ما أطيب إهابه وهو كذلك، وقد قيل أن أطيب الأشياء من السمك الذنب، وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنه أتاه عبد أسود فقال: إنني في غنم لأهلي وإني سليل الطريق أفأسقى من لبنها بغير إذنهم؟ فقال: لا فقال: إني أرمي الصيد فأصمي وأنمي قال: كل ما أصميت ودع ما أنميت. قال أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - الإصماء ما رأيته والإنماء ما توارى عنك. وبه نأخذ إلا أن المراد به إذا توارى عنه وقعد في طلبه، فإذا لم يقعد عن طلبه لا يحرم لما بينا أن ما لا يستطاع بالامتناع عنه يكون عفواً وفي الحديث دليل أنه ليس للراعي أن يسقى من لبن الغنم بغير إذن أهلها فإن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - نهاه عن ذلك وهذا لأن الراعي أمر بالرعي والحفظ والسقي من لبنها بمنزلة هبة عنها ولا يجوز له ذلك بدون إذن أهلها، والذي جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر براعي الغنم فاستسقاه اللبن تأويله أن ذلك الراعي كان يرعى غنم نفسه أو كان مأذوناً من جهة مالكه بذلك وقد عرف ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا ترى إلى قوله - صلى الله عليه وسلم (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه) (وعن) موسى بن طلحة - رضي الله تعالى عنه - أن أعرابياً أهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرنباً مشوياً قال لأصحابه كلوا قال الأعرابي إني رأيت دماً قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ليس بشيء وقال للأعرابي: إذاً فكل فقال: إني صائم قال: صوم ماذا؟ قال: صوم ثلاثة أيام من كل شهر فقال: هلا جعلتها البيض. وبه نأخذ فنقول: الأرنب مأكول وقد قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الهدية فيه وأكل منه وأمر أصحابه - رضوان الله عليهم - بذلك، (وقول) الأعرابي إني رأيت دماً مراده ما يقول جهال العرب أن الأرنبة تحيض كالنساء فبين ص (٢٣١) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك ليس بشيء وفيه دليل على أنه لا بأس للمهدي أن يأكل من هديته فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعاه إلى الأكل وإنما بعث ليتمم مكارم الأخلاف فما كان يدعو أحداً إلى ما يخالف ذلك، وفيه دليل على أنه إذا دعي إلى طعام وهو صائم لا بأس بأن يمتنع ويقول إني صائم وقد أقره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما قال حيث قال - صلى الله عليه وسلم صوم ماذا؟ قال: صوم ثلاثة أيام من كل شهر. وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحثهم على ذلك ويقول الحسنة بعشر أمثالها صوم ثلاثة أيام من الشهر كصوم جميع الشهر، وفيه دليل على أن الأفضل أن يكون صومه في الأيام البيض لقوله - صلى الله عليه وسلم هلا جعلتها البيض، والبيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وعند بعضهم أولها الرابع عشر وآخرها السادس عشر، سميت بيضاً لطلوع القمر في ليليها من أول الليل إلى آخر الليل فكأن الليل يستوي بالنهار في البياض. (وقيل) لما روي أن آدم - صلوات الله وسلامه عليه - لما أهبط إلى الأرض بعد زلته أغبر جسده صام الرابع عشر فابيض ثلث جسده ثم صام الخامس عشر فابيض ثلث آخر ثم صام السادس عشر فابيض جميع جسده وعاد اللون الأول فسميت بيضاً لذلك. وعن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنه أهدي لها ضب فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكله فكرهه فجاء سائل فأرادت أن تطعمه إياه فقال - صلوات الله وسلامه عليه: أتطعمين ما لا تأكلين؟ وبهذا نأخذ فنقول: لا يحل أكل الضب. وقال الشافعي - رحمه الله تعالى - يحل لحديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الضب فقال: لم يكن من طعام قومي فأجد نفسي تعافه فلا أحله ولا أحرمه. وفي حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: أكل الضب على مائدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي الآكلين أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - كان ينظر إليه ويضحك. واعتمادنا على حديث عائشة - رضي الله تعالى عنها - فيه يبين أن امتناع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكله لحرمته لا لأنه كان يعافه، ألا ترى أنه نهاها عن التصدق به، ولو لم يكن كراهية الأكل للحرمة لأمرها بالتصدق به كما أمرها به في شاة الأنصاري بقوله: أطعموها الأسارى. والحديث الذي فيه دليل الإباحة محمول على أنه كان قبل ثبوت الحرمة، ثم الأصل أنه متى تعارض الدليلان أحدهما يوجب الحظر والآخر يوجب الإباحة يغلب الموجب للحظر، وقال بعض المتأخرين - رحمهم الله تعالى - حرمة الضب لأنه من الممسوخات على ما روي أن فريقين من عصاة بني إسرائيل أخذ ص (١٣٢) أحدهما طريق البحر والآخر طريق البر فمسخ الذين أخذوا طريق البر ضباباً وقردة وخنازير. (وروي) هذا الأثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكنه غير مشهور. ثم قد بينا أن الممسوخ لا نسل له ولا بقاء فهذا الذي يوجد الآن ليس بممسوخ وإن مسخ قوم من جنسه ولكنه من الخبائث ولهذا عافه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيدخل تحت قوله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث} لكونه مستخبثاً طبعاً كسائر الهوام. (وعن) عبد الله بن أبي أوفى قال: أصبنا يوم حنين حمراً أهلية فذبحناها وإن القدر لتغلي بها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم (اكفئوها بما فيها) ونهى عن أكلها فقلنا بيننا إنما حرمها لأنها نهبة لم تخمس، فلقيت سعيد بن جبير - رضي اله تعالى عنه - فذكرت له ذلك فقال: بل حرمها البتة. وبه نأخذ فنقول: لا يحل تناول الحمار الأهلي وكان بشر المريسي يبيح ذلك وهو قول مالك - رحمه الله - وقد روى أن عائشة - رضي الله عنها - سئلت عن ذلك فتلت قوله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما} الآية. وعن طاووس قال: قلت لجابر بن فهر: إنكم تزعمون أن لحم الحمار الأهلي حرام قال: كان الحكم بن عمرو يقول: ذلك عندنا بالبصرة. فأتى ذلك الخبر يعني ابن عباس - رضي الله عنهما - وفي حديث الجر بن غالب - رضي الله عنه - أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لم يبق لي من مالي إلا حميرات فقال - صلى الله عليه وسلم كل من سمين مالك فإني إنما نهيتكم عن خول القرية واعتبروا الحمار الأهلي بالوحشي فإنه مأكول بالاتفاق وكل حيوان وحشه مأكول فالأهلي من جنسه مأكول كالإبل والبقر وما لا يكون أهليه مأكولاً فوحشيه لا يكون مأكولاً كالكلب والسنور، وحجتنا في ذلك ما روينا من الحديث فيه يتبين أنه ما كان حرمها يوم خيبر لقلة الظهر لأنه أمر بإكفاء القدور بعد ما صار لحماً ليس فيه منفعة الظهر، وما حرمها لأنها نهبة لم تخمس فما كان مأكولاً فللغانمين حق التناول منه قبل الخمس كالطعام والعلف، وما حرمها لأنها حول القربة مأخوذ من الحوال متناول الجيف كالجلالة فإنه خص الحمر الأهلية بذلك، وفي هذا المعنى الحمار وغيره سواء، فعرفنا أنه حرمها البتة. (وقد) روي أنه أمر أبا طلحة - رضي الله عنه - فنادى: ألا إن الله تعالى ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس. وروى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى يوم خيبر عن متعة النساء وعن الحمار الأهلي ولما بلغ علي - رضي الله عنه - فتوى ابن عباس - رضي الله عنهما - بإباحة المتعة فقال له: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن متعة النساء وعن الحمر الأهلية زمن خيبر. فترجح الآثار ص (٢٣٣) الموجبة للحرمة ثم لا حجة في حديث الحبر - رضي الله تعالى عنه - فإن معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - كُلْ من سمين مالك. أي بعه واستنفق ثمنه، فقد يقال فلان أكل عقاره والمراد هذا، وقال القائل: إن لنا أحمرة عجافا * يأكلن كل ليلة إكافا والمراد ثمن الإكاف، وما نقلوه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - لا يكاد يصح عنه والمشهور عنه أنه حرم الخيل والبغال والحمير فاستدل لذلك بالآية: {لتركبوها وزينة} على ما تبين وعائشة - رضي الله عنها استدلت بعام دخله الخصوص بالاتفاق وقد ثبت النهي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في لحم الحمار فكان دليل الخصوص في هذا العام واعتبار الأهلي بالوحشي ساقط فإنه لا مشابهة بينهما معنى والمشابهة صورة لا تكون دليل الحل، وقد صح في الأثر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أباح تناول الحمار الوحشي كما روي أن أعرابياً أهدى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حماراً وحشياً عفيراً أو رجل حمار وحشي فأمر أبا بكر - رضي الله تعالى عنه - أن يقسمه بين الرفاق. ثم كما ورد الحديث بالأمر بالإكفاء للقدر في لحم الحمار فقد ورد مثله في الضب وهو حديث عبد الرحمن بن حسنة قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأصابتنا مجاعة ونزلنا في أرض كثيرة الضباب فأخذناها وإن القدور لتغلي بها فأمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإكفاء القدور. ومعلوم أن تضييع المال لا يحل فعرفنا أن الأمر بإكفاء القدور في الموضعين للحرمة (وعن) أنس بن مالك - رضي الله تعالى عنه - قال: أكلنا لحم فرس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن الحريث قال: كنا إذا نتجت فرس أخذنا فلواً ذبحناه وقلنا الأمر قريب فبلغ ذلك عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - فكتب إلينا: أن لا تفعلوا فإن في الأمر تراخي. وبهذين الحديثين يستدل من يرخص في لحم الخيل فإنهم كانوا يذبحونه لمنفعة الأكل وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي - رحمهم الله تعالى - وأما أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - فإنه كان يكره لحم الخيل فظاهر اللفظ في كت اب الصيد يدل على أن الكراهة للتنزيه فإنه قال: رخص بعض العلماء - رحمهم الله - في لحم الخيل فأما أنا فلا يعجبني أكله، وما قال في الجامع الصغير أكره لحم الخيل يدل على أنه كراهة التحريم، فقد روي ان أبا يوسف - رحمه الله تعالى - قال لأبي حنيفة - رحمه الله إذا قلت في شيء أكرهه فما رأيك فيه قال التحريم، ثم من أباحه استدل بالتعامل الظاهر ببيع لحم الخيل في الأسواق من غير نكير منكر ولأن سؤره طاهر على الإطلاق وبوله بمنزلة بول ما يؤكل لحمه فعرفنا أنه مأكول كالأنعام وإن ص (٢٣٤) روي فيه نهي فلأن الخيل كانت قليلة فيهم وكان سلاحاً يحتاجون إليه في الحرب فلهذا نهاهم عن أكله لا لحرمته وحجة أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - في ذلك قوله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة} الآية فقد منَّ الله تعالى على عباده بما جعل لهم من منفعة الركوب والزينة في الخيل ولو كان مأكولاً لكان الأولى بيان منفعة الأكل لأنه أعظم وجوه المنفعة وبه بقاء النفوس ولا يليق بحكمة الحكيم ترك أعظم وجوه المنفعة عند إظهار المنة وذكر ما دون ذلك. ألا ترى أنه في الأنعام ذكر الأكل بقوله تعالى: {ومنها تأكلون} ولأنه ضم الخيل إلى البغال والحمير في الذكر دون الأنعام والقران في الذكر دليل القران في الحكم، وبنحوه استدل ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - حين كره لحم الخيل كما روي عنه في الكتاب، وفي حديث خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل لحم الخيل والبغال والحمير وفي حديث المقدام بن معد يكرب - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (حرام عليكم لحوم الحمير والبغال والخيل) وقد بينا أن الدليل الموجب للحرمة يترجح فإن ما كان من الرخصة محمول على أنه كان في الابتداء قبل النهي، ولأن نتاجه غير مأكول وهو البغل لأن البغل نتاج الفرس والولد جزء من الأم وحكمه حكمها في الحل والحرمة فإذا لم يكو مأكولاً عرفنا أن الخيل ليس بمأكول ثم الخيل تشبه البغال والحمير من حيث أنه ذو حافر أهلي بخلاف الأنعام فإنها ذوات خف أو ذوات حوافر وقد روى الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - الكراهة في سؤر الفرس كما في لبنه وإنما جعل بوله كبول ما يؤكل لحمه لمعنى البلوى فيه فللبلوى تأثير في تخفيف حكم النجاسة، ومن قال الكراهة للتنزيه لا للتحريم قال: إن الفرس كالآدمي من وجه أنه يحصل إرهاب العدو به ويستحق السهم من الغنيمة والآدمي غير مأكول لكرامته لا لنجاسته والخيل كذلك كره أكلها على طريق التنزيه لمعنى الكرامة ولهذا جعل الخيل طاهرة السؤر وجعل بوله كبول ما يؤكل لحمه (وعن) إبراهيم - رحمه الله تعالى - قال لا بأس بثمن كلب الصيد وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في ثمن كلب الصيد وبه نأخذ فنقول: بيع الكلب المعلم يجوز. وعلى قول الشافعي - رحمه الله - لا يجوز بيع الكلب أصلاً معلماً كان أو غير معلم لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي، وامر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل الكلاب فلو كانت مالاً متقوماً لما أمر بذلك ولأن ص (٢٣٥) الكلب نجس العين بدليل نجاسة سؤره فلا يجوز بيعه كالخنزير، والدليل عليه أنه لو كان محل البيع لم يفرق بين المعلم منه وغير المعلم كالفهد والبازي. وحجتنا في ذلك ما رواه ابراهيم من الرخصة وذلك بعد النهي والتحريم فبه يتبين تيسير إنتساخ ما روي من النهي، وهذا لأنهم كانوا ألفوا اقتناء الكلاب وكانت الكلاب فيهم تؤذي الضيفان والغرباء فنهوا عن اقتنائها فشق ذلك عليهم فأمروا بقتل الكلاب ونهوا عن بيعها تحقيقاً للزجر عن العادة المألوفة، ثم رخص لهم بعد ذلك في ثمن منتفعاً به من الكلاب وهو كلب الصيد وكلب الحرس والماشية. وقد جاء في حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الكلب إلا كلب