أن الأمر بالاستئذان مرفوع، وذلك أن إسحاق في مسنده ومن طريقه ابن حبان أخرجا من طريق الشعبي عن أبي هريرة قال كنت في أصحاب الصفة فبعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تمر عجوة فكب بيننا فكنا نأكل الثنتين من الجوع، فجعل أصحابنا إذا قرن أحدهم قال لصاحبه إني قد قرنت فاقرنوا "وهذا الفعل منهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم دال على أنه كان مشروعا لهم معروفا، وقول الصحابي" كنا نفعل في زمن