الشَّافعيُّ: التَّصرية أن يربط أخلاف النَّاقة أو الشَّاة ويترك حلبها اليومين والثَّلاثة حتَّى يجمع لبنها فيزيد مشتريها في ثمنها بسبب ذلك لظنِّه أنَّه عادة لها. وقال أبو عبيد: هو من صرَّى اللَّبن في ضرعها أي: حقنه فيه وأصل التَّصرية حبس الماء. قال أبو عبيد: ولو كانت من الرَّبط لكانت مصرورة أو مصرَّرة. قال الخطَّابيُّ: وقول أبي عبيد حسن، وقول الشَّافعيّ صحيح. (ج/ص: ١٠/ ١٦٢) قال: والعرب تصرّ ضروع المحلوبات، واستدلَّ لصحَّة قول الشَّافعيّ بقول العرب: لا يحسن الكرّ، إنَّما يحسن الحلب والصَّرّ. وبقول مالك بن نويرة: فقلت لقومي: هذه صدقاتكم * مصرَّرة أخلافها لم تجرَّد قال: ويحتمل أن أصل المصرَّاة مصرورة أبدلت إحدى الرَّاءين ألفاً كقوله تعالى: {خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: ١٠] أي: دسَّسها، كرهوا اجتماع ثلاثة أحرف من جنس. واعلم أنَّ التَّصرية حرام، سواء تصرية النَّاقة والبقرة والشَّاة والجارية والفرس والأتان وغيرها لأنَّه غشّ وخداع، وبيعها صحيح مع أنَّه حرام، وللمشتري الخيار في إمساكها وردّها وسنوضحه في الباب الآتي إن شاء اللَّه. وفيه دليل على تحريم التَّدليس في كلِّ شيء وأنَّ البيع من ذلك ينعقد، وأنَّ التَّدليس بالفعل حرام كالتَّدليس بالقول. تحفة الأحوذي، الإصدار ١.٠٩ - للمباركفوري ١٢٢٠ ـ حدثنا نَصْر بنُ عَلِيَ و أحْمَدُ بنُ مَنيعٍ قالاَ: حدّثنَا سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ عنْ أبي الزّبَيْرِ، عنْ جَابِرٍ قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ. دَعُوا النّاسَ، يَرْزُقُ الله بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض" . قال أبو عيسى حدِيثُ أبي هُرَيْرَةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وحدِيثُ جَابِرٍ في هذا، هُوَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ أيْضاً. وَالعَمَلُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ مِنْ أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغَيْرِهِمْ. كرِهُوا أنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَرَخّصَ بَعْضُهُمْ في أنْ يَشْتَرِي حَاضِرٌ لِبَادٍ. وقالَ الشّافِعِيّ: يُكْرَهُ أنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإنْ بَاعَ فالْبَيْعُ جَائِزٌ. قوله: (لا يبيع حاضر لباد) الحاضر ساكن الحضر والبادي ساكن البادية: قال في القاموس: الحضر والحاضرة والحضارة وتفتح خلاف البادية والحضارة الإقامة في الحضر. ثم قال والحاضر خلاف البادي وقال في البدو والبادية والباداة والبداوة خلاف الحضر، وتبدى أقام بها وتبادى تشبه بأهلها. والنسبة بداوي وبدوي وبدا القوم خرجوا إلى البادية. انتهى. قال النووي: هذه الأحاديث تتضمن تحريم بيع الحاضر للبادي، وبه قال الشافعي والأكثرون قال أصحابنا: والمراد به أن يقدم غريب من البادية أو من بلد آخر بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه فيقول له البلدي اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى. قال أصحابنا وإنما يحرم بهذه الشروط، وبشرط أن يكون عالماً بالنهي. فلو لم يعلم النهي وكان المتاع مما لا يحتاج في البلد أو لا يؤثر فيه لقلة ذلك المجلوب لم يحرم ولو خالف وباع الحاضر للبادي صح البيع مع التحريم. هذا مذهبنا وبه قال جماعة من المالكية وغيرهم: وقال بعض المالكية: بفسخ البيع ما لم يفت. وقال عطاء ومجاهد وأبو حنيفة: يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقاً لحديث: الدين النصيحة. قالوا: وحديث النهي عن بيع حاضر لباد منسوخ. وقال بعضهم إنه على كراهة التنزيه بمجرد الدعوى. انتهى كلام النووي. وقال في سبل السلام: وكل هذه القيود لا يدل عليها الحديث بل استنبطوها من تعليلهم للحديث بعلل متصيدة من الحكم. قال ودعوى النسخ غير صحيحة لافتقاره إلى معرفة التاريخ. وحديث النصيحة مشروط فيه، أنه إذا استنصح أحدكم اخاه فلينصح له فإذا استنصحه نصحه بالقول لأنه يتولى له البيع. قوله: (وفي الباب عن طلحة) أخرجه أبو داود (وأنس) أخرجه الشيخان (وجابر) أخرجه مسلم (وابن عباس) أخرجه الشيخان (وحكيم بن أبي يزيد عن أبيه) أخرجه أحمد وذكره الحافظ في الفتح وسكت عنه. وأما حديث عمرو بن عوف، وحديث رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فلم أقف عليهما. قوله: (وهو الناس) أي اتركوهم ليبيعوا متاعهم رخيصاً (يرزق الله بعضهم من بعض) بكسر القاف عل أنه مجزوم في جواب الأمر وبضمها على أنه مرفوع. قوله: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان (حديث جابر في هذا هو حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم. قوله: (ورخص بعضهم في أن يشتري حاضر لباد) قال العيني: وقد اختلف العلماء في شراء الحاضر للبادي فكرهت طائفة كما كرهوا البيع له واحتجوا بأن البيع في اللغة يقع على الشراء كما يقع الشراء على البيع كقوله تعالى {وشروه بثمن بخس} أي باعوه وهو من الأضداد، وروي ذلك عن أنس. وأجازت طائفة الشراء لهم، وقالوا: إن النهي إنما جاء في البيع خاصة ولم يعدوا ظاهر اللفظ. وروي ذلك عن الحسن البصري رحمه الله واختلف قول مالك في ذلك فمرة قال: لا يشتري له ولا يشتري عليه. ومرة أجاز الشراء له وبهذا قال الليث والشافعي. وقال الكرماني قال إبراهيم: والعرب تطلق البيع على الشراء. ثم قال الكرماني: هذا صحيح على مذهب من جوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه، اللهم إلا أن يقال البيع والشراء ضدان فلا يصح إرادتهما معاً فإن قلت فما توجيهه؟ قلت: وجهه أن يحمل على عموم المجاز انتهى. قال العيني. قول إبراهيم المذكور ليس مبنياً على أنه مشترك. واستعمل في معنييه بل هما من الأضداد انتهى كلام العيني النهاية في غريب الحديث والأثر. الإصدار ٢.٠٤ - للإمام ابن الأثير المجلد الأول >> حرف الباء >> باب الباء مع الدال {بدا} (ه) فيه أي خرج إلى البَدْو. يَشْبه أن يكون يفعل ذلك ليَبْعُد عن الناس ويَخْلوَ بنفسه. ومنه الحديث . والحديث الآخر أي من نزل البادِية صار فيه جفاء الأعراب. (ه) والحديث الآخر أي الخروج إلى البادِية. وتُفتح باؤها وتكسر. وحديث الدعاء هو الذي يكون في البادية ومسْكَنه المضارب والخيام، وهو غير مُقيم في موضعه، بخلاف جار المقام في المُدن. ويروى النّضادِي بالنُّون. ومنه الحديث وسَيجيء مشروحا في حرف الحاء. (س) وفي حديث الأقرع والأبرص والأعمى أي قَضَى بذلك، وهو مَعْنى البَداء ها هنا، لأن القضاء سابق. والبَداءُ اسْتِصْواب شيء عُلم بعدَ أن لم يُعْلَم، وذلك على اللّه عز وجل غير جائز. ومنه الحديث أي لا يزال يَبْدُو لَهُ رأيٌ جديد. (س) وفي حديث سلمة بن الأكوع أي أُبْرِزُه معها إلى مواضع الكلأ، وكل شيء أظهرته فقد أبْدَيته وبَدَّيته. (س) ومنه الحديث أي يُظْهره لهم. ومنه الحديث أي من يُظْهر لنا فعله الذي كان يَخفيه أقمنا عليه الحدّ. (س) وفيه: باسْم الإِلَهِ وَبِه بَدِينَا * ولَوْ عبَدْنا غيره شَقِينا (هو لعبد اللّه بن رواحة، كما في تاج العروس. وبعده: وحبَّذا رَبَّا وحَبّ دِينا*) يقال بَدِيت بالشيء - بكسر الدال - أي بَدأت به، فلما خَفَّف الهمزة كسر الدال فانقلبت الهمزة ياء، وليس هو من بنَات الياء. وفي حديث سعد بن أبي وقاص البَدِيّ بالتشديد الأوّل، ومنه قولهم: افعل هذا بادِيَ بَدِيٍّ، أي أوّل كل شيء. وفيه إنما كَرِه شهادة البدويّ لما فيه من الجفاء في الدّين والجهالة بأحكام الشرع؛ ولأنهم في الغالب لا يَضْبِطون الشهادة على وجهها، وإليه ذهب مالك، والناس على خلافه. وفيه ذكر بفتح الباء وتخفيف الدال: موضع بالشام قرْب وَادِي القُرى، كان به مَنْزل عليّ بن عبد اللّه بن العباس وألاَدِه. النهاية في غريب الحديث والأثر. الإصدار ٢.٠٤ - للإمام ابن الأثير المجلد الأول >> حرف الجيم >> باب الجيم مع اللام {جلب} (ه) فيه الجلَب يكُون في شَيْئين: أحَدُهما في الزَّكاة، وهو أن يَقْدَم المُصَدِّق على أهْل الزكاة فَيَنْزِلَ مَوْضِعا، ثم يُرْسِلَ مَنْ يَجْلِب إليه الأمْوال من أماكِنِها ليأخذ صدَقَتها، فنُهِيَ عن ذلك، وأُمِر أن تُؤخَذَ صَدَقَاتُهم على مِيَاهِهم وأماكنهم. الثاني أن يكون في السّبَاق: وهُو أن يَتْبَع الرجُلُ فرسَه فيَزْجُره يَجْلِب عليه ويصيح حَثًّا لَهُ على الجَرْي، فنهِيَ عن ذلك. (ه) ومنه حديث الزبير رضي اللّه عنه ) قال القتيبي: هو جمع جَلَبَة وهي الأصوات. وفي حديث علي رضي اللّه عنه يقال أجْلَبوا عليه إذا تَجمَّعوا وتألَّبُوا. وأجلَبَه: أعانه. وأجْلب عليه: إذا صاح به واسْتَحَثَّه. ومنه حديث العقبة أي مُجْتَمعين على الحرب، هكذا جاء في بعض الروايات بالباء، والرواية بالياء تحتها نقطتان، وسيجيء في موضعه. (ه) وفي حديث عائشة رضي اللّه عنها قال الأزهري: أرَاه أراد بالجُلاَّب مَاء الوَرْد، وهو فارسي مُعَرّب، واللّه أعلم. وفي هذا الحديث خِلاف وكلام فيه طول، وسَنذكُره في حَلب من حرف الحاء. (س) وفي حديث سالم الجَلُوبة بالفتح: ما يُجْلَبُ للبيع من كل شيء، وجَمْعُه الجَلاَئب. وقيل الجلائب: الإبِلُ التي تُجْلَبُ إلى الرَّجُل النَّازِل على الماء ليْسَ له ما يَحْتَمِل عليه فيَحْملونه عَليها. والمراد في الحديث الأوّلُ، كأنه أرادَ أن يبيعها له طلحة. هكذا جاء في كتاب أبي موسى في حرف الجيم، والذي قرأناه في سنن أبي داود وهي الناقة التي تُحْلَبُ، وسيجيء ذكرها في حرف الحاء. وفي حديث الحديبية الجُلْبان - بضم الجيم وسكُون اللاَّم: شِبه الجِرَاب من الأَدَم يُوضع فيه السيف مَغْمُودا، ويَطْرَح فيه الراكِبُ سوطَه وأدَاته، ويُعَلِّقه في آخره الكُور أو واسطته، واشتِقَافه من الجُلْبَه، وهى الجلْدَة التي تُجْعَل على القَتَب. ورواه القتيبى بضم الجيم واللام وتَشْدِيد الباء، وقال: هو أوعِيَةُ السلاح بما فيها ولا أُراه سُمَي به إلاَّ لجفائه، ولذلك قيل للمرأة الغليظة الجافية جُلُبَّانة، وفي بعض الروايات : السيفِ والقَوسِ ونحوه، يريد ما يحْتاج في إظْهاره والقِتَال به إلى مُعانَاة، لا كالرّماح لأنها مُظْهرة يمكن تعجيل الأذى بها. وإنما اشْترطوا ذلك ليكُون عَلَماً وأمارة للسلم؛ إذ كان دُخولهم صُلْحا. (س) وفي حديث مالك هو بالتَّخفيف: حَبٌّ كالماش، ويقال له أيضا الخُلَّرُ. (ه) وفي حديث علي رضي اللّه عنه أي ليَزْهدْ في الدنيا، ولْيَصْبِرْ على الفَقْر والقلَّة. والجِلْبَابُ: الإزَارُ والرّدَاء. وقيل المِلْحَفَة. وقيل هو كالمِقْنَعَة تُغَطّي به المرأة رأسها وظَهْرَها وصدرَها، وَجَمْعُه جَلاَبيبُ، كنى به عن الصَّبْر، لأنه يَسْترُ الفَقْر كما يَسْترُ الجلبابُ البَدَن. وقيل إنما كنى بالْجلباب عن اشتماله بالفَقْر: أي فَلْيَبَسْ إزار الفَقْر. ويكون منه على حالةٍ تَعُمُّه وتَشْمَلُه؛ لأن الغنَى من أحوال أهل الدنيا، ولا يتهَيَّأ الجمع بين حُبّ الدنيا وحُبّ أهل البيت.