للمقداد - رضي الله عنه - في ثوب لبسه: (إياك والمخيلة ولا تلام على كفاف) والتفاخر والتكاثر حرام لقوله تعالى: {اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو} الآية. وإنما ذكر هذا على وجه الإلزام لذلك قال الله تعالى: {ولا تمنن تستكثر} الآية وقال عز وجل {أن كان ذا مال وبنين} وقال جل وعلا: {الهاكم التكاثر} الآية فعرفنا أن التفاخر والتكاثر حرام. (قال وأمر اللباس نظير الأكل في جميع ما ذكرنا) يعني أنه كما نهى عن الإسراف والتكثير من الطعام فكذلك نهى عن ذلك في اللباس، والأصل فيه ما روي أن النبي - صلى اله عليه وسلم - نهى عن الثوبين، والمراد أن لا يلبس نهاية ما يكون من الحسن والجودة في الثياب على وجه يشار إليه بالأصابع، أو يلبس نهاية ما يكون من الثياب الخلق على وجه يشار إليه بالأصابع فإن أحدهما يرجع إلى الإسراف والآخر يرجع إلى التقتير، وخير الأمور أوسطها، فينبغي أن يلبس في عامة الأوقات الغسيل من الثياب ولا يكلف الجديد الحسن عملاً بقوله - صلى الله عليه وسلم (البذاذة من الإيمان) إلا أنه لا بأس بأن يلبس أحسن ما يجد من الثياب في بعض الأعياد ص (٢٦٩) والأوقات والجمع، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان له جبة أهداها إليه المقوقس فكان يلبسها في الأعياد والجمع وللوفود ينزلون إليه. وروي أنه كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قباء مكفوف بالحرير فكان يلبس ذلك في الأعياد والجمع، ولأن في لبس ذلك في بعض الأوقات إظهار النعمة قال - صلى الله عليه وسلم (إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى أثرها عليه) وفي التكلف لذلك في جميع الأوقات معنى الصلف، وربما يغيظ ذلك المحتاجين، والتحرز عن ذلك أولى، وكذا في زمان الشتاء لا ينبغي أن يظاهر بين جبتين أو ثلاثة إذا كان يكفيه لدفع البرد جبة واحدة، فإن ذلك يغيظ المحتاجين وهو منهى عن اكتساب سبب يؤذي غيره ومقصوده يحصل بما دون ذلك، والأولى له أن يختار الخشن من الثياب للبس على ما روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان لا يلبس إلا الخشن من الثياب، فإن لبس الخشن في زمان الشتاء واللين في زمان الصيف، فلا بأس بذلك؛ لأن الخشن يدفع من البرد ما لا يدفعه اللين، فهو محتاج إلى ذلك في زمان الشتاء، واللين ينشف من العرق ما لا ينشفه الخشن فهو محتاج إلى ذلك في زمان الصيف، وإن لبس اللين في الشتاء والصيف فذلك واسع له أيضاً إذا كان اكتسبه من حله لقوله تعالى: {قل من حرم زينة الله} الآية وكما يندب إلى ما بينا في طعام نفسه وكسوته فكذلك في طعام عياله وكسوتهم؛ لأنه مأمور بالإنفاق عليهم بالمعروف والمعروف ما يكون دون السرف وفوق التقتير، حتى قالوا: لا ينبغي أن يكلف تحصيل جميع شهوات عياله، ولا أن يمنعها جميع شهواتها، ولكن