إنما حفظ المفصل من المهاجرين والأنصار، قال: وهذا الذي قاله خروج عن الظاهر بل عن النص، لأن قوله أقرئ بمعنى أعلم. قلت: ويؤيد التعقب ما وقع في رواية ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري "كنت أختلف إلى عبد الرحمن بن عوف ونحن بمنى مع عمر بن الخطاب أعلم عبد الرحمن بن عوف القرآن" أخرجه ابن أبي شيبة وكان ابن عباس ذكيا سريع الحفظ، وكان كثير من الصحابة لاشتغالهم بالجهاد لم يستوعبوا القرآن حفظا، وكان من اتفق له ذلك يستدركه بعد الوفاة النبوية وإقامتهم بالمدينة، فكانوا يعتمدون على نجباء الأبناء فيقرءونهم تلقينا للحفظ. قوله (فبينما أنا بمنزله بمنى وهو عند عمر) في رواية ابن إسحاق "فأتيته في المنزل فلم أجده فانتظرته حتى جاء" . قوله (في آخر حجة حجها) يعني عمر، كان ذلك سنة ثلاث وعشرين. قوله (لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم) لم أقف على اسمه. قوله (هل لك في فلان) لم أقف على اسمه أيضا، ووقع في رواية ابن إسحاق أن من قال ذلك كان أكثر من واحد ولفظه "أن رجلين من الأنصار ذكرا بيعة أبي بكر" . قوله (لقد بايعت فلانا) هو طلحة بن عبيد الله أخرجه البزار من طريق أبي معشر عن زيد بن أسلم عن أبيه وعن عمير مولى غفرة بضم المعجمة وسكون الفاء قالا "قدم على أبي بكر مال - فذكر قصة طويلة في قسم الفيء ثم قال - حتى إذا كان من آخر السنة التي حج فيها عمر قال بعض الناس: لو قد مات أمير المؤمنين أقمنا فلانا، يعنون طلحة بن عبيد الله" ونقل ابن بطال عن المهلب أن الذين عنوا أنهم يبايعونه رجلا من الأنصار ولم يذكر مستنده في ذلك. قوله (فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة) ، بفتح الفاء وسكون اللام بعدها مثناة ثم تاء تأنيث أي فجأة وزنه ومعناه، وجاء عن سحنون عن أشهب أنه كان يقولها بضم الفاء ويفسرها بانفلات الشيء من الشيء ويقول إن الفتح غلط وإنه إنما يقال فيما يندم عليه، وبيعة أبي بكر مما لا يندم عليه أحد، وتعقب بثبوت الرواية بفتح الفاء ولا يلزم من وقوع الشيء بغتة أن يندم عليه كل أحد بل يمكن الندم عليه من بعض دون بعض، وإنما أطلقوا على بيعة أبي بكر ذلك بالنسبة لمن لم يحضرها في الحال الأول، ووقع في رواية ابن إسحاق بعد قوله فلتة "فما يمنع امرئ إن هلك هذا أن يقوم إلى من يريد فيضرب على يده فتكون أي البيعة كما كانت أي في قصة أبي بكر" وسيأتي مزيد في معنى الفلتة بعد. قوله (فغضب عمر) زاد ابن إسحاق "غضبا ما رأيته غضب مثله منذ كان" . قوله (أن يغصبوهم أمورهم) كذا في رواية الجميع بغين معجمة وصاد مهملة. وفي رواية مالك "يغتصبوهم" بزيادة مثناة بعد الغين المعجمة، وحكى ابن التين أنه روى بالعين المهملة وضم أوله من أعضب أي صار لا ناصر له، والمعضوب الضعيف، وهو من عضبت الشاة إذا انكسر أحد قرنيها أو قرنها الداخل وهو المشاش، والمعنى أنهم يغلبون على الأمر فيضعف لضعفهم، والأول أولى، والمراد أنهم يثبتون على الأمر بغير عهد ولا مشاورة، وقد وقع ذلك بعد على وفق ما حذره عمر رضي الله عنه قوله (يجمع رعاع الناس وغوغاءهم) الرعاع بفتح الراء وبمهملتين الجهلة الرذلاء، وقيل الشباب منهم والغوغاء بمعجمتين بينهما واو ساكنة، أصله صغار الجراد حين يبدأ في الطيران، ويطلق على السفلة المسرعين إلى الشر. قوله (يغلبون عل قربك) بضم القاف وسكون الراء ثم موحدة أي المكان الذي يقرب منك، ووقع في رواية الكشميهني وأبي زيد المروزي بكسر القاف وبالنون وهو خطأ. وفي رواية ابن وهب عن مالك "على مجلسك إذا قمت في الناس" . قوله (يطيرها) بضم أوله من أطار الشيء إذا أطلقه، وللسرخسي "يطيرها" بفتح أوله أي يحملونها على غير وجهها، ومثله لابن وهب وقال يطيرنها أولئك ولا يعونها، أي لا يعرفون المراد بها. قوله (فتخلص) بضم اللام بعدها مهملة أي تصل. قوله (لأقومن) في رواية مالك "فقال لئن قدمت المدينة صالحا لأكلمن الناس بها" . قوله (أقومه) في رواية الكشميهني والسرخسي "أقوم" بحذف الضمير. قوله (في عقب ذي الحجة) بضم المهملة وسكون القاف وبفتحها وكسر القاف وهو أولى، فإن الأول يقال لما بعد التكملة والثاني لما قرب منها، يقال جاء عقب الشهر بالوجهين، والواقع الثاني لأن قدوم عمر كان قبل أن ينسلخ ذو الحجة في يوم الأربعاء. قوله (عجلت الرواح) في رواية الكشميهني "بالرواح" زاد سفيان عند البزار "وجاءت الجمعة وذكرت ما حدثني عبد الرحمن بن عوف فهجرت إلى المسجد" وفي رواية جويرية عن مالك عند ابن حبان والدار قطني "لما أخبرني" . قوله (حين زاغت الشمس) في رواية مالك "حين كانت صكة عمى) بفتح الصاد وتشديد الكاف وعمى بضم أوله وفتح الميم وتشديد التحتانية وقيل بتشديد الميم وزن حبلى، زاد أحمد عن إسحاق بن عيسى" قلت لمالك ما صكة عمى؟ قال: الأعمى قال لا يبالي أي ساعة حرج لا يعرف الحر من البرد أو نحو هذا "قلت: وهو تفسير معنى. وقال أبو هلال العسكري: المراد به اشتداد الحاجرة، والأصل فيه أنه اسم رجل من العمالقة يقال له عمى غزا قوما في قائم الظهيرة فأوقع بهم فصار مثلا لكل من جاء في ذلك الوقت، وقيل هو رجل من عدوان كان يفيض بالحاج عند الهاجرة فضرب به المثل، وقيل المعنى أن الشخص في هذا الوقت يكون كالأعمى لا يقدر على مباشرة الشمس بعينه، وقيل أصله أن الظبي يدور أي يدوخ من شدة الحر فيصك برأسه ما واجهه، وللدار قطني من طريق سعيد بن داود عن مالك" صكة عمى ساعة من النهار تسميها العرب "وهو نصف النهار أو قريبا منه. قوله (فجلست حوله) في رواية الإسماعيلي" حذوه "وكذا لمالك. وفي رواية إسحاق الغروي عن مالك" حذاءه "وفي رواية معمر (فجلست إلى جنبه تمس ركبتي ركبته" . قوله (فلم أنشب) بنون ومعجمة وموحدة أي لم أتعلق بشيء غير ما كنت فيه والمراد سرعة خروج عمر. قوله (أن خرج) أي من مكانه إلى جهة المنبر. وفي رواية مالك "أن طلع عمر - أي ظهر - يؤم المنبر" أي يقصده. قوله (ليقولن العشية مقالة) أي عمر. قوله (لم يقلها منذ استخلف) في رواية مالك "لم يقلها أحد قط قبله" . قوله (ما عسيت) في رواية الإسماعيلي "ما عسى" . قوله (أن يقول ما لم يقل قبله) زاد سفيان "فغضب سعيد وقال ما عسيت" قيل أراد ابن عباس أن ينبه سعيدا معتمدا على ما أخبره به عبد الرحمن ليكون على يقظة فيلقى باله لما يقوله عمر فلم يقع ذلك من سعيد موقعا بل أنكره، لأنه لم يعلم بما سبق لعمر وعلى بناء أن الأمور استقرت. قوله (لا أدري لعلها بين يدي أجلي) أي بقرب موتي، وهو من الأمور التي جرت على لسان عمر فوقعت كما قال، ووقع في رواية أبي معشر المشار إليها قبل ما يؤخذ منه سبب ذلك وأن عمر قال في خطبته هذه "رأيت رؤياي وما ذاك إلا عند قرب أجلي، رأيت كأن ديكا نقرني" وفي مرسل سعيد بن المسيب في الموطأ "أن عمر لما صدر من الحج دعا الله أن يقبضه إليه غير مضيع ولا مفرط" وقال في آخر القصة "فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر" . قوله (إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق) قال الطيبي: قدم عمر هذا الكلام قبل ما أراد أن يقوله توطئة له ليتيقظ السامع لما يقول. قوله (فكان مما) في رواية الكشميهني "فيما" . قوله (آية الرجم) تقدم القول فيها في الباب الذي قبله، قال الطيبي: آية الرجم بالرفع اسم كان وخبرها من التبعيضية في قوله "مما أنزل الله) ففيه تقديم الخبر على الاسم وهو كثير. قوله (ووعيناها رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية الإسماعيلي" ورجم "بزيادة واو وكذا لمالك. قوله (فأخشى) في رواية معمر" وإني خائف ". قوله (فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله) أي في الآية المذكورة التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها، وقد وقع ما خشيه عمر أيضا فأنكر الرجم طائفة من الخوارج أو معظمهم وبعض المعتزلة، ويحتمل أن يكون استند في ذلك إلى توقيف، وقد أخرج عبد الرزاق والطبري من وجه آخر عن ابن عباس أن عمر قال" سيجيء قوم يكذبون بالرجم "الحديث. ووقع في رواية سعيد بن إبراهيم عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة في حديث عمر عند النسائي" وإن ناسا يقولون ما بال الرجم وإنما في كتاب الله الجلد، ألا قد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم "وفيه إشارة إلى أن عمر استحضر أن ناسا قالوا ذلك فرد عليهم، وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر" إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل لا أجد حدين في كتاب الله، فقد رجم ". قوله (والرجم في كتاب الله حق) أي في قوله تعالى (أو يجعل الله لهن سبيلا) فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد به رجم الثيب وجلد البكر كما تقدم التنبيه عليه في قصة العسيف قريبا. قوله (إذا قامت البينة) أي بشرطها. قوله (إذا أحصن) أي كان بالغا عاقلا قد تزوج حرة تزويجا صحيحا وجامعها. قوله (أو كان الحبل) بفتح المهملة والموحدة، في رواية معمر (الحمل) أي وجدت المرأة الخلية من زوج أو سيد حبلى ولم تذكر شبهة ولا إكراه. قوله (أو الاعتراف) أي الإقرار بالزنا والاستمرار عليه. وفي رواية سفيان" أو كان حملا أو اعترافا "ونصب على نزع الخافض أي كان الزنا عن حمل أو عن اعتراف. قوله (ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله) أي مما نسخت تلاوته. قوله (لا ترغبوا عن آبائكم) أي لا تنتسبوا إلى غيرهم. قوله (فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم، أو إن كفرا بكم) كذا هو بالشك، وكذا في رواية معمر بالشك لكن قال" لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم، أو إن كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم "ووقع في رواية جويرية عن مالك" فإن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم ". قوله (ألا ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية مالك" ألا وإن "بالواو بدل ثم، وألا بالتخفيف حرف افتتاح كلام غير الذي قبله. قوله (لا تطروني) هذا القدر مما سمعه سفيان من الزهري أفرده الحميدي في مسنده عن ابن عيينة سمعت الزهري به، وقد تقدم مفردا في ترجمة عيسى عليه السلام من أحاديث الأنبياء عن الحميدي بسنده هذا وتقدم شرح الإطراء. قوله (كما أطرى عيسى) في رواية سفيان" كما أطرت النصارى عيسى ". قوله (وقولوا عبد الله) في رواية مالك" فإنما أنا عبد الله فقولوا) قال ابن الجوزي: لا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه لأنا لا نعلم أحدا ادعى في نبينا ما ادعته النصارى في عيسى، وإنما سبب النهي فيما يظهر ما وقع في حديث معاذ بن جبل لما استأذن في السجود له فامتنع ونهاه، فكأنه خشي أن يبالغ غيره بما هو فوق ذلك فبادر إلى النهي تأكيدا للأمر. وقال ابن التين: معنى قوله "لا تطروني" لا تمدحوني كمدح النصارى، حتى غلا بعضهم في عيسى فجعله إلها مع الله، وبعضهم ادعى أنه هو الله، وبعضهم ابن الله. ثم أردف النهي بقوله "أنا عبد الله" قال والنكتة في إيراد عمر هذه القصة هنا أنه خشي عليهم الغلو، يعني خشي على من لا قوة له في الفهم أن يظن بشخص استحقاقه الخلافة فيقوم في ذلك مع أن المذكور لا يستحق فيطريه بما ليس فيه فيدخل في النهي، ويحتمل أن تكون المناسبة أن الذي وقع منه في مدح أبي بكر ليس من الإطراء المنهي عنه ومن ثم قال: وليس فيكم مثل أبي بكر، ومناسبة إيراد عمر قصة الرجم والزجر عن الرغبة عن الآباء للقصة التي خطب بسببها وهي قول القائل: "لو مات عمر لبايعت فلانا" أنه أشار بقصة الرجم إلى زجر من يقول لا أعمل في الأحكام الشرعية إلا بما وجدته في القرآن وليس في القرآن تصريح باشتراط التشاور إذا مات الخليفة، بل إنما يؤخذ ذلك من جهة السنة كما أن الرجم ليس فيما يتلى من القرآن وهو مأخوذ من طريق السنة، وأما الزجر عن الرغبة عن الآباء فكأنه أشار إلى أن الخليفة يتنزل للرعية منزلة الأب فلا يجوز لهم أن يرغبوا إلى غيره بل يجب عليهم طاعته بشرطها كما تجب طاعة الأب، هذا الذي ظهر لي من المناسبة والعلم عند الله تعالى. قوله (ألا وإنها) أي بيعة أبي بكر. قوله (قد كانت كذلك) أي فلتة، وصرح بذلك في رواية إسحاق بن عيسى عن مالك، حكى ثعلب عن ابن الأعرابي وأخرجه سيف في الفتوح بسنده عن سالم بن عبد الله بن عمر نحوه قال: الفلتة الليلة التي يشك فيها هل هي من رجب أو شعبان وهل من المحرم أو صفر، كان العرب لا يشهرون السلاح في الأشهر الحرم فكان من له ثأر تربص فإذا جاءت تلك الليلة انتهز الفرصة من قبل أن يتحقق انسلاخ الشهر فيتمكن ممن يريد إيقاع الشر به وهو آمن فيترتب على ذلك الشر الكثير، فشبه عمر الحياة النبوية بالشهر الحرام والفلتة بما وقع من أهل الردة ووقى الله شر ذلك ببيعة أبي بكر لما وقع منه من النهوض في قتالهم وإخماد شوكتهم، كذا قال والأولى أن يقال: الجامع بينهما انتهاز الفرصة، لكن كان ينشأ عن أخذ الثأر الشر الكثير فوقى الله المسلمين شر ذلك فلم ينشأ عن بيعة أبي بكر شر بل أطاعه الناس كلهم من حضر البيعة ومن غاب عنها. وفي قوله "وقى الله شرها" إيماء إلى التحذير من الوقوع في مثل ذلك حيث لا يؤمن من وقوع الشر والاختلاف. قوله (ولكن الله وقى شرها) أي وقاهم ما في العجلة غالبا من الشر، لأن من العادة أن من لم يطلع على الحكمة في الشيء الذي يفعل بغتة لا يرضاه، وقد بين عمر سبب إسراعهم ببيعة أبي بكر لما خشوا أن يبايع، الأنصار سعد بن عبادة، قال أبو عبيدة: عاجلوا ببيعة أبي بكر خيفة انتشار الأمر وأن يتعلق به من لا يستحقه فيقع الشر. وقال الداودي: معنى قوله "كانت فلتة" أنها وقعت من غير مشورة مع جميع من كان ينبغي أن يشاور، وأنكر هذه الكرابيسي صاحب الشافعي وقال: بل المراد أن أبا بكر ومن معه تفلتوا في ذهابهم إلى الأنصار فبايعوا أبا بكر بحضرتهم، وفيهم من لا يعرف ما يجب عليه من بيعته فقال: منا أمير ومنكم أمير، فالمراد بالفلتة ما وقع من مخالفة الأنصار وما أرادوه من مبايعة سعد بن عبادة وقال ابن حبان: معنى قوله "كانت فلتة" أن ابتداءها كان عن غير ملأ كثير، والشيء إذا كان كذلك يقال له الفلتة فيتوقع فيه ما لعله يحدث من الشر بمخالفة من يخالف في ذلك عادة، فكفى الله المسلمين الشر المتوقع في ذلك عادة، لا أن بيعة أبي بكر كان فيها شر. قوله (وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر) قال الخطابي: يريد أن السابق منكم الذي لا يلحق في الفضل لا يصل إلى منزلة أبي بكر، فلا يطمع أحد أن يقع له مثل ما وقع لأبي بكر من المبايعة له أولا في الملأ اليسير ثم اجتماع الناس عليه وعدم اختلافهم عليه لما تحققوا من استحقاقه فلم يحتاجوا في أمره إلى نظر ولا إلى مشاورة أخرى، وليس غيره في ذلك مثله. انتهى ملخصا. وفيه إشارة إلى التحذير من المسارعة إلى مثل ذلك حيث لا يكون هناك مثل أبي بكر لما اجتمع فيه من الصفات المحمودة من قيامه في أمر الله، ولين جانبه للمسلمين، وحسن خلقه، ومعرفته بالسياسة، وورعه التام ممن لا يوجد فيه مثل صفاته لا يؤمن من مبايعته عن غير مشورة الاختلاف الذي ينشأ عنه الشر، وعبر بقوله "تقطع الأعناق" لكون الناظر إلى السابق تمتد عنقه لينظر، فإذا لم يحصل مقصوده من سبق من يريد سبقه قيل انقطعت عنقه، أو لأن المتسابقين تمتد إلى رؤيتهما الأعناق حتى يغيب السابق عن النظر، فعبر عن امتناع نظره بانقطاع عنقه. وقال ابن التين: هو مثل، يقال للفرس الجواد تقطعت أعناق الخيل دون لحاقه، ووقع في رواية أبي معشر المذكورة "ومن أين لنا مثل أبي بكر تمد أعناقنا إليه" . قوله (من غير) في رواية الكشميهني "من غير مشورة" بضم المعجمة وسكون الواو وبسكون المعجمة وفتح الواو "فلا يبايع) بالموحدة، وجاء بالمثناة وهو أولى" لقوله هو والذي "تابعه. قوله (تغرة أن يقتلا) بمثناة مفتوحة وغين معجمة مكسورة وراء ثقيلة بعدها هاء تأنيث أي حذرا من القتل، وهو مصدر من أغررته تغريرا أو تغرة، والمعنى أن من فعل ذلك فقد غرر بنفسه وبصاحبه وعرضهما للقتل. قوله (وإنه قد كان من خبرنا) كذا للأكثر من الخبر بفتح الموحدة، ووقع للمستملي بسكون التحتانية والضمير لأبي بكر، وعلى هذا فيقرأ" إن الأنصار "بالكسر على أنه ابتداء كلام آخر، وعلى رواية الأكثر بفتح همزة" أن "على أنه خبر كان. قوله (خالفونا) أي لم يجتمعوا معنا في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (وخالف عنا علي والزبير ومن معهما) في رواية مالك ومعمر" وأن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذا في رواية سفيان لكن قال "العباس" بدل "الزبير" . قوله (يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا) زاد في رواية جويرية عن مالك "فبينما نحن في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا برجل ينادي من وراء الجدار: اخرج إلي يا ابن الخطاب، فقلت إليك عني فإني مشغول، قال: اخرج إلي فإنه قد حدث أمر، إن الأنصار اجتمعوا فأدركوهم قبل أن يحدثوا أمرا يكون بينكم فيه حرب، فقلت لأبي بكر: انطلق" . قوله (فانطلقنا نريدهم) زاد جويرية "فلقينا أبو عبيدة بن الجراح فأخذ أبو بكر بيده يمشي بيني وبينه" . قوله (لقينا رجلان صالحان) في رواية معمر عن ابن شهاب "شهدا بدرا" كما تقدم في غزوة بدر. وفي رواية ابن إسحاق "رجلا صدق عويم بن ساعدة ومعن بن عدي" كذا أدرج تسميتهما، وبين مالك أنه قول عروة ولفظه "قال ابن شهاب أخبرني عروة أنهما معن بن عدي وعويم بن ساعدة" وفي رواية سفيان "قال الزهري: هما" ولم يذكر عروة، ثم وجدته من رواية صالح بن كيسان رواية في هذا الباب بزيادة، فأخرجه الإسماعيلي من طريقه وقال فيه "قال ابن شهاب وأخبرني عروة الرجلين فسماهما وزاد: فأما عويم فهو الذي بلغنا أنه قيل يا رسول الله من الذين قال الله فيهم (رجال يحبون أن يتطهروا) قال نعم المرء منهم عويم بن ساعدة" وأما معن فبلغنا أن الناس بكوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفاه الله وقالوا وددنا أنا متنا قبله لئلا نفتتن بعده، فقال معن بن عدي: والله ما أحب أن لو مت قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا، واستشهد باليمامة. قوله (ما تمالأ) بفتح اللام والهمز أي اتفق. وفي رواية مالك "الذي صنع القوم أي من اتفاقهم على أن يبايعوا لسعد بن عبادة. قوله (لا عليكم أن لا تقربوهم) لا بعد أن زائدة. قوله (اقضوا أمركم) في رواية سفيان" امهلوا حتى تقضوا أمركم) ويؤخذ من هذا أن الأنصار كلها لم تجتمع على سعد بن عبادة. قوله (مزمل) بزاي وتشديد الميم المفتوحة أي ملفف. قوله (بين ظهرانيهم) بفتح المعجمة والنون أي في وسطهم. قوله (يوعك) بضم أوله وفتح المهملة أي يحصل له الوعك - وهو الحمى بنافض - ولذلك زمل. وفي رواية سفيان، وعك بصيغة الفعل الماضي، وزعم بعض الشراح أن ذلك وقع لسعد من هول ذلك المقام، وفيه نظر لأن سعدا كان من الشجعان والذين كانوا عنده أعوانه وأنصاره وقد اتفقوا على تأميره، وسياق عمر يقتضي أنه جاء فوجده موعوكا، فلو كان ذلك حصل له بعد كلام أبي بكر وعمر لكان له بعض اتجاه لأن مثله قد سكون من الغيظ، وأما قبل ذلك فلا، وقد وقع في رواية الإسماعيلي "قالوا سعد وجع يوعك" وكأن سعدا كان موعوكا فلما اجتمعوا إليه في سقيفة بني ساعدة - وهو منسوبة إليه لأنه كان كبير بني ساعدة خرج إليهم من منزله وهو بتلك الحالة فطرقهم أبو بكر وعمر في تلك الحالة. قوله (تشهد خطيبهم) لم أقف على اسمه، وكان ثابت بن قيس بن شماس يدعى خطيب الأنصار فالذي يظهر أنه هو. قوله (وكتيبة الإسلام) الكتيبة بمثناة ثم موحدة وزن عظيمة وجمعها كتائب هي الجيش المجتمع الذي لا يتقشر، وأطلق عليهم ذلك مبالغة كأنه قال لهم أنتم مجتمع الإسلام. قوله (وأنتم معشر) في رواية الكشميهني "معاشر" . قوله (رهط) أي قليل، وقد تقدم أنه يقال للعشرة فما دونها، زاد ابن وهب في روايته "منا" وكذا لمعمر، وهو يرفع الإشكال فإنه لم يرد حقيقة الرهط وإنما أطلقه عليهم بالنسبة إليهم أي أنتم بالنسبة إلينا قليل، لأن عدد الأنصار في المواطن النبوية التي ضبطت كانوا دائما أكثر من عدد المهاجرين، وهو بناء على أن المراد بالمهاجرين من كان مسلما قبل فتح مكة وهو المعتمد، وإلا فلو أريد عموم من كان من غير الأنصار لكانوا أضعاف أضعاف الأنصار. قوله (وقد دفت دافة من قومكم) بالدال المهملة والفاء أي عدد قليل، وأصله من الدف وهو السير البطيء في جماعة. قوله (يختزلونا) بخاء معجمة وزاي أي يقتطعونا عن الأمر وينفردوا به دوننا. وقال أبو زيد: خزلته عن حاجته عوقته عنها، والمراد هنا بالأصل ما يستحقونه من الأمر. قوله (وأن يحضنونا) بحاء مهملة وضاد معجمة، ووقع في رواية المستملي "أي يخرجونا" قاله أبو عبيد، وهو كما يقال حضنه واحتضنه عن الأمر أخرجه في ناحية عنه واستبد به أو حبسه عنه، ووقع في رواية أبي علي بن السكن "يختصونا" بمثناة قبل الصاد المهملة وتشديدها، ومثله للكشميهني لكن بضم الخاء بغير تاء وهي بمعنى الاقتطاع والاستئصال. وفي رواية سفيان عند البزار "ويختصون بالأمر أو يستأثرون بالأمر دوننا" وفي رواية أبي بكر الحنفي عن مالك عند الدار قطني "ويخطفون" بخاء معجمة ثم طاء مهملة ثم فاء، والروايات كلها متفقة على أن قوله "فإذا هم إلخ" بقية كلام خطيب الأنصار، لكن وقع عند ابن ماجه بعد قوله "وقد دفت دافة من قومكم" : "قال عمر فإذا هم يريدون إلخ" وزيادة قوله هنا "قال عمر" خطأ والصواب أنه كله كلام الأنصار، ويدل له قول عمر "فلما سكت" وعلى ذلك شرحه الخطابي فقال: قوله "رهط" أي أن عددكم قليل بالإضافة للأنصار، وقوله "دفت دافة من قومكم" يريد أنكم قوم طرأة غرباء أقبلتم من مكة إلينا ثم أنتم تريدون أن تستأثروا علينا. قوله (فلما سكت) أي خطيب الأنصار، وحاصل ما تقدم من كلامه أنه أخبر أن طائفة من المهاجرين أرادوا أن يمنعوا الأنصار من أمر تعتقد الأنصار أنهم يستحقونه وإنما عرض بذلك بأبي بكر وعمر ومن حضر معهما. قوله (أردت أن أتكلم وكنت قد زورت) بزاي ثم راء أي هيأت وحسنت. وفي رواية مالك "رويت" براء وواو ثقيلة ثم تحتانية ساكنة من الرواية ضد البديهة، ويؤيده قول عمر بعد "فما ترك كلمة" وفي رواية مالك "ما ترك من كلمة أعجبتني في رويتي إلا قالها في بديهته، وفي حديث عائشة" وكان عمر يقول: والله ما أردت لذلك إلا أني قد هيأت كلاما قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر ". قوله (على رسلك) بكسر الراء وسكون المهملة ويجوز الفتح أي على مهلك بفتحتين وقد تقدم بيانه في الاعتكاف، وفي حديث عائشة الماضي في مناقب أبي بكر" فأسكته أبو بكر ". قوله (أن أغضبه) بغين ثم ضاد معجمتين ثم موحدة. وفي رواية الكشميهني بمهملتين ثم ياء آخر الحروف. قوله (فكان هو أحلم مني وأوقر) في حديث عائشة" فتكلم أبلغ الناس ". قوله (ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل) زاد ابن إسحاق في روايته عن الزهري" إنا والله يا معشر الأنصار ما ننكر فضلكم ولا بلاءكم في الإسلام ولا حقكم الواجب علينا ". قوله (ولن يعرف) بضم أوله على البناء للمجهول. وفي رواية مالك" ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، وكذا في رواية سفيان وفي رواية ابن إسحاق " قد عرفتم أن هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب ليس بها غيرهم وأن العرب لا تجتمع إلا على رجل منهم، فاتقوا الله لا تصدعوا الإسلام ولا تكونوا أول من أحدث في الإسلام ". قوله (هم أوسط العرب) في رواية الكشميهني" هو "بدل" هم "والأول أوجه، وقد بينت في مناقب أبي بكر أن أحمد أخرج من طريق حميد بن عبد الرحمن عن أبي بكر الصديق أنه قال يومئذ" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش "وسقت الكلام على ذلك هناك، وسيأتي القول في حكمه في كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى. قوله (وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين) زاد عمرو بن مرزوق عن مالك عند الدار قطني هنا" فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح "وقد ذكرت في هذا الحديث مفاخره. وتقدم ما يتعلق بذلك في مناقب أبي بكر. قوله (فقال قائل الأنصار) في رواية الكشميهني" من الأنصار "وكذا في رواية مالك وقد سماه سفيان في روايته عند البزار فقال" حباب بن المنذر "لكنه من هذه الطريق مدرج فقد بين مالك في روايته عن الزهري أن الذي سماه سعيد بن المسيب فقال" قال ابن شهاب فأخبرني سعيد بن المسيب أن الحباب بن المنذر هو الذي قال: أنا جذيلها المحكك "وتقدم موصولا في حديث عائشة" فقال أبو بكر: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. فقال الحباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير "وتقدم تفسير الموجب والمحكك هناك، وهكذا سائر ما يتعلق ببيعة أبي بكر المذكورة مشروحا، وزاد إسحاق بن الطباع هناك: فقلت لمالك ما معناه؟ قال: كأنه يقول أنا داهيتها، وهو تفسير معنى، زاد سفيان في روايته هنا (وإلا أعدنا الحرب بيننا وبينكم خدعة، فقلت: إنه لا يصلح سيفان في غمد واحد) ووقع عند معمر أن راوي ذلك قتادة، فقال" قال قتادة قال عمر: لا يصلح سيفان في غمد واحد، ولكن منا الأمراء ومنكم الوزراء "ووقع عند ابن سعد بسند صحيح من مرسل القاسم بن محمد قال" اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة، فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فقام الحباب بن المنذر وكان بدريا فقال: منا أمير ومنكم أمير، فإنا والله ما ننفس عليكم هذا الأمر ولكنا نخاف أن يليها أقوام قتلنا آباءهم وإخوتهم. فقال عمر: إذا كان ذلك فمت إن استطعت "قال الخطابي: الحامل للقائل" منا أمير ومنكم أمير "أن العرب لم تكن تعرف السيادة على قوم إلا لمن يكون منهم، وكأنه لم يكن يبلغه حكم الإمارة في الإسلام واختصاص ذلك بقريش فلما بلغه أمسك عن قوله وبايع هو وقومه أبا بكر. قوله (حتى فرقت) بفتح الفاء وكسر الراء ثم قاف من الفرق بفتحتين وهو الخوف. وفي رواية مالك" حتى خفت "وفي رواية جويرية" حتى أشفقنا الاختلاف "ووقع في رواية ابن إسحاق المذكورة فيما أخرجه الذهلي في" الزهريات "بسند صحيح عنه حدثني عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن عمر قال" قلت يا معشر الأنصار إن أولى الناس بنبي الله ثاني اثنين إذ هما في الغار، ثم أخذت بيده "ووقع في حديث ابن مسعود عند أحمد والنسائي من طريق عاصم عن زر بن حبيش عنه أن عمر قال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يؤم بالناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالوا نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر وسنده حسن، وله شاهد من حديث سالم ابن عبيد الله عن عمر أخرجه النسائي أيضا، وآخر من طريق رافع بن عمرو الطائي أخرجه الإسماعيلي في مسند عمر بلفظ" فأيكم يجترئ أن يتقدم أبا بكر؟ فقالوا لا أينا "وأصله عند أحمد وسنده جيد. وأخرج الترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد قال" قال أبو بكر: ألست أحق الناس بهذا الأمر؟ ألست أول من أسلم؟ ألست صاحب كذا ". قوله (فبايعته وبايعه المهاجرون) فيه رد على قول الداودي فيما نقله ابن التين عنه حيث أطلق أنه لم يكن مع أبي بكر حينئذ من المهاجرين إلا عمر وأبو عبيدة، وكأنه استصحب الحال المنقولة في توجههم، لكن ظهر من قول عمر" وبايعه المهاجرون "بعد قوله" بايعته " أنه حضر معهم جمع من المهاجرين، فكأنهم تلاحقوا بهم لما بلغهم أنهم توجهوا إلى الأنصار، فلما بايع عمر أبا بكر وبايعه من حضر من المهاجرين على ذلك بايعه الأنصار حين قامت الحجة عليهم بما ذكره أبو بكر وغيره. فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد الثالث عشر >> كِتَاب الْأَحْكَامِ >> باب الشَّهَادَةِ تَكُونُ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي وِلَايَتِهِ الْقَضَاءَ أَوْ قَبْلَ ذَلِكَ لِلْخَصْمِ وَقَالَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي وَسَأَلَهُ إِنْسَانٌ الشَّهَادَةَ فَقَالَ ائْتِ الْأَمِيرَ حَتَّى أَشْهَدَ لَكَ وَقَالَ عِكْرِمَةُ قَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ لَوْ رَأَيْتَ رَجُلًا عَلَى حَدٍّ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ وَأَنْتَ أَمِيرٌ فَقَالَ شَهَادَتُكَ شَهَادَةُ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ صَدَقْتَ قَالَ عُمَرُ لَوْلَا أَنْ يَقُولَ النَّاسُ زَادَ عُمَرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكَتَبْتُ آيَةَ الرَّجْمِ بِيَدِي وَأَقَرَّ مَاعِزٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالزِّنَا أَرْبَعًا فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْهَدَ مَنْ حَضَرَهُ وَقَالَ حَمَّادٌ إِذَا أَقَرَّ مَرَّةً عِنْدَ الْحَاكِمِ رُجِمَ وَقَالَ الْحَكَمُ أَرْبَعًا الشرح: قوله (باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء أو قبل ذلك للخصم) أي هل يقضي له على خصمه بعلمه ذلك أو يشهد له عند حاكم آخر؟ هكذا أورد الترجمة مستفهما بغير جزم لقوة الخلاف في المسألة "وإن كان آخر كلامه يقتضي اختيار أن لا يحكم بعلمه فيها" . قوله (وقال شريح القاضي) هو ابن الحارث الماضي ذكره قريبا. قوله (وسأله إنسان الشهادة فقال: ائت الأمير حتى أشهد لك) وصله سفيان الثوري في جامعه عن عبد الله بن شبرمة عن الشعبي قال "أشهد رجل شريحا جاء فخاصم إليه فقال: ائت الأمير وأنا أشهد لك" وأخرجه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن شبرمة قال: قلت للشعبي: يا أبا عمرو أرأيت رجلين استشهدا على شهادة فمات أحدهما واستقضى الآخر، فقال: أتى شريح فيها وأنا جالس فقال: "ائت الأمير وأنا أشهد لك" . قوله (وقال عكرمة قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: لو رأيت رجلا على حد إلخ) وصله الثوري أيضا عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة به، ووقع في الأصل "لو رأيت - بالفتح - وأنت أمير" وفي الجواب فقال "شهادتك" ووقع في الجامع بلفظ "أرأيت - بالفتح - لو رأيت بالضم - رجلا سرق أو زنا، قال: أرى شهادتك" وقال "أصبت" بدل قوله "صدقت" وأخرجه ابن أبي شيبة عن شريك عن عبد الكريم بلفظ: أرأيت لو كنت القاضي أو الوالي وأبصرت إنسانا على حد أكنت تقيمه عليه؟ قال: لا، حتى يشهد معي غيري، قال أصبت لو قلت غير ذلك لم تجد وهو بضم المثناة وكسر الجيم وسكون الدال من الإجادة. قلت: وقد جاء عن أبي بكر الصديق نحو هذا وسأذكره بعد، وهذا السند منقطع بين عكرمة ومن ذكره عنه لأنه لم يدرك عبد الرحمن فضلا عن عمر، وهذا من المواضع التي ينبه عليها من يغتر بتعميم قولهم إن التعليق الجازم صحيح، فيجب تقييد ذلك بأن يزاد إلى من علق عنه ويبقى النظر فيما فوق ذلك. قوله (وقال عمر: لولا أن يقول الناس زاد عمر في "كتاب الله" لكتبت آية الرجم بيدي) هذا طرف من حديث آخر أخرجه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر كما تقدم التنبيه عليه في "باب الاعتراف بالزنا" في شرح حديثه الطويل في قصة الرجم الذي هو طرف من قصة بيعة أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، قال المهلب: استشهد البخاري لقول عبد الرحمن بن عوف المذكور قبله بقول عمر هذا أنه كانت عنده شهادة في آية الرجم أنها من القرآن فلم يلحقها بنص المصحف بشهادته وحده، وأفصح في العلة في ذلك بقوله: لولا أن يقال زاد عمر في "كتاب الله" فأشار إلى أن ذلك من قطع الذرائع لئلا تجد حكام السوء سبيلا إلى أن يدعوا العلم لمن أحبوا له الحكم بشيء. قوله (وأقر ماعز عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا أربعا فأمر برجمه، ولم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أشهد من حضره) هذا طرف من الحديث الذي ذكر قبل بباب، وقد تقدم موصولا من حديث أبي هريرة وحكاية الخلاف على أبي سلمة في اسم صحابيه. قوله (وقال حماد) هو ابن أبي سليمان فقيه الكوفة. قوله (إذا أقر مرة عند الحاكم رجم) وقال الحكم، هو ابن عتيبة بمثناة ثم موحدة مصغر وهو فقيه الكوفة أيضا. قوله (أربعا) أي لا يرجم حتى يصر أربع مرات كما في حديث ماعز، وقد وصله ابن أبي شيبة من طريق شعبة قال " سألت حمادا عن الرجل يقر بالزنا كم يرد؟ قال: مرة. قال: وسألت الحكم فقال: أربع مرات "وقد تقدم البحث في ذلك في شرح قصة ماعز في أبواب الرجم. ثم ذكر حديث أبي قتادة في قصة سلب القتيل الذي قتله في غزوة حنين، وقد تقدم شرحه مستوفى هناك وقوله هنا" قال فأرضه منه "هي رواية الأكثر، وعند الكشمهيني" مني "وقوله" فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأداه إلي "في رواية أبي ذر عن غير الكشميهني" فعلم "بفتح المهملة وكسر اللام بدل" فقام "وكذا لأكثر رواة الفربري، وكذا أخرجه أبو نعيم من رواية الحسن بن سفيان عن قتيبة، وهو المحفوظ في رواية قتيبة هذه، ومن ثم عقبها البخاري بقوله" وقال لي عبيد الله عن الليث: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأداه إلي "ووقع في رواية كريمة" فأمر "بفتح الهمزة والميم بعدها راء، وعبد الله المذكور هو ابن صالح أبو صالح وهو كاتب الليث والبخاري يعتمده في الشواهد، ولو كانت رواية قتيبة بلفظ" فقام "لم يكن لذكر رواية عبد الله بن صالح معنى. قال المهلب: قوله في رواية قتيبة" فعلم النبي صلى الله عليه وسلم "يعني علم أن أبا قتادة هو قاتل القتيل المذكور، قال وهي وهم قال: والصحيح فيه رواية عبد الله بن صالح بلفظ" فقام "قال وقد رد بعض الناس الحجة المذكورة فقال: ليس في إقرار ماعز عند النبي صلى الله عليه وسلم ولا حكمه بالرجم دون أن يشهد من حضره ولا في إعطائه السلب لأبي قتادة حجة للقضاء بالعلم لأن ماعزا إنما كان إقراره عند النبي صلى الله عليه وسلم بحضرة الصحابة، إذ معلوم أنه كان صلى الله عليه وسلم لا يقعد وحده فلم يحتج النبي صلى الله عليه وسلم أن يشهدهم على إقراره لسماعهم منه ذلك، وكذلك قصة أبي قتادة انتهى. وقال ابن المنير: لا حجة في قصة أبي قتادة، لأن معنى قوله" فعلم النبي صلى الله عليه وسلم "علم بإقرار الخصم فحكم عليه، فهي حجة للمذهب، يعني الصائر إلى جواز القضاء بالعلم فيما يقع في مجلس الحكم. وقال غيره: ظاهر أول القصة يخالف آخرها، لأنه شرط البينة بالقتل على استحقاق السلب ثم دفع السلب لأبي قتادة بغير بينة وأجاب الكرماني بأن الخصم اعترف، يعني فقام مقام البينة، وبأن المال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي منه من شاء ويمنع من شاء. قلت: والأول أولى، والبينة لا تنحصر في الشهادة، بل كل ما كشف الحق يسمى بينة. فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد الثالث عشر >> كِتَاب الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ >> باب مَا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَضَّ عَلَى اتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ الحديث: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنْتُ أُقْرِئُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَلَمَّا كَانَ آخِرُ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِمِنًى لَوْ شَهِدْتَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَاهُ رَجُلٌ قَالَ إِنَّ فُلَانًا يَقُولُ لَوْ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَبَايَعْنَا فُلَانًا فَقَالَ عُمَرُ لَأَقُومَنَّ الْعَشِيَّةَ فَأُحَذِّرَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَغْصِبُوهُمْ قُلْتُ لَا تَفْعَلْ فَإِنَّ الْمَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ يَغْلِبُونَ عَلَى مَجْلِسِكَ فَأَخَافُ أَنْ لَا يُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا فَيُطِيرُ بِهَا كُلُّ مُطِيرٍ فَأَمْهِلْ حَتَّى تَقْدَمَ الْمَدِينَةَ دَارَ الْهِجْرَةِ وَدَارَ السُّنَّةِ فَتَخْلُصَ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَيَحْفَظُوا مَقَالَتَكَ وَيُنْزِلُوهَا عَلَى وَجْهِهَا فَقَالَ وَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ بِهِ فِي أَوَّلِ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ فِيمَا أُنْزِلَ آيَةُ الرَّجْمِ الشرح: حديث ابن عباس كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف الحديث في خطبة عمر الذي تقدم بطوله مشروحا في باب رجم الحبلى من" الحدود "وذكر هنا منه طرفا، والغرض منه هنا ما يتعلق بوصف المدينة بدار الهجرة ودار السنة ومأوى المهاجرين والأنصار وقوله فيه" فلما كان آخر حجة حجها عمر فقال عبد الرحمن "جواب لما محذوف، وقد تقدم بيانه وهو" فلما رجع عبد الرحمن من عند عمر لقيني فقال "وقوله فيه" قال ابن عباس "هو موصول بالسند المذكور، وقوله" فقدمنا المدينة فقال إن الله بعث محمدا بالحق "حذف منه قطعة كبيرة بين قوله" فقدمنا المدينة "وبين قوله" قال " إلخ. تقدم بيانها هناك، وفيها قصة مع سعيد بن زيد وخروج عمر يوم الجمعة وخطبته بطولها، وقد أدخل كثير ممن يقول بحجية إجماع أهل المدينة هذه المسألة في مسألة إجماع الصحابة، وذلك حيث يقول: لأنهم شاهدوا التنزيل، وحضروا الوحي وما أشبه ذلك، وهما مسألتان مختلفتان والقول بأن إجماع الصحابة حجة أقوى من القول بأن إجماع أهل المدينة حجة، والراجح أن أهل المدينة ممن بعد الصحابة إذا اتفقوا على شيء كان القول به أقوى من القول بغيره، إلا أن يخالف نصا مرفوعا، كما أنه يرجح بروايتهم لشهرتهم بالتثبت في النقل وترك التدليس، والذي يختص بهذا الباب القول بحجية قول أهل المدينة إذا اتفقوا، وأما ثبوت فضل المدينة وأهلها، وغالب ما ذكر في الباب فليس يقوى في الاستدلال على هذا المطلوب. فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد الثالث عشر >> كِتَاب التَّوْحِيدِ >> باب مَا يَجُوزُ مِنْ تَفْسِيرِ التَّوْرَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ اللَّهِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا الحديث: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْ الْيَهُودِ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لِلْيَهُودِ مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا قَالُوا نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا قَالَ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَجَاءُوا فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ يَا أَعْوَرُ اقْرَأْ فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ قَالَ ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهِ آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ وَلَكِنَّا نُكَاتِمُهُ بَيْنَنَا فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا فَرَأَيْتُهُ يُجَانِئُ عَلَيْهَا الْحِجَارَةَ الشرح: حديث ابن عمر في رجم اليهوديين وقد تقدم شرحه في "كتاب الحدود" و "إسماعيل" في السند هو ابن إبراهيم بن مقسم المعروف بابن علية و "أيوب" هو السختياني، وقوله فيه "فقالوا لرجل ممن يرضون أعور اقرأ" كذا للكشميهني وهو مجرور بالفتحة صفة رجل. وفي رواية غيره "يا أعور" وهو بالرفع وقوله "فوضع يده عليها" أي على آية الرجم، وعند الكشميهني "عليه" أي على الموضع. قوله (قال ارفع يدك) كذا أبهم القائل وتقدم أنه عبد الله بن سلام، والواضع هو عبد الله بن صوريا، وقوله "نتكاتمه" أي الرجم، وعند الكشميهني "نتكاتمها" أي الآية. فتح الباري، شرح صحيح البخاري، الإصدار ٢.٠٥ - للإمام ابن حجر العسقلاني المجلد الثالث عشر >> كِتَاب التَّوْحِيدِ >> باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ قَالَ قَتَادَةُ مَكْتُوبٌ يَسْطُرُونَ يَخُطُّونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ جُمْلَةِ الْكِتَابِ وَأَصْلِهِ مَا يَلْفِظُ مَا يَتَكَلَّمُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُكْتَبُ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ يُحَرِّفُونَ يُزِيلُونَ وَلَيْسَ أَحَدٌ يُزِيلُ لَفْظَ كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَكِنَّهُمْ يُحَرِّفُونَهُ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ دِرَاسَتُهُمْ تِلَاوَتُهُمْ وَاعِيَةٌ حَافِظَةٌ وَتَعِيَهَا تَحْفَظُهَا وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ يَعْنِي أَهْلَ مَكَّةَ وَمَنْ بَلَغَ هَذَا الْقُرْآنُ فَهُوَ لَهُ نَذِيرٌ الشرح: قوله (باب قول الله تعالى بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ) قال البخاري في خلق أفعال العباد بعد أن ذكر هذه الآية والذي بعدها: قد ذكر الله أن القرآن يحفظ ويسطر، والقرآن الموعي في القلوب المسطور في المصاحف المتلو بالألسنة كلام الله ليس بمخلوق، وأما المداد والورق والجلد فإنه مخلوق. قوله (والطور وكتاب مسطور قال قتادة مكتوب) وصله البخاري في خلق أفعال العباد من طريق يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله "والطور وكتاب مسطور" قال المسطور: المكتوب، في رق منشور: هو الكتاب، وصله عبيد بن حميد من رواية شيبان بن عبد الرحمن وعبد الرزاق عن معمر كلاهما عن قتادة نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله "وكتاب مسطور" قال صحف مكتوبة "في رق منشور" قال في صحف. قوله (يسطرون: يخطون) أي يكتبون، أورده عبد بن حميد من طريق شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة في قوله "والقلم وما يسطرون" قال وما يكتبون. قوله (في أم الكتاب جملة الكتاب وأصله) وصله أبو داود في كتاب الناسخ والمنسوخ من طريق معمر عن قتادة في قوله (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) قال جملة الكتاب وأصله، وكذا أخرجه عبد الرزاق في تفسيره عن معمر عن قتادة وعند ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى (وعنده أم الكتاب) يقول جملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ وما يكتب وما يبدل. قوله (ما يلفظ من قول) ما يتكلم من شيء إلا كتب عليه، وصله ابن أبي حاتم من طريق شعيب بن إسحاق عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة والحسن في قوله "ما يلفظ من قول" قال ما يتكلم به من شيء إلا كتب عليه ومن طريق زائدة بن قدامة عن الأعمش عن مجمع قال: الملك مداده ريقه، وقلمه لسانه. قوله (وقال ابن عباس يكتب الخير والشر) وصله الطبري وابن أبي حاتم من طريق هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى "ما يلفظ من قول" قال إنما يكتب الخير والشر. وأخرج أيضا من طريق على بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) قال يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى أنه ليكتب قوله: أكلت شربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر ما كان من خير أو شر وألقى سائره، فذلك قوله (يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) وأخرج الطبري هذا من طرق الكلبي عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب بكسر الراء ثم ياء مهموزة وآخره موحدة، والكلبي متروك وأبو صالح لم يدرك جابرا هذا. وأخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة والحسن "ما يلفظ من قول" ما يتكلم به من شيء إلا كتب عليه وكان عكرمة يقول إنما ذلك في الخير والشر. قلت: ويجمع بينهما برواية على بن أبي طلحة المذكورة. قوله (يحرفون: يزيلون) لم أر هذا موصولا من كلام ابن عباس من وجه ثابت مع أن الذي قبله من كلامه وكذا الذي بعده، وهو قوله "دراستهم: تلاوتهم" وما بعده. وأخرج جميع ذلك ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد تقدم في باب قوله "كل يوم هو في شأن" عن ابن عباس ما يخالف ما ذكر هنا وهو تفسير يحرفون بقوله يزيلون، نعم أخرجه ابن أبي حاتم من طريق وهب بن منبه. وقال أبو عبيدة في كتاب المجاز في قوله يحرفون الكلم عن مواضعه، قال يقلبون ويغيرون. وقال الراغب التحريف الإمالة وتحريف الكلام أن يجعله على حرف من الاحتمال بحيث يمكن حمله على وجهين فأكثر. قوله (وليس أحد يزيل لفظ كتاب الله من كتب الله عز وجل ولكنهم يحرفونه: يتأولونه عن غير تأويله) في رواية الكشميهني "يتأولونه على غير تأويله" قال شيخنا ابن الملقن في شرحه هذا الذي قاله أحد القولين في تفسير هذه الآية وهو مختاره - أي البخاري - وقد صرح كثير من أصحابنا بأن اليهود والنصارى بدلوا التوراة والإنجيل وفرعوا على ذلك جواز امتهان أوراقهما وهو يخالف ما قاله البخاري هنا انتهى، وهو كالصريح في أن قوله "وليس أحد" إلى آخره من كلام البخاري ذيل به تفسير ابن عباس وهو يحتمل أن يكون بقية كلام ابن عباس في تفسير الآية. وقال بعض الشراح المتأخرين اختلف في هذه المسألة على أقوال، أحدها: أنها بدلت كلها وهو مقتضى القول المحكي بجواز الامتهان وهو إفراط، وينبغي حمل إطلاق من أطلقه على الأكثر وإلا فهي مكابرة، والآيات والأخبار كثيرة في أنه بقي منها أشياء كثيرة لم تبدل، من ذلك قوله تعالى (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) الآية، ومن ذلك قصة رجم اليهوديين وفيه وجود آية الرجم، ويؤيده قوله تعالى (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) ثانيها: أن التبديل وقع ولكن في معظمها وأدلته كثيرة وينبغي حمل الأول عليه، ثالثها: وقع في اليسير منها ومعظمها باق على حاله، ونصره الشيخ تقي الدين بن تيمية في كتابه الرد الصحيح على من بدل دين المسيح، رابعها: إنما وقع التبديل والتغيير في المعاني لا في الألفاظ وهو المذكور هنا، وقد سئل ابن تيمية عن هذه المسألة مجردا فأجاب في فتاويه أن للعلماء في ذلك قولين، واحتج للثاني من أوجه كثيرة منها قوله تعالى (لا مبدل لكلماته) وهو معارض بقوله تعالى (فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه) ولا يتعين الجمع بما ذكر من الحمل على اللفظ في النفي وعلى المعنى في الإثبات لجواز الحمل في النفي على الحكم وفي الإثبات على ما هو أعم من اللفظ والمعنى، ومنها أن نسخ التوراة في الشرق والغرب والجنوب والشمال لا يختلف ومن المحال أن يقع التبديل فيتوارد النسخ بذلك على منهاج واحد، وهذا استدلال عجيب لأنه إذا جاز وقوع التبديل جاز إعدام المبدل والنسخ الموجودة الآن هي التي استقر عليها الأمر عندهم عند التبديل والأخبار بذلك طافحة، أما فيما يتعلق بالتوراة فلأن بختنصر لما غزا بيت المقدس وأهلك بني إسرائيل ومزقهم بين قتيل وأسير وأعدم كتبهم حتى جاء عزيزا فأملاها عليهم، وأما فيما يتعلق بالإنجيل فإن الروم لما دخلوا في النصرانية جمع ملكهم أكابرهم على ما في الإنجيل الذي بأيديهم وتحريفهم المعاني لا ينكر بل هو موجود عندهم بكثرة وإنما النزاع هل حرفت الألفاظ أو لا، وقد وجد في الكتابين ما لا يجوز أن يكون بهذه الألفاظ من عند الله عز وجل أصلا، وقد سرد أبو محمد بن حزم في كتابه الفصل في الملل والنحل أشياء كثيرة من هذا الجنس، من ذلك أنه ذكر أن في أول فصل في أول ورقة من توراة اليهود التي عند رهبانهم وقرائهم وعاناتهم وعيسويهم حيث كانوا في المشارق والمغارب لا يختلفون فيها على صفة واحدة لو رام أحد أن يزيد فيها لفظة أو ينقص منها لفظة لافتضح عندهم متفقا عليها عندهم إلى الأحبار الهارونية الذين كانوا قبل الخراب الثاني يذكرون أنها مبلغة من أولئك إلى عزرا الهاروني، وأن الله تعالى قال لما أكل آدم من الشجرة هذا آدم قد صار كواحد منا في معرفة الخير والشر وأن السحرة عملوا لفرعون نظير ما أرسل عليهم من الدم والضفادع وأنهم عجزوا عن البعوض وأن ابنتي لوط بعد هلاك قومه ضاجعت كل منهما أباها بعد أن سقته الخمر فوطئ كلا منهما فحملتا منه إلى غير ذلك من الأمور المنكرة المستبشعة، وذكر في مواضع أخرى أن التبديل وقع فيها إلى أن أعدمت فأملاها عزرا المذكور على ما هي عليه الآن ثم ساق أشياء من نص التوراة التي بأيديهم الآن الكذب فيها ظاهر جدا ثم قال: وبلغنا عن قوم من المسلمين ينكرون أن التوراة والإنجيل اللتين بأيدي اليهود والنصارى محرفان والحامل لهم على ذلك قلة مبالاتهم بنصوص القرآن والسنة وقد اشتملا على أنهم (يحرفون الكلم عن مواضعه) و (يقولون على الله الكذب وهم يعلمون، ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله، ويلبسون الحق بالباطل ويكتمون الحق وهم يعلمون) ، ويقال لهؤلاء المنكرين قد قال الله تعالى في صفة الصحابة (ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه) إلى آخر السورة، وليس بأيدي اليهود والنصارى شيء من هذا ويقال لمن ادعى أن نقلهم نقل متواتر قد اتفقوا على أن لا ذكر لمحمد صلى الله عليه وسلم في الكتابين، فإن صدقتموهم فيما بأيديهم لكونه نقل المتواتر فصدقوهم فيما زعموه أن لا ذكر لمحمد صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، وإلا فلا يجوز تصديق بعض وتكذيب بعض مع مجيئهما مجيئا واحد انتهى كلامه وفيه فوائد. وقال الشيخ بدر الدين الزركشي: اغتر بعض المتأخرين بهذا - يعني بما قال البخاري - فقال إن في تحريف التوراة خلافا هل هو في اللفظ والمعنى أو في المعنى فقط، ومال إلى الثاني ورأى جواز مطالعتها وهو قول باطل، ولا خلاف أنهم حرفوا وبدلوا، والاشتغال بنظرها وكتابتها لا يجوز بالإجماع، وقد غضب صلى الله عليه وسلم حين رأى مع عمر صحيفة فيها شيء من التوراة. وقال: لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي ولولا أنه معصية ما غضب فيه. قلت: إن ثبت الإجماع فلا كلام فيه وقد قيده بالاشتغال بكتابتها ونظرها فإن أراد من يتشاغل بذلك دون غيره فلا يحصل المطلوب لأنه يفهم أنه لو تشاغل بذلك مع تشاغله بغيره جاز وإن أراد مطلق التشاغل فهو محل النظر، وفي وصفه القول المذكور بالبطلان مع ما تقدم نظر أيضا، فقد نسب لوهب بن منبه وهو من أعلم الناس بالتوراة، ونسب أيضا لابن عباس ترجمان القرآن وكان ينبغي له ترك الدفع بالصدر والتشاغل برد أدلة المخالف التي حكيتها، وفي استدلاله على عدم الجواز الذي ادعى الإجماع فيه بقصة عمر نظر أيضا سأذكره بعد تخريج الحديث المذكور، وقد أخرجه أحمد والبزار واللفظ له من حديث جابر قال: نسخ عمر كتابا من التوراة بالعربية فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقرأ ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتغير. فقال له رجل من الأنصار: ويحك يا ابن الخطاب ألا ترى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو