يا جبريل نفسي قد نعيت، قال جبريل: {وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك فترضى} [الضحى: ٤ - ٥] فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا ينادي: الصلاة جامعة، فاجتمع المهاجرون، والأنصار إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم خطب خطبة وجلت منها القلوب وبكت منها العيون، ثم قال: أيها الناس أي نبي كنت لكم؟ فقالوا: جزاك الله من نبي خيرا فلقد كنت لنا كالأب الرحيم، وكالأخ الناصح المشفق، أديت رسالات الله وأبلغتنا وحيه، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، فجزاك الله عنا أفضل ما جازى نبيا عن أمته، فقال لهم: معاشر المسلمين أنشدكم بالله، وبحقي عليكم، من كانت له قبلي مظلمة فليقم فليقتص مني، فلم يقم إليه أحد، فناشدهم الله، فلم يقم إليه أحد، فناشدهم الثالثة: معاشر المسلمين! من كانت له من قبلي مظلمة فليقم فليقتص مني قبل القصاص في القيامة فقام من بين المسلمين شيخ كبير يقال له عكاشة، فتخطى المسلمين حتى وقف بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: فداك أبي وأمي، لولا أنك ناشدتنا مرة بعد أخرى ما كنت بالذي أنقلع على شيء منك، كنت معك في غزاة فلما فتح الله علينا فكنا في الانصراف، حاذت ناقتي ناقتك فنزلت عن الناقة ودنوت منك لأقبل فخذك، فرفعت القضيب فضربت خاصرتي، فلا أدري أكان عمدا منك أم أردت ضرب الناقة؟ ف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عكاشة أعيذك بجلال الله أن يتعمدك رسول الله بالضرب. يا بلال انطلق إلى منزل فاطمة وأتني بالقضيب الممشوق، فقالت فاطمة: وما يصنع أبي بالقضيب الممشوق، وليس هذا يوم حج ولا يوم غزاة؟ فقال: يا فاطمة ما أغفلك عما فيه أبوك؟ إن رسول الله يودع الدين ويفارق الدنيا، ويعطي القصاص من نفسه، فقالت فاطمة: يا بلال ومن ذا الذي تطيب نفسه أن يقتص من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يا بلال إذن فقل للحسن والحسين يقومان إلى هذا الرجل فيقتص منهما ولا يدعانه يقتص من رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بلال المسجد، ودفع القضيب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم القضيب إلى عكاشة، فلما نظر أبو بكر وعمر إلى ذلك قاما فقالا: يا عكاشة ها نحن بين يديك، فاقتص منا ولا تقتص من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم امض أبا بكر، وأنت يا عمر فامض، فقد عرف الله عز وجل مكانكما ومقامكما، فقام علي بن أبي طالب فقال: يا عكاشة أنا في الحياة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تطيب نفسي أن تضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ظهري وبطني فاقتص مني بيدك واجلدني مائة، ولا تقتص من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا علي اقعد، فقد عرف الله عز وجل مقامك ونيتك، وقام الحسن والحسين فقالا: يا عكاشة أليس تعلم أنا سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فالقصاص منا كالقصاص من رسول الله، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم اقعدا يا قرة عيني، لا نسي الله لكما هذا المقام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا عكاشة اضرب إن كنت ضاربا، فقال: يا رسول الله ضربتي وأنا حاسر عن بطني، فكشف عن بطنه صلى الله عليه وسلم وصاح المسلمون بالبكاء، وقالوا: ترى عكاشة ضاربا بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلما نظر عكاشة إلى بياض بطن رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه القباطي لم يملك أن أكب عليه فقبل بطنه وهو يقول: فداك أبي وأمي، ومن تطيق نفسه أن يقتص منك؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إما أن تضرب وإما أن تعفو، فقال: قد عفوت عنك رجاء أن يعفو الله عني في القيامة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم من أراد أن ينظر إلى رفيقي في الجنة فلينظر إلى هذا الشيخ، فقام المسلمون، فجعلوا يقبلون ما بين عينيه، ويقولون: طوباك، طوباك نلت الدرجات العلى، ومرافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرض رسول الله من يومه فكان مرضه ثمانية عشر يوما يعوده الناس، وكان صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين، وبعث يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين، فلما كان يوم الأحد ثقل في مرضه، فأذن بلال، ثم وقف بالباب فنادى: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله! فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت بلال فقالت فاطمة: يا بلال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم مشغول بنفسه فدخل بلال المسجد فلما أسفر الصبح قال: والله لا أقيمها أو أستأذن سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج وقام بالباب ونادى: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله الصلاة يرحمك الله! فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت بلال فقال: ادخل يا بلال إن رسول الله مشغول بنفسه مر أبا بكر يصلي بالناس فخرج ويده على أم رأسه يقول: يا غوثاه بالله! وانقطاع رجائي، وانفصام ظهري، ليتني لم تلدني أمي، وإذ ولدتني لم أشهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا اليوم ثم قال يا أبا بكر ألا إن رسول الله أمرك أن تصلي بالناس فتقدم أبو بكر، وكان رجلا رقيقا، فلما نظر إلى [خلو] المكان من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتمالك أن خر مغشيا عليه، وصاح المسلمون بالبكاء، فسمع رسول الله ضجيج الناس، فقال ما هذه الضجة؟ فقالوا: ضجة المسلمين لفقدك يا رسول الله! فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا والعباس، فاتكأ عليهما فخرج إلى المسجد فصلى بالناس ركعتين خفيفتين، ثم أقبل بوجهه المليح عليهم فقال: معشر المسلمين أستودعكم الله، أنتم في رجاء الله وأمانته، والله خليفتي عليكم، معاشر المسلمين عليكم باتقاء الله! وحفظ طاعته من بعدي، فإني مفارق الدنيا هذا أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من الدنيا فلما كان يوم الاثنين اشتد به الأمر، وأوحى الله تعالى إلى ملك الموت أن اهبط إلى حبيبي وصفيي محمد في أحسن صورة، و ارفق به في قبض روحه، فهبط ملك الموت، فوقف بالباب شبه أعرابي، ثم قال: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة أدخل؟ فقالت عائشة لفاطمة أجيبي الرجل، فقالت فاطمة: آجرك الله في ممشاك يا عبد الله، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم مشغول بنفسه، فنادى الثانية فقالت عائشة: يا فاطمة أجيبي الرجل، فقالت فاطمة آجرك الله في ممشاك يا عبد الله إن رسول الله اليوم مشغول بنفسه، ثم دعا الثالثة فقال: السلام عليكم يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة أدخل؟ فلا بد من الدخول! فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت ملك الموت، فقال: يا فاطمة من بالباب؟ فقالت: يا رسول الله إن رجلا بالباب يستأذن في الدخول فأجبناه مرة بعد أخرى فنادى في الثالثة صوتا اقشعر منه جلدي، وارتعدت منه فرائصي، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يا فاطمة أتدرين من بالباب؟ هذا هادم اللذات ومفرق الجماعات، هذا مرمل الأزواج، وموتم الأولاد، هذا مخرب الدور، وعامر القبور، هذا ملك الموت، ادخل يرحمك الله يا ملك الموت جئتني زائرا أم قابضا؟ قال: جئتك زائرا وقابضا، وأمرني الله عز وجل أن لا أدخل عليك إلا بإذنك، ولا أقبض روحك إلا بإذنك، فإن أذنت وإلا رجعت إلى ربي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا ملك الموت أين خلفت حبيبي جبريل؟ فقال: خلفته في السماء الدنيا والملائكة يعزونه فيك، فما كان بأسرع أن أتاه جبريل، فقعد عند رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جبريل! هذا الرحيل من الدنيا فبشرني ما لي عند الله؟ قال: أبشرك يا حبيب الله إني تركت أبواب السماء قد فتحت والملائكة قد قاموا صفوفا بالتحية والريحان يحيون روحك يا محمد، فقال: لوجه ربي الحمد، فبشرني يا جبريل، قال: أبشرك أن أبواب الجنة قد فتحت، وأنهارها قد اطردت وأشجارها قد تدلت، وحورها قد تزينت لقدوم روحك يا محمد. قال: لوجه ربي الحمد! بشرني يا جبريل، قال: أبواب النيران قد أطبقت لقدوم روحك يا محمد، قال: لوجه ربي الحمد! فبشرني يا جبريل، قال: أنت أول شافع وأول مشفع في القيامة، قال لوجه ربي الحمد! فبشرني يا جبريل: يا حبيبي عم تسألني؟ قال: أسألك عن غمي وهمي من لقراء القرآن من بعدي، من الصوام رمضان من بعدي؟ من لحجاج بيت الله الحرام من بعدي؟ من لأمتي المصطفاة من بعدي؟ قال: أبشرك يا حبيب الله فإن الله عز وجل يقول: قد حرمت الجنة على جميع الأنبياء والأمم حتى تدخلها أنت وأمتك يا محمد. قال: الآن طابت نفسي، ادن يا ملك الموت فانته إلى ما أمرت: فقال علي رضي الله عنه إذا أنت قبضت فمن يغسلك وفيم نكفنك؟ ومن يصلي عليك؟ ومن يدخل القبر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا علي أما الغسل فاغسلني أنت، وابن عباس يصب عليك الماء، وجبريل ثالثكما، فإذا أنتم فرغتم من غسلي فكفنوني في ثلاثة أثواب جدد، وجبريل يأتيني بحنوط من الجنة، فإذا أنتم وضعتموني على السرير فضعوني في المسجد، واخرجوا عني فإن أول من يصلي علي الرب عز وجل من فوق عرشه، ثم جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم الملائكة، زمرا زمرا، ثم ادخلوا فقوموا صفوفا صفوفا لا يتقدم علي أحد، فقالت فاطمة: اليوم الفراق، فمتى ألقاك، فقال لها: يا بنية تلقينني يوم القيامة عند الحوض وأنا أسقي من يرد على الحوض من أمتي، قالت: فإن لم ألقك يا رسول الله؟ قال: تلقينني عند الميزان، وأنا أشفع لأمتي، قالت: فإن لم ألقك يا رسول الله؟ قال: تلقينني عند الصراط وأنا أنادي: رب سلم أمتي من النار، فدنا ملك الموت فعالج قبض روح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ إلى الركبتين قال النبي: أواه! فلما بلغ الروح إلى السرة نادى النبي صلى الله عليه وسلم واكرباه! فقالت فاطمة: كربي لكربك يا أبتاه! فلما بلغ الروح إلى الثندوة قال النبي صلى الله عليه وسلم يا جبريل ما أشد مرارة الموت! فولى جبري ل وجهه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جبريل كرهت النظر إلي؟ فقال جبريل: يا حبيبي ومن تطيق نفسه أن ينظر إليك وأنت تعالج سكرات الموت، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسله علي بن أبي طالب وابن عباس يصب الماء، وجبريل عليه السلام معهما، وكفن في ثلاثة أثواب جدد، وحمل على السرير، ثم أدخلوه المسجد وخرج الناس عنه، وأول من صلى عليه الرب من فوق عرشه تعالى وتقدس ثم جبريل، ثم ميكائيل، ثم إسرافيل، ثم الملائكة زمرا زمرا، قال علي رضي الله عنه لقد سمعنا في المسجد همهمة ولم نر لهم شخصا، فسمعنا هاتفا يهتف وهو يقول: ادخلوا رحمكم الله! فصلوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم، فدخلنا فقمنا صفوفا كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبرنا بتكبير جبريل. وصلينا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة جبريل ما تقدم منا أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل القبر علي بن أبي طالب وابن عباس وأبو بكر الصديق، ودفن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف الناس قالت فاطمة: يا أبا الحسن دفنتم رسول الله؟ قال: نعم قالت فاطمة: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا التراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أما كان في صدوركم لرسول الله الرحمة؟ أما كان معلم الخير؟ قال: بلى يا فاطمة، ولكن أمر الله عز وجل الذي لا مرد له، فجعلت تبكي، وتندب وهي تقول: يا أبتاه؟ الآن انقطع عنا جبريل وكان جبريل يأتينا بالوحي من السماء الراوي: جابر بن عبدالله الأنصاري و عبدالله بن عباس المحدث: ابن الجوزي - المصدر: موضوعات ابن الجوزي - الصفحة أو الرقم: ٢/ ٣٠ خلاصة حكم المحدث: موضوع ? - -- ٢٣ - كنت ممن ولد برامهرمز وبها نشأت، وأما أبي فمن أصبهان. وكانت أمي لها غنى، فأسلمتني إلى الكتاب، وكنت أنطلق مع غلمان من أهل قريتنا إلى أن دنا مني فراغ من الكتابة، ولم يكن في الغلمان أكبر مني ولا أطول، وكان ثم جبل فيه كهف في طريقنا، فمررت ذات يوم وحدي، فإذا أنا فيه برجل عليه ثياب شعر، ونعلاه شعر، فأشار إلي، فدنوت منه. فقال: يا غلام! أتعرف عيسى ابن مريم؟ قلت: لا. قال: هو رسول الله. آمن بعيسى وبرسول يأتي من بعده اسمه أحمد، أخرجه الله من غم الدنيا إلى روح الآخرة ونعيمها. قلت: ما نعيم الآخرة؟ قال: نعيم لا يفنى. فرأيت الحلاوة والنور يخرج من شفتيه، فعلقه فؤادي وفارقت أصحابي، وجعلت لا أذهب ولا أجيء إلا وحدي. وكانت أمي ترسلني إلى الكتاب، فأنقطع دونه، فعلمني شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن عيسى رسول الله، ومحمدا بعده رسول الله، والإيمان بالبعث، وعلمني القيام في الصلاة، وكان يقول لي: إذا قمت في الصلاة فاستقبلت القبلة، فاحتوشتك النار، فلا تلتفت، وإن دعتك أمك وأبوك، فلا تلتفت، إلا أن يدعوك رسول من رسل الله، وإن دعاك وأنت في فريضة، فاقطعها، فإنه لا يدعوك إلا بوحي. وأمرني بطول القنوت، وزعم أن عيسى عليه السلام قال: طول القنوت أمان على الصراط، وطول السجود أمان من عذاب القبر، وقال: لا تكذبن مازحا ولا جادا حتى يسلم عليك ملائكة الله، ولا تعصين الله في طمع ولا غضب، لا تحجب عن الجنة طرفة عين. ثم قال لي: إن أدركت محمد بن عبد الله الذي يخرج من جبال تهامة فآمن به، واقرأ عليه السلام مني، فإنه بلغني أن عيسى ابن مريم عليه السلام قال: من سلم على محمد رآه أو لم يره، كان له محمد شافعا ومصافحا. فدخل حلاوة الإنجيل في صدري. قال: فأقام في مقامه حولا، ثم قال: أي بني! إنك قد أحببتني وأحببتك، وإنما قدمت بلادكم هذه: إنه كان لي قريب، فمات، فأحببت أن أكون قريبا من قبره أصلي عليه وأسلم عليه، لما عظم الله علينا في الإنجيل من حق القرابة، يقول الله: من وصل قرابته، وصلني، ومن قطع قرابته، فقد قطعني، وإنه قد بدا لي الشخوص من هذا المكان، فإن كنت تريد صحبتي فأنا طوع يديك. قلت: عظمت حق القرابة وهنا أمي وقرابتي. قال: إن كنت تريد أن تهاجر مهاجر إبراهيم عليه السلام فدع الوالدة والقرابة، ثم قال: إن الله يصلح بينك وبينهم حتى لا تدعو عليك الوالدة. فخرجت معه، فأتينا نصيبين، فاستقبله اثنا عشر من الرهبان يبتدرونه ويبسطون له أرديتهم، وقالوا: مرحبا بسيدنا وواعي كتاب ربنا. فحمد الله، ودمعت عيناه وقال: إن كنتم تعظموني لتعظيم جلال الله، فأبشروا بالنظر إلى الله. ثم قال: إني أريد أن أتعبد في محرابكم هذا شهرا، فاستوصوا بهذا الغلام فإني رأيته رقيقا، سريع الإجابة. فمكث شهرا لا يلتفت إلي ويجتمع الرهبان خلفه يرجون أن ينصرف ولا ينصرف، فقالوا: لو تعرضت له، فقلت: أنتم أعظم عليه حقا مني، قالوا: أنت ضعيف، غريب، ابن سبيل، وهو نازل علينا، فلا تقطع عليه صلاته مخافة أن يرى أنا نستثقله. فعرضت له فارتعد، ثم جثا على ركبتيه، ثم قال: مالك يا بني؟ جائع أنت؟ عطشان أنت؟ مقرور أنت؟ اشتقت إلى أهلك؟ قلت: بل أطعت هؤلاء العلماء. قال: أتدري ما يقول الإنجيل؟ قلت: لا، قال: يقول من أطاع العلماء فاسدا كان أو مصلحا، فمات فهو صديق، وقد بدا لي أن أتوجه إلى بيت المقدس. فجاء العلماء، فقالوا: يا سيدنا امكث يومك تحدثنا وتكلمنا، قال: إن الإنجيل حدثني أنه من هم بخير فلا يؤخره. فقام فجعل العلماء يقبلون كفيه وثيابه، كل ذلك يقول: أوصيكم ألا تحتقروا معصية الله، ولا تعجبوا بحسنة تعملونها. فمشى ما بين نصيبين والأرض المقدسة شهرا يمشي نهاره، ويقوم ليله حتى دخل بيت المقدس، فقام شهرا يصلي الليل والنهار. فاجتمع إليه علماء بيت المقدس، فطلبوا إلي أن أتعرض له. ففعلت. فانصرف إلي، فقال لي كما قال في المرة الأولى. فلما تكلم، اجتمع حوله علماء بيت المقدس، فحالوا بيني وبينه يومهم وليلتهم حتى أصبحوا، فملوا وتفرقوا، فقال لي: أي بني! إني أريد أن أضع رأسي قليلا، فإذا بلغت الشمس قدمي فأيقظني. قال: وبينه وبين الشمس ذراعان. فبلغته الشمس، فرحمته لطول عنائه وتعبه في العبادة، فلما بلغت الشمس سرته استيقظ بحرها. فقال: مالك لم توقظني؟ قلت: رحمتك لطول عنائك. قال: إني لا أحب أن تأتي علي ساعة لا أذكر الله فيها ولا أعبده، أفلا رحمتني من طول الموقف؟ أي بني! إني أريد الشخوص إلى جبل فيه خمسون ومئة رجل أشرهم خير مني. أتصحبني؟ قلت: نعم. فقام فتعلق به أعمى على الباب. فقال: يا أبا الفضل تخرج ولم أصب منك خيرا، فمسح يده على وجهه، فصار بصيرا. فوثب مقعد إلى جنب الأعمى، فتعلق به فقال: من علي من الله عليك بالجنة. فمسح يده عليه. فقام فمضى. يعني الراهب. فقمت أنظر يمينا وشمالا لا أرى أحدا. فدخلت بيت المقدس فإذا أنا برجل في زاوية عليه المسوح، فجلست حتى انصرف. فقلت: يا عبد الله ما اسمك؟ قال: فذكر اسمه، فقلت: أتعرف أبا الفضل؟ قال: نعم، وودت أني لا أموت حتى أراه، أما إنه هو الذي من علي بهذا الدين، فأنا أنتظر نبي الرحمة الذي وصفه لي يخرج من جبال تهامة، يقال له: محمد بن عبد الله، يركب الجمل والحمار والفرس والبغلة، ويكون الحر والمملوك عنده سواء، وتكون الرحمة في قلبه وجوارحه، لو قسمت بين الدنيا كلها لم يكن لها مكان، بين كتفيه كبيضة الحمامة عليها مكتوب باطنها: الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، وظاهرها: توجه حيث شئت فإنك المنصور، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، ليس بحقود ولا حسود، ولا يظلم معاهدا ولا مسلما. فقمت من عنده فقلت: لعلي أقدر على صاحبي، فمشيت غير بعيد، فالتفت يمينا وشمالا لا أرى شيئا. فمر بي أعراب من كلب، فاحتملوني حتى أتوا بي يثرب، فسموني ميسرة. فجعلت أناشدهم، فلا يفقهون كلامي، فاشترتني امرأة يقال لها: خليسة بثلاث مئة درهم. فقالت: ما تحسن؟ قلت: أصلي لربي وأعبده، وأسف الخوص. قالت: ومن ربك؟ قلت: رب محمد. قالت: ويحك! ذاك بمكة، ولكن عليك بهذه النخلة، وصل لربك لا أمنعك، وسف الخوص، واسع على بناتي، فإن ربك يعني إن تناصحه في العبادة يعطك سؤلك. فمكثت عندها ستة عشر شهرا حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فبلغني ذلك وأنا في أقصى المدينة في زمن الخلال. فانتقيت شيئا من الخلال، فجعلته في ثوبي، وأقبلت أسأل عنه، حتى دخلت عليه وهو في منزل أبي أيوب، وقد وقع حب لهم فانكسر، وانصب الماء، فقام أبو أيوب وامرأته يلتقطان الماء بقطيفة لهما لا يكف على النبي صلى الله عليه وسلم فخرج رسول الله فقال: ما تصنع يا أبا أيوب؟ فأخبره. فقال: لك ولزوجتك الجنة. فقلت: هذا والله محمد رسول الرحمة. فسلمت عليه، ثم أخذت الخلال فوضعته بين يديه. فقال: ما هذا يا بني؟ قلت: صدقة. قال: إنا لا نأكل الصدقة. فأخذته وتناولت إزاري