إذا كان من عروض التِّجارة، وهذا تأويل صحيح أيضاً. ويجوز أن يراد: (منعوني عقالاً) أي: منعوني الحبل نفسه، على مذهب من يجوِّز القيمة ويتصوَّر على مذهب الشَّافعيِّ -رحمه اللَّه- على أحد أقواله، فإنَّ للشَّافعيِّ في الواجب في عروض التِّجارة ثلاثة أقوال: أحدها: يتعيَّن أن يأخذ منها عرضاً حبلاً أو غيره كما يأخذ من الماشية من جنسها. والثَّاني: أنَّه لا يأخذ إلاَّ دراهم أو دنانير ربع عشر قيمته كالذَّهب والفضَّة. والثَّالث: يتخيَّر بين العرض والنَّقد، واللَّه أعلم. وحكى الخطَّابيُّ عن بعض أهل العلم: أنَّ العقال يؤخذ مع الفريضة لأنَّ على صاحبها تسليمها، وإنَّما يقع قبضها التَّام برباطها. قال الخطَّابيُّ: قال ابن عائشة: كان من عادة المصدِّق إذا أخذ الصَّدقة أن يعمد إلى قرن، وهو بفتح القاف والرَّاء، وهو حبل فيقرن به بين بعيرين أي: يشدُّه في أعناقهم لئلاَّ تشرد الإبل. وقال أبو عبيد: وقد بعث النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- محمَّد بن مسلمة على الصَّدقة فكان يأخذ مع كلِّ فريضتين عقالهما وقرانهما. وكان عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أيضاً يأخذ مع كلِّ فريضة عقالاً، واللَّه أعلم. قوله: (فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرفتُ أَنَّهُ الْحَقُّ) معنى (رأيت) : علمت وأيقنت، ومعنى شرح: فتح ووَسَّعَ ولَيَّنَ ومعناه: علمت بأنَّه جازم بالقتال لما ألقى الله في قلبه من الطُّمأنينة لذلك واستصوابه ذلك. ومعنى قوله: (عَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ) أي: بما أظهر من الدَّليل وأقامه من الحجَّة، فعرفت بذلك أنَّ ما ذهب إليه هو الحقُّ لا أنَّ عمر قلَّد أبا بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما- فإنَّ المجتهد لا يقلِّد المجتهد، وقد زعمت الرَّافضة أنَّ عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إنَّما وافق أبا بكر تقليداً، وبنوه على مذهبهم الفاسد في وجوب عصمة الأئمَّة، وهذه جهالة ظاهرة منهم، واللَّه أعلم. (ج/ص: ١/ ٢١٠)