نعم. وحجتنا في ذلك الحديث الذي روينا وحديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير ولأنه ذو ناب يقاتل بنابه فلا يؤكل لحمه كالذئب، وتأثيره ما ذكرنا أنه مستخبث باعتبار ما فيه من القصد إلى الأذى والبلادة فيدخل في جملة قوله تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث} وحديث جابر - رضي الله تعالى عنه - إن صح فتأويله أنه كان في زمن الابتداء ثم انتسخ بنزول الآية وهذا لأن الحرمة ثابتة شرعاً فما يروى من الحل يحمل على أنه كان قبل ثبوت الحرمة ولا خلاف في أن الضبع صيد بحسب الجزاء على المحرم بقتله عندنا لأنه صيد، وعنده لأنه مأكول اللحم، فأما معنى حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه - فالمراد بالخطف ما يختطف بمخلبه من الهواء كالبازي والعقاب والشاهين، والمنهبة ما ينتهب بنابه من الأرض كالأسد والذئب والفهد والنمر، وفي ذكر هذين الموضعين إشارة إلى معنى الحرمة حتى لا يسري إلى الأكل هذا الخلق الرديء. وفي المحتمة روايتان بالفتح والكسر ومعنى الرواية بالفتح ما يحتم عليه الكلب فيقتله غماً لا جرحاً فذلك الصيد حرام لانعدام معنى الذكاة فيه، ومعنى الرواية بالكسر ما يحتم على الصيود كالذئب والأسد والفهد فإنه غير مأكول، ومعنى قوله وعن كل ذي ناب من السباع ما يقصد بنابه ويدفع به، فأما أصل الناب يوجد لكل صيد فعرفنا أن المحرم ما بينا. وعن إبراهيم - رحمه الله تعالى - قال: كانوا يكرهون كل ذي مخلب من الطير وما أكل الجيف وبه نأخذ لأن كل ما يأكل الجيف كالفراق والغراب الأبقع مستخبث طبعاً فيدخل تحت قوله ص (٢٢٦) {ويحرم عليهم الخبائث} (وعن) هشام بن عروة عن أبيه أنه سئل عن أكل الغراب فقال: ومن يأكله بعد ما سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاسقاً يريد به الحديث المعروف: (خمس فواسق يقتلهم المحرم في الحل والحرم .... وذكر الغراب من جملتها) والمراد به ما يأكل الجيف. وأما الغراب الزرعي الذي يلتقط الحب فهو طيب مباح لأنه غير مستخبث طبعاً وقد يألف الآدمي كالحمام فهو العقعق سواء ولا بأس بأكل العقعق، فإن كان الغراب بحيث يخلط فيأكل الجيف تارة والحب تارة فقد روي عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أنه يكره لأنه اجتمع فيه الموجب للحل والموجب للحرمة. (وعن) أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه لا بأس بأكله وهو الصحيح على قياس الدجاجة فإنه لا بأس بأكلها وقد أكلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي قد تخلط أيضاً، وهذا لأن ما يأكل الجيف فلحمه ينبت من الحرام فيكون خبيثاً عادة وهذا لا يوجد فيما يخلط. وعن ابن المسيب - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أن تنخع الشاة إذا ذبحت وبه نأخذ، ومعناه أن يبالغ الذابح بالذبح حتى يبلغ بالسكين النخاع، والنخاع عرق أبيض في عظم الرقبة، وفي هذا زيادة إيلام غير محتاج إليه والشرع نهى عن ذلك والأصل فيه حديث أبي الأشعث الصبغاني - رضي الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء فإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وليحدَّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) والنخع ليس من الإحسان في شيء وكان منهياً عنه، وروي كراهية ذلك عن عمر وابن عمر - رضي الله