أَنْ أ َقومَ على بُدْنِهِ، وأَن أَقْسِمَ لحومَها وجُلُودَها وجلالهَا على المساكين، ولا أُعْطي في جزارتها شيئاً منْها "متفقٌ عليْهِ. هذا في بدنه صلى الله عليه وآله وسلم التي ساقها في حجة الوداع وكانت مع التي أتى بها علي رضي الله عنه من اليمن مائة بدنة، نحرها صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم يوم النحر بمنى نحر بيده صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ثلاثاً وستين، ونحر بقيتها علي رضي الله عنه وقد تقدم في كتاب الحج. والبدن: تطلق لغة على الإبل والبقر والغنم إلا أنها هنا للإبل، وهكذا استعمالها في أحاديث، وفي كتب الفقه في الإبل خاصة. ودل على أنه يتصدق بالجلود والجلال كما يتصدق باللحم، وأنه لا يعطي الجزار منها شيئاً أجرة، لأن ذلك في حكم البيع لاستحقاقه الأجرة، وحكم الأضحية حكم الهدي في أنه لا يباع لحمها ولا جلدها ولا يعطى الجزار منها شيئاً. قال في نهاية المجتهد: العلماء متفقون فيما علمت أنه لا يجوز بيع لحمها واختلفوا في جلدها وشعرها مما ينتفع به، فقال الجمهور: لا يجوز وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه بغير الدنانير والدراهم يعني بالعروض، وقال عطاء: يجوز بكل شيء دراهم وغيرها، وإنما فرّق أبو حنيفة بين الدراهم وغيرها لأنه رأى أن المعاوضة في العروض هي من باب الانتفاع لإجماعهم على أنه يجوز الانتفاع به. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عَنْهما قالَ:" نحرْنا معَ رسولِ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم عامَ الحديبيةِ البَدَنَةَ عن سبعة والبقرَةَ عنْ سبْعةٍ "رواهُ مُسلمٌ. دل الحديث على جواز الاشتراك في البدنة والبقرة وأنهما يجزيان عن سبعة، وهذا في الهدي، ويقاس عليه الأضحية، بل قد ورد فيها نص، فأخرج الترمذي والنسائي من حديث ابن عباس قال:" كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السفر فحضر الأضحى فاشتركنا في البقرة سبعة وفي البعير عشرة "وقد صح اشتراك أهل بيت واحد في ضحية واحدة كما في حديث مخنف. وإلى هذا ذهب زيد بن علي وحفيده أحمد بن عيسى والفريقان. قال النووي: سواء كانوا مجتمعين أو متفرقين مفترضين أو متطوّعين، أو بعضهم متقرّباً وبعضهم طالب لحم، وبه قال أحمد، وذهب مالك: إلى أنه لا يجوز الاشتراك في الهدي إلا في هدي التطوّع، وهدي الإحصار عندي من هدي التطوّع. واشترطت الهادوية في الاشتراك اتفاق الغرض قالوا، ولا يصح مع الاختلاف لأن الهدي شيء واحد فلا يتبعض، بأن يكون بعضه واجباً وبعضه غير واجب، وقالوا إنها تجزيء البدنة عن عشرة لما سلف من حديث ابن عباس، وقاسوا الهدي على الأضحية. وأجيب: بأنه لا قياس مع النص. وادّعى ابن رشد الإجماع على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك أكثر من سبعة قال: وإن كان روي من حديث رافع بن خديج:" أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عدل البعير بعشر شياه "أخرجه في الصحيحين، ومن طريق ابن عباس وغيره" البدنة عن عشر" قال الطحاوي: وإجماعهم دليل على أن الآثار في ذلك غير صحيحة ا هـ. ولا يخفى أنه لا إجماع مع خلاف من ذكرنا وكأنه لم يطلع عليه. واختلفوا في الشاة، فقال الهادوية: تجزيء عن ثلاثة في الأضحية قالوا: وذلك لما تقدم من تضحية النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالكبش عن محمد وآل محمد قالوا: وظاهر الحديث أنها تجزئ عن أكثر لكن الإجماع قصر الإجزاء على الثلاثة. قلت: وهذا الإجماع الذي ادعوه يباين ما قاله في نهاية المجتهد فإنه قال: إنه وقع الإجماع على أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد. والحق أنها تجزئ الشاة عن الرجل وعن أهل بيته لفعله صلى الله عليه وآله وسلم ولما أخرجه مالك في الموطأ من حديث أبي أيوب الأنصاري قال: "كنا نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته ثم تباهى الناس بعد" . (فائدة) : من السنة لمن أراد أن يضحي أن لا يأخذ من شعره ولا من أظفاره إذا دخل شهر ذي الحجة لما أخرجه مسلم من أربع طرق من حديث أم سلمة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئاً" . وأخرج البيهقي من حديث عمرو بن العاص أنه صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم قال لرجل سأله عن الضحية وأنه قد لا يجدها فقال: "قلم أظافرك، وقص شاربك، واحلق عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله عزّ وجلّ وهذا فيه شرعية هذه الأفعال في يوم التضحية وإن لم يترك من أول شهر الحجة. وذهب أحمد وإسحق: أنه يحرم للنهي، وإليه ذهب ابن حزم، وقال من لم يحرمه: قد قامت القرينة على أن النهي ليس للتحريم وهو ما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث عائشة قالت: "أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بيدي ثم قلدها رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم بيده ثم بعث بها مع أبي فلم يحرم على رسول الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم شيء مما أحله الله حتى نحر الهدي" . قال الشافعي: فيه دلالة على أنه لا يحرم على المرء شيء يبعثه بهديه، والبعث بالهدي أكثر من إرادة التضحية. قلت: هذا قياس منه والنص قد خص من يريد التضحية بما ذكر. (فائدة أخرى) : يستحب للمضحي أن يتصدق وأن يأكل، واستحب كثير من العلماء أن يقسمها أثلاثاً، ثلثاً للادخار وثلثاً للصدقة وثلثاً للأكل لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "كلوا وتصدّقوا وادّخروا" أخرجه الترمذي بلفظ "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث ليتسع ذو الطول على من لا طول له فكلوا ما بدا لكم وتصدّقوا وادخروا" ولعل الظاهرية توجب التجزئة. وقال عبد الوهاب: أوجب قوم الأكل وليس بواجب في المذهب. الفقه على المذاهب الأربعة. الإصدار ١.٢٨ - لعبد الرحمن الجزيري الجزء الأول >> مباحث الأضحية >> مبحث مندوبات الأضحية ومكروهاتها وأما مندوباتها ومكروهاتها فهي مفصلة في المذاهب، فانظرها تحت الخط (١) (١) المالكية قالوا: يندب إبراز الضحية للمصلي، ويكره عدم ذلك للإمام فقط، ويندب أن يكون الصنف الذي يضحى منه جيداً من أعلى النعم وأكمله، وأن يكون من مال طيب، وأن تكون سالمة من العيوب التي تصح بها، فيندب أن تكون غير خرقاء. وهي التي في أذنها خرق مستدير، وأن تكون غير شرقاء، وهي مشقوقة الأذن، أو مقابلة، وهي مقطوعة الأذن من جهة وجهها، أو مدارة، وهي مقطوعة الأذن من خلفها؛ وندب أن يكون سميناً، وأن يكلف ليسمن على الراجح، وندب أن يكون ذكراً ذا قرنين أبيض، وندب أن يكون فحلاً إن لم يكن المخصي أسمن؛ وندب أن يكون ضأناً، ثم معزاً، إلى آخر التفصيل المتقدم ويندب لمن يريد التضحية أن يترك الحلق وقلم الظفر في عشر ذي الحجة إلى أن يضحي، ويندب أن يذبح الأضحية بيده، ويندب للوارث أن ينفذ أضحية مورثه إن عينها قبل موته ما لم تكن نذراً، وإلا وجب تنفيذ الوصية، ويندب أن يجمع بين الأكل منها والتصدق والإهداء بدون تحديد معين، بل يفعل في ذلك كما يجب؛ ويسن ذح أو نحر ولد خرج من الضحية قبل دبحها أو نحرها حيا حياة غير مستمرة، ويؤكل إن تم خلقه، ونبت شعره، أما إن خرج منها عقب ذبحها حيا حياة مستمرة، فإن ذبحه أو نحره واجب؛ ويكره جز صوفها قبل الذبح بشرطين: الأول: أن لا ينوي جزه عند شرائها، فإن نوى جزه ليتصرف فيه التصرف المباح جاز بلا كراهة،