الله عز وجل {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا، إنه هو السميع البصير} ، قال: فأخبرهم فقال: فبينا أنا نائم عشاء في المسجد الحرام، إذ أتاني آت فأيقظني، فاستيقظت، فلم أر شيئا،، وإذا أنا بكهيئة خيال، فأتبعته بصري حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابة أدنى في شبهه بدوابكم هذه، بغالكم هذه، مضطرب الأذنين، يقال له: البراق. وكانت الأنبياء تركبه قبلي، يقع حافره عند مد بصره، فركبته، فبينما أنا أسير عليه، إذ دعاني داع عن يميني: يا محمد، انظرني أسألك، يا محمد، انظرني أسألك. فلم أجبه ولم أقم عليه، فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يساري: يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه ولم أقم عليه فبينما أنا أسير إذ أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها، وعليها من كل زينة خلقها الله، فقالت: يا محمد، انظرني أسألك. فلم ألتفت إليها ولم أقم عليها، حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء توثقها بها. فأتاني جبريل عليه السلام بإناءين: أحدهما خمر، والآخر لبن، فشربت اللبن، وتركت الخمر، فقال جبريل: أصبت الفطرة. فقلت: الله أكبر، الله أكبر. فقال جبريل: ما رأيت في وجهك هذا؟ قال: فقلت: بينما أنا أسير، إذ دعاني داع عن يميني: يا محمد، انظرني أسألك. فلم أجبه ولم أقم عليه. قال: ذاك داعي اليهود، أما إنك لو أجبته أو وقفت عليه لتهودت أمتك. قال: فبينما أنا أسير، إذ دعاني داع عن يساري قال: يا محمد، انظرني أسألك. فلم ألتفت إليه ولم أقم عليه. قال: ذاك داعي النصارى، أما إنك لو أجبته لتنصرت أمتك. قال: فبينما أنا أسير إذ أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها، عليها من كل زينة خلقها الله تعالى تقول: يا محمد، انظرني أسألك. فلم أجبها ولم أقم عليها: قال: تلك الدنيا أما إنك لو أجبتها أو أقمت عليها، لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة. قال: ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلى كل واحد منا ركعتين. ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، فلم ير الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحا إلى السماء، فإنما يشق بصره طامحا إلى السماء عجبه بالمعراج. قال: فصعدت أنا وجبريل، فإذا أنا بملك يقال له: إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف، مع كل ملك جنده مائة ألف ملك قال: وقال الله: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} فاستفتح جبريل باب السماء، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: أو قد بعث إليه؟ قال: نعم. فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله تعالى على صورته، تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: روح طيبة، ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار، فيقول: روح خبيثة ونفس خبيثة، اجعلوها في سجين. ثم مضيت هنية، فإذا أنا بأخونة عليها لحم مشرح، ليس يقربها أحد، وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح وأنتن، عندها أناس يأكلون منها، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك، يتركون الحلال ويأتون الحرام. قال: ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم خر يقول: اللهم، لا تقم الساعة قال: وهم على سابلة آل فرعون، قال: فتجيء السابلة فتطؤهم، قال: فسمعتهم يضجون إلى الله عز وجل، قال: قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس} قال: ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل قال: فتفتح على أفواههم ويلقمون من ذلك الجمر، ثم يخرج من أسافلهم. فسمعتهم يضجون إلى الله عز وجل فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء من أمتك {الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} قال: ثم مضيت هنية فإذا أنا بنساء يعلقن بثديهن، فسمعتهن يضججن إلى الله عز وجل قلت: يا جبريل، من هؤلاء النساء، قال: هؤلاء الزناة من أمتك. قال: ثم مضيت هنية فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم، فيلقمونه، فيقال له: كل كما كنت تأكل من لحم أخيك. قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون. قال: ثم صعدنا إلى السماء الثانية، فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله عز وجل، قد فضل الناس في الحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي ثم صعدت إلى السماء الثالثة: فإذا أنا بيحيى وعيسى عليهما السلام، ومعهما نفر من قومهما، فسلمت عليهما وسلما علي. ثم صعدت إلى السماء الرابعة، فإذا أنا بإدريس قد رفعه الله مكانا عليا، فسلمت عليه وسلم علي. قال: ثم صعدت إلى السماء الخامسة فإذا بهارون، ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد لحيته تصيب سرته من طولها، قلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا المحبب في قومه، هذا هارون بن عمران ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي. ثم صعدت إلى السماء السادسة، فإذا بموسى بن عمران، رجل آدم كثير الشعر، لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دون القميص، فإذا هو يقول: يزعم الناس أني أكرم على الله من هذا، بل هذا أكرم على الله تعالى مني، قال: قلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا أخوك موسى بن عمران عليه السلام، ومعه نفر من قومه. فسلمت عليه وسلم علي. ثم صعدت إلى السماء السابعة، فإذا أنا بأبينا إبراهيم خليل الرحمن ساند ظهره إلى البيت المعمور كأحسن الرجال، قلت: يا جبريل، من هذا؟ قال: هذا أبوك خليل الرحمن ومعه نفر من قومه، فسلمت عليه وسلم علي، وإذا أنا بأمتي شطرين، شطر عليهم ثياب بيض كأنهم القراطيس، وشطر عليهم ثياب رمد قال: فدخلت البيت المعمور، ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض، وحجب الآخرون الذين عليهم ثياب رمد، وهم على خير فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور، ثم خرجت أنا ومن معي قال: والبيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون فيه إلى يوم القيامة. قال: ثم دفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا كل ورقة منها تكاد أن تغطي هذه الأمة، وإذا فيها عين تجري يقال لها: سلسبيل، فينشق منها نهران، أحدهما: الكوثر، والآخر يقال له: نهر الرحمة. فاغتسلت فيه، فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر ثم إني دفعت إلى الجنة، فاستقبلتني جارية، فقلت: لمن أنت يا جارية؟ فقالت: لزيد بن حارثة، وإذا أنا بأنهار من {ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى} وإذا رمانها كأنه الدلاء عظما، وإذا أنا بطيرها كأنها بختيكم هذه فقال عندها صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قد أعد لعباده الصالحين مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. قال: ثم عرضت علي النار، فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته، لو طرح فيها الحجارة والحديد لأكلتها، ثم أغلقت دوني. ثم إني دفعت إلى سدرة المنتهى، فتغشاني فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى قال: ونزل على كل ورقة ملك من الملائكة - قال: وفرضت علي خمسون. وقال: لك بكل حسنة عشر، إذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتبت لك حسنة، فإذا عملتها كتبت لك عشرا، وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء، فإن عملتها كتبت عليك سيئة واحدة ثم دفعت إلى موسى فقال: بم أمرك ربك؟ قلت: بخمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، ومتى لا تطيقه تكفر. فرجعت إلى ربي فقلت: يا رب خفف عن أمتي، فإنها أضعف الأمم، فوضع عني عشرا، وجعلها أربعين. فما زلت أختلف بين موسى وربي، كلما أتيت عليه قال لي مثل مقالته، حتى رجعت إليه فقال لي: بم أمرت؟ فقلت: أمرت بعشر صلوات، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت إلى ربي فقلت: أي رب، خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم، فوضع عني خمسا، وجعلها خمسا. فناداني ملك عندها: تممت فريضتي، وخففت عن عبادي، وأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها. ثم رجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ فقلت: بخمس صلوات. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإنه لا يؤوده شيء، فاسأله التخفيف لأمتك فقلت: رجعت إلى ربي حتى استحييته. ثم أصبح بمكة يخبرهم بالأعاجيب: إني أتيت البارحة بيت المقدس، وعرج بي إلى السماء، ورأيت كذا وكذا. فقال أبو جهل يعني ابن هشام: ألا تعجبون مما يقول محمد؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس، ثم أصبح فينا. وأحدنا يضرب مطيته مصعدة شهرا ومقفلة شهرا، فهذا مسيرة شهرين في ليلة واحدة، قال: فأخبرهم بعير لقريش: لما كنت في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا، وأنها نفرت، فلما رجعت رأيتها عند العقبة. وأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا وكذا، ومتاعه كذا وكذا. فقال أبو جهل: يخبرنا بأشياء. فقال رجل من المشركين أنا أعلم الناس ببيت المقدس، وكيف بناؤه؟ وكيف هيئته؟ وكيف قربه من الجبل؟ فإن يك محمد صادقا فسأخبركم، وإن يك كاذبا فسأخبركم، فجاء ذلك المشرك فقال: يا محمد، أنا أعلم الناس ببيت المقدس، فأخبرني: كيف بناؤه وكيف هيئته وكيف قربه من الجبل قال: فرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس من مقعده، فنظر إليه كنظر أحدنا إلى بيته: بناؤه كذا وكذا، وهيئته كذا وكذا، وقربه من الجبل كذا وكذا. فقال الآخر: صدقت. فرجع إلى أصحابه فقال: صدق محمد فيما قال أو نحو هذا الكلام الراوي: أبو سعيد الخدري المحدث: ابن كثير - المصدر: تفسير القرآن - الصفحة أو الرقم: ٥/ ٢٠ خلاصة حكم المحدث: [فيه] أبو هارون العبدي مضعف عند الأئمة ? - -- ١١ - خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة قبل وفاته، وهي آخر خطبة خطبها بالمدينة حتى لحق بالله، فوعظنا فيها موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، وتقشعرت منها الجلود، وتقلقلت منها الأحشاء، أمر بلالا فنادى الصلاة جامعة قبل أن يتكلم، فاجتمع الناس إليه، فارتقى المنبر ف قال: باأيها الناس، ادنوا وأوسعوا لمن خلفكم - ثلاث مرات - فدنا الناس، وانضم بعضهم إلى بعض، والتفتوا فلم يروا أحدا، ثم قال: ادنوا وأوسعوا لمن خلفكم فدنا الناس وانضم بعضهم لبعض، والتفتوا فلم يروا أحدا، ثم قال: ادنوا وأوسعوا لمن خلفكم، فدنوا وانضم بعضهم إلى بعض، والتفتوا فلم يروا أحدا، فقام رجل، فقال: لمن نوسع للملائكة؟! قال: لا، إنهم إذا كانوا معكم لم يكونوا بين أيديكم، ولا خلفكم، ولكن عن يمينكم وشمائلكم، فقال: ولم لا يكونون بين أيدينا، ولا خلفنا؟ أهم أفضل منا؟ قال: بل أنتم أفضل من الملائكة، اجلس فجلس، ثم خطب، فقال: الحمد لله أحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له أيها الناس: إنه كائن في هذه الأمة ثلاثون كذابا أولهم صاحب اليمامة، وصاحب صنعاء أيها الناس: إنه من لقي الله وهو يشهد أن لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة فقام علي بن أبي طالب فقال: بأبي وأمي يا رسول الله، كيف يخلص بها لا يخلط معها غيرها، بين لنا حتى نعرفه؟ فقال: حرصا على الدنيا وجمعا لها من غير حلها، ورضا بها، وأقوام يقولون أقاويل الأخيار، ويعلمون عمل الفجار، فمن لقي الله وليس فيه شيء من هذه الخصال بقوله: لا إله إلا الله دخل الجنة، ومن اختار الدنيا على الآخرة فله النار، ومن تولى خصومة قوم ظلمة أو أعانهم عليها نزل به ملك الموت يبشره بلعنة ونار خالدا فيها وبئس المصير، ومن خف لسلطان جائر في حاجة فهو قرينه في النار، ومن دل سلطانا على جور قرن مع هامان في النار، وكان هو وذلك السلطان من أشد الناس عذابا ومن عظم صاحب دنيا ومدحه طمعا في دنياه سخط الله عليه، وكان في درجة قارون في أسفل جهنم، ومن بنى بناء رياء وسمعة حمله يوم القيامة مع سبع أرضين يطوقه نارا يوقده في عنقه، ثم يرمي به النار فقيل: وكيف يبني بناء رياء وسمعة؟ فقال: يبني فضلا عما يكفيه ويبنيه مباهاة، ومن ظلم أجيرا أجرة حبط عمله، وحرم عليه ريح الجنة، وريحها يوجد من مسيرة خمسمئة عام، ومن خان جاره شبرا من الأرض طوقه يوم