العلَّة في قوله: (أَمَّا السِّنَّ: فَعَظْمٌ) أي: نهيتكم عنه لكونه عظماً، فهذا تصريح بأنَّ العلة كونه عظماً، فكلُّ ما صدق عليه اسم العظم لا تجوز الذَّكاة به. وقد قال الشَّافعيُّ وأصحابه بهذا الحديث في كلَّ ما تضمَّنه على ما شرحته، وبهذا قال النَّخعيُّ، والحسن بن صالح، واللَّيث، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وفقهاء الحديث، وجمهور العلماء. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز بالسِّنِّ والعظم المتَّصلين، ويجوز بالمنفصلين. وعن مالك روايات أشهرها: جوازه بالعظم دون السِّنِّ كيف كانا. والثَّانية: كمذهب الجمهور. والثَّالثة: كأبي حنيفة. والرَّابعة: حكاها عنه ابن المنذر: يجوز بكلِّ شيءٍ حتَّى بالسِّنِّ والظُّفر. وعن ابن جريج: جواز الذَّكاة بعظم الحمار دون القرد، وهذا مع ما قبله باطلان منابذان للسُّنَّة. قال الشَّافعي وأصحابه وموافقوهم: لا تحصل الذَّكاة إلاَّ بقطع الحلقوم والمريء بكمالهما، ويستحبُّ قطع الودجين، ولا يشترط، وهذا أصحُّ الرِّوايتين عن أحمد. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنَّه إذا قطع الحلقوم، والمريء، والودجين، وأسال الدَّم حصلت الذَّكاة، قال: واختلفوا في قطع بعض هذا: فقال الشَّافعي: يشترط قطع الحلقوم، والمريء، ويستحبُّ الودجان. وقال اللَّيث، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر: يشترط الجميع. وقال أبو حنيفة: إذا قطع ثلاثة من هذه الأربعة أجزأه. وقال مالك: يجب قطع الحلقوم، والودجين، ولا يشترط المريء، وهذه رواية عن اللَّيث أيضاً. وعن مالك رواية: أنَّه يكفي قطع الودجين، وعنه: اشتراط قطع الأربعة، كما قال اللَّيث وأبو ثور. وعن أبي يوسف ثلاث روايات: إحداها: كأبي حنيفة. والثَّانية: إن قطع الحلقوم واثنين من الثَّلاثة الباقية حلَّت وإلاَّ فلا. والثَّالثة: يشترط قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين. وقال محمَّد بن الحسن: إن قطع من كلِّ واحد من الأربعة أكثره حلَّ وإلاَّ فلا، واللهُ أعلم. قال بعض العلماء: وفي قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَا أَنْهَرَ الدَّمُ فَكُلْ) دليل على جواز ذبح المنحور، ونحر المذبوح، وقد جوَّزه العلماء كافَّة إلاَّ داود، فمنعهما، وكرهه مالك كراهة تنزيه. وفي رواية: كراهة تحريم. وفي رواية عنه: إباحة ذبح المنحور دون نحر المذبوح. وأجمعوا أنَّ السُّنَّة في الإبل: النَّحر، وفي الغنم: الذَّبح، والبقر كالغنم عندنا، وعند الجمهور. وقيل: يتخيَّر بين ذبحها ونحرها. قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ) معناه: فلا تذبحوا به، فإنَّه يتنجَّس بالدَّم، وقد نهيتم عن الاستنجاء بالعظام، لئلاَّ تتنجَّس لكونها زاد إخوانكم من الجنِّ. (ج/ص: ١٣/ ١٢٥)