اللَّه: {يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [النبأ: ٤٠] أي: قدَّم، واللَّه أعلم. وأمَّا معنى التَّرجمة: فهو التَّعبير عن لغة بلغة. ثمَّ قيل: إنَّه كان يتكلَّم بالفارسيَّة، فكان يترجم لابن عبَّاس عمَّن يتكلَّم بها. قال الشَّيخ أبو عمرو بن الصَّلاح -رحمه اللَّه-: وعندي أنَّه كان يبلِّغ كلام ابن عبَّاس إلى من خفي عليه من النَّاس، إمَّا لزحام منع من سماعه فأسمعهم، وإمَّا لاختصار منع من فهمه فأفهمهم أو نحو ذلك. قال: وإطلاقه لفظ النَّاس يشعر بهذا. قال: وليست التَّرجمة مخصوصة بتفسير لغة بلغة أخرى، فقد أطلقوا على قولهم: باب كذا، اسم التَّرجمة لكونه يعبِّر عمَّا يذكره بعده، هذا كلام الشَّيخ. والظَّاهر أنَّ معناه: أنَّه يفهِّمهم عنه، ويفهِّمه عنهم، واللَّه أعلم. قوله: (فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ تَسْأَلُهُ عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ) أمَّا الجرِّ، فبفتح الجيم، وهو اسم جمع، الواحدة: جرَّة، ويجمع أيضاً على جرار، وهو هذا الفخَّار المعروف. وفي هذا دليل على جواز استفتاء المرأة الرِّجال الأجانب وسماعها صوتهم وسماعهم صوتها للحاجة. (ج/ص: ١/ ١٨٧) فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-. فَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: "مَنِ الْوَفْدُ أَوْ: مَنِ الْقَوْمُ؟" قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: "مَرْحَباً بِالْقَوْمِ -أَوْ بِالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ النَّدَامَى" . قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ. وفي قوله: (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ .... ) الخ، دليل على أنَّ مذهب ابن عبَّاس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّ النَّهي عن الانتباذ في هذه الأوعية ليس بمنسوخ بل حكمه باق، وقد قدَّمنا بيان الخلاف فيه. قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: (مَرْحَبَاً بِالْقَوْمِ) منصوب على المصدر استعملته العرب وأكثرت منه، تريد به البرّ وحسن اللِّقاء، ومعناه: صادقت رحباً وسعة. قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: (غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ النَّدَامَى) هكذا هو في الأصول: النَّدامى، بالألف واللاَّم، وخزايا بحذفهما، وروي في غير هذا الموضع بالألف واللاَّم فيهما، وروي بإسقاطهما فيهما، والرِّواية فيه غير بنصب الرَّاء على الحال. وأشار صاحب (التَّحرير) إلى أنَّه يروى أيضاً بكسر الرَّاء على الصِّفة للقوم، والمعروف الأوَّل، ويدلُّ عليه ما جاء في رواية البخاريّ: "مرحباً بالقوم الَّذين جاؤوا غير خزايا ولا ندامى" واللَّه أعلم. أمَّا الخزايا فجمع خزيان كحيران وحيارى، وسكران وسكارى، والخزيان: المستحي. وقيل: الذَّليل المهان. وأمَّا النَّدامى فقيل: إنَّه جمع ندمان بمعنى: نادم، وهي لغة في نادم، حكاها القزَّاز صاحب (جامع اللُّغة) والجوهريُّ في صحاحه وعلى هذا هو على بابه. وقيل: هو جمع نادم اتباعاً للخزايا، وكان الأصل نادمين فأتبع لخزايا تحسيناً للكلام، وهذا الاتباع كثير في كلام العرب وهو من فصيحه، ومنه قول النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: "ارجعن مأزورات غير مأجورات" أتبع مأزورات لمأجورات، ولو أفرد ولم يضمّ إليه مأجورات لقال: موزورات، كذا قاله الفرَّاء وجماعات قالوا: ومنه قول العرب: إنِّي لآتية بالغدايا والعشايا، جمعوا الغداة على غدايا اتباعاً لعشايا، ولو أفردت لم يجز إلاَّ غدوات. وأمَّا معناه فالمقصود: أنَّه لم يكن منكم تأخّر عن الإسلام ولا عناد، ولا أصابكم إسار ولا سبأ، ولا ما أشبه ذلك ممَّا تستحيون بسببه أو تذلُّون أو تهانون أو تندمون، واللَّه أعلم. قوله: (فَقَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ) الشُّقَّة، بضمِّ الشِّين وكسرها، لغتان مشهورتان وأفصحهما الضَّمُّ وهي الَّتي جاء بها القرآن العزيز. قال الإمام أبو إسحاق الثَّعلبيُّ: وقرأ عبيد بن عمير بكسر الشِّين وهي لغة قيس، والشُّقَّة: السَّفر البعيد، كذا قاله ابن السّكّيت، وابن قتيبة، وقطرب وغيرهم. (ج/ص: ١/ ١٨٨) وإنَّا لا نَسْتَطيع أَنْ نَأْتَيَكَ إِلاَّ في شَهْرِ الحَرَامِ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءنَا، نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ. قَالَ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ. قَالَ: أَمَرَهُمْ بِالإِيْمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ. وَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ؟" قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدّوا خُمُساً من المغنم" . وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ. قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: النَّقِيرِ. قَالَ شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ. وَقَالَ: "احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ" . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: "مَنْ وَرَاءكُمْ" وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ الْمُقَيَّر. قيل: سمِّيت شقّة لأنَّها تشقُّ على الإنسان. وقيل: هي المسافة. وقيل: الغاية الَّتي يخرج الإنسان إليها، فعلى القول الأوَّل يكون قولهم: (بَعِيْدَةٍ) مبالغة في بُعْدِها، واللَّه أعلم. قولهم: (فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ) هو بتنوين أمر، قال الخطَّابيُّ وغيره: هو البَيِّنُ الواضح الَّذي ينفصل به المراد ولا يشكل. قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: "وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ" . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ: "مَنْ وَرَاءكُمْ" هكذا ضبطناه وكذا هو في الأصول: الأوَّل: بكسر الميم، والثَّاني: بفتحها، وهما يرجعان إلى معنى واحد. (ج/ص: ١/ ١٨٩)