سَعِيدٌ: وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ في حَدِيثِهِ هَذَا: أَنَّ أُناساً مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَىَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ إِنَّا حَيٌّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، وَلاَ نَقْدِرُ عَلَيْكَ إِلاَّ فِي أَشْهُرِ الْحُرْمِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءنَا، وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِهِ. فَ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: "آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَربَعٍ، اعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ، وَآتُوا الزَّكاةَ، وَصُومُوا رَمَضَانَ، وَأَعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَم، وَالمُزَفَّتِ وَالنَّقِيرِ" . قوله: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ لَقِيَ الْوَفْدَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، قَالَ سَعِيدٌ: وَذَكَرَ قَتَادَةُ أَبَا نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) معنى هذا الكلام: أنَّ قتادة حدَّث بهذا الحديث عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدريّ كما جاء مبيَّناً في الرِّواية الَّتي بعد هذا من رواية ابن أبي عديٍّ. وأمَّا أبو عروبة، بفتح العين فاسمه: مهران، وهكذا يقوله أهل الحديث وغيرهم عروبة بغير ألف ولام. وقال ابن قتيبة في كتابه (أدب الكاتب) في باب ما تغيَّر من أسماء النَّاس: هو ابن أبي العروبة بالألف واللاَّم يعني: أنَّ قولهم عروبة لحن. وذكره ابن قتيبة في كتابه (المعارف) كما ذكره غيره فقال: سعيد ابن أبي عروبة يكنَّى أبا النَّضر لا عقب له يقال: أنَّه لم يمسّ امرأة قطّ، واختلط في آخر عمره، وهذا الَّذي قاله من اختلاطه كذا قاله غيره، واختلاطه مشهور. قال يحيى بن معين: وخلط سعيد ابن أبي عروبة بعد هزيمة إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن، سنة ثنتين وأربعين -يعني: ومائة- ومن سمع منه بعد ذلك فليس بشيء، ويزيد بن هارون صحيح السَّماع منه بواسط، وأثبت النَّاس سماعاً منه عبدة بن سليمان. قلت: وقد مات سعيد ابن أبي عروبة سنة ستٍّ وخمسين ومائة. وقيل: سنة سبع وخمسين، وقد تقرَّر من القاعدة الَّتي قدَّمناها أنَّ من علمنا أنَّه روى عن المختلط في حال سلامته، قبلنا روايته واحتججنا بها، ومن روى في حال الاختلاط أو شككنا فيه لم نحتجّ بروايته، وقد قدَّمنا أيضاً أنَّ من كان من المختلطين محتجَّاً به في (الصَّحيحين) فهو محمول على أنَّه ثبت أخذ ذلك عنه قبل الاختلاط، واللَّه أعلم. وأمَّا أبو نضرة، بفتح النُّون وإسكان الضَّاد المعجمة فاسمه: المنذر بن مالك بن قطعة، بكسر القاف وإسكان الطَّاء، العوقيُّ، بفتح العين والواو وبالقاف، هذا هو المشهور الَّذي قاله الجمهور، وحكى صاحب (المطالع) أنَّ بعضهم سكَّن الواو من العوقيِّ، والعوقة: بطن من عبد القيس وهو بصريٌّ، واللَّه أعلم. (ج/ص: ١/ ١٩١) قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِيرِ؟ قَالَ "بَلَى، جِذعٌ تَنْقُرُونَهُ فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ" . قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ: "مِنَ التَّمْرِ ثُمَّ تَصُبُّونَ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا سَكَنَ غَلَيَانُهُ شَرِبْتُمُوهُ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ -أَوْ إِنَّ أَحَدَهُمْ- لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ" . قَالَ: وَفِي الْقَومِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ. قَالَ: وَكُنْتُ أَخْبَأُهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- فَقُلْتُ: فَفِيمَ نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ وأمَّا أبو سعيد الخدريُّ فاسمه: سعد بن مالك بن سنان، منسوب إلى بني خدرة، وكان أبوه مالك -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- صحابيَّاً أيضاً قتل يوم أحد شهيداً. قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: (فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ) أمَّا تقذفون فهو بتاء مثنَّاة فوق مفتوحة، ثمَّ قاف ساكنة، ثمَّ ذال معجمة مكسورة ثمَّ فاء ثمَّ واو ثمَّ نون، كذا وقع في الأصول كلّها في هذا الموضع الأوَّل ومعناه: تلقون فيه وترمون. وأمَّا قوله في الرِّواية الأخرى وهي رواية محمَّد بن المثنَّى وابن بشَّار عن ابن أبي عديٍّ: (وتذيفون به من القطيعاء) فليست فيها قاف، وروي بالذَّال المعجمة وبالمهملة وهما لغتان فصيحتان وكلاهما بفتح التَّاء، وهو من ذاف يذيف بالمعجمة، كباع يبيع، وداف يدوف بالمهملة، كقال يقول، وإهمال الدَّال أشهر في اللُّغة، وضبطه بعض رواة مسلم بضمِّ التَّاء على رواية المهملة، وعلى رواية المعجمة أيضاً جعله من أذاف، والمعروف فتحها من ذاف وأذاف، ومعناه على الأوجه كلِّها: خلط، واللَّه أعلم. وأمَّا القطيعاء، فبضمِّ القاف وفتح الطَّاء وبالمدِّ، وهو نوع من التَّمر صغار يقال له: الشهريز بالشين المعجمة والمهملة، وبضمِّهما وبكسرهما. قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: (حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ -أَوْ إِنَّ أَحَدَهُمْ- لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ) معناه: إذا شرب هذا الشَّراب سكر فلم يبق له عقل وهاج به الشَّرّ، فيضرب ابن عمِّه الَّذي هو عنده من أحبِّ أحبابه، وهذه مفسدة عظيمة ونبَّه بها على ما سواها من المفاسد. وقوله: (أَحَدَكُمْ أو أَحَدَهُمْ) شكٌّ من الرَّاوي، واللَّه أعلم. (ج/ص: ١/ ١٩٢) قَالَ: "فِي أَسْقِيةِ الأَدَمِ الَّتِي يُلاَثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا" . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ، وَلاَ تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَةُ الأَدَمِ. فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: "وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ، وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَانُ" . قَالَ: وَقَالَ نَبِيُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- لأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: "إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ" .