وهي وا حدة" قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع سالما يحدث عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وأخرجه الدار قطني من طريق يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن إسحاق جميعا عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "هي واحدة" ، وهذا نص في موضع الخلاف فيجب المصير إليه. وقد أورده بعض العلماء على ابن حزم فأجابه بأن قوله "هي واحدة" لعله ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فألزمه بأنه نقض أصله لأن الأصل لا يدفع بالاحتمال. وعند الدار قطني في رواية شعبة عن أنس بن سيرين عن ابن عمر في القصة "فقال عمر: يا رسول الله أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم" . ورجاله إلى شعبة ثقات. وعنده من طريق سعيد ابن عبد الرحمن الجمحي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر "أن رجلا قال: إني طلقت امرأتي البتة وهي حائض، فقال: عصيت ربك، وفارقت امرأتك. قال فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر أن يراجع امرأته، قال: إنه أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقي له، وأتت لم تبق ما ترتجع به امرأتك" وفي هذا السياق رد على من حمل الرجعة في قصة ابن عمر على المعنى اللغوي، وقد وافق ابن حزم على ذلك من المتأخرين ابن تيمية، وله كلام طويل في تقرير ذلك والانتصار له. وأعظم ما احتجوا به ما وقع في رواية أبي الزبير عن ابن عمر عند مسلم وأبي داود والنسائي وفيه "فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليراجعها، فردها وقال: إذا طهرت فليطلق أو يمسك" لفظ مسلم، وللنسائي وأبي داود "فردها علي" زاد أبو داود "ولم يرها شيئا" وإسناده على شرط الصحيح فإن مسلما أخرجه من رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج، وساقه على لفظه ثم أخرجه من رواية أبي عاصم عنه وقال نحو هذه القصة، ثم أخرجه من رواية عبد الرزاق عن ابن جريج قال مثل حديث حجاج وفيه بعض الزيادة، فأشار إلى هذه الزيادة، ولعله طوى ذكرها عمدا. وقد أخرج أحمد الحديث عن روح بن عبادة عن ابن جريج فذكرها، فلا يتخيل انفراد عبد الرزاق بها. قال أبو داود: روى هذا الحديث عنه ابن عمر جماعة، وأحاديثهم كلها على خلاف ما قال أبو الزبير وقال ابن عبد البر: قوله "ولم يرها شيئا" منكر لم يقله غير أبي الزبير، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله فكيف بمن هو أثبت منه، ولو صح فمعناه عندي والله أعلم: ولم يرها شيئا مستقيما لكونها لم تقع على السنة. وقال الخطابي قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من هذا، وقد يحتمل أن يكون معناه: ولم يرها شيئا تحرم معه المراجعة، أو لم يرها شيئا جائزا في السنة ماضيا في الاختيار وإن كان لازما له مع الكراهة. ونقل البيهقي في "المعرفة" عن الشافعي أنه ذكر رواية أبي الزبير فقال: نافع أثبت من أبي الزبير والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا تخالفا، وقد وافق نافعا غيره من أهل الثبت. قال: وبسط الشافعي القول في ذلك وحمل قوله لم يرها شيئا على أنه لم يعدها شيئا صوابا غير خطأ، بل يؤمر صاحبه أن لا يقيم عليه لأنه أمره بالمراجعة، ولو كان طلقها طاهرا لم يؤمر بذلك، فهو كما يقال للرجل إذا أخطأ في فعله أو أخطأ في جوابه لم يصنع شيء أي لم يصنع شيئا صوابا، قال ابن عبد البر: واحتج بعض من ذهب إلى أن الطلاق لا يقع بما روي عن الشعبي قال: إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض لم يعتد بها في قول ابن عمر، قال ابن عبد البر: وليس معناه ما ذهب إليه، وإنما معناه لم تعتد المرأة بتلك الحيضة في العدة، كما روى ذلك عنه منصوصا أنه قال: يقع عليها الطلاق ولا تعتد بتلك الحيضة ا هـ. وقد روى عبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر نحوا ما نقله ابن عبد البر عن الشعبي أخرجه ابن حزم بإسناد صحيح، والجواب عنه مثله. وروى سعيد بن منصور من طريق عبد الله بن مالك "عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، ف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس ذلك بشيء" وهذه متابعات لأبي الزبير، إلا أنها قابلة للتأويل، وهو أولى من إلغاء الصريح في قول ابن عمر إنها حسبت عليه بتطليقة. وهذا الجمع الذي ذكره ابن عبد البر وغيره يتعين، وهو أولى من تغليظ بعض الثقات وأما قول ابن عمر "إنها حسبت عليه بتطليقة" فإنه وإن لم يصرح برفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن فيه تسليم أن ابن عمر قال إنها حسبت عليه، فكيف يجتمع مع هذا قوله إنه لم يعتد بها أو لم يرها شيئا على المعنى الذي ذهب إليه المخالف؟ لأنه إن جعل الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم لزم منه أن ابن عمر خالف ما حكم به النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القصة بخصوصها لأنه قال إنها حسبت عليه بتطليقة فيكون من حسبها عليه خالف كونه لم يرها شيئا، وكيف يظن به ذلك مع اهتمامه واهتمام أبيه بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ليفعل ما يأمره به؟ وإن جعل الضمير في لم يعتد بها أو لم يرها لابن عمر لزم منه التناقض في القصة الواحدة فيفتقر إلى الترجيح، ولا شك أن الأخذ بما رواه الأكثر والأحفظ أولى من مقابله عند تعذر الجمع عند الجمهور والله أعلم. واحتج ابن القيم لترجيح ما ذهب إليه شيخه بأقيسة ترجع إلى مسألة أن النهي يقتضي الفساد فقال: الطلاق ينقسم إلى حلال وحرام، فالقياس أن حرامه باطل كالنكاح وسائر العقود، وأيضا فكما أن النهي يقتضي التحريم فكذلك يقتضي الفساد، وأيضا فهو طلاق منع منه الشرع فأفاد منعه عدم جواز إيقاعه فكذلك يفيد عدم نفوذه وإلا لم يكن للمنع فائدة، لأن الزوج لو وكل رجلا أن يطلق امرأته على وجه فطلقها على غير الوجه المأذون فيه لم ينفذ، فكذلك لم يأذن الشارع للمكلف في الطلاق إلا إذا كان مباحا، فإذا طلق طلاقا محرما لم يصح. وأيضا فكل ما حرمه الله من العقود مطلوب الإعدام، فالحكم ببطلان ما حرمه أقرب إلى تحصيل هذا المطلوب من تصحيحه، ومعلوم أن الحلال المأذون فيه ليس الحرام الممنوع منه. ثم أطال من هذا الجنس بمعارضات كثيرة لا تنهض مع التنصيص على صريح الأمر بالرجعة فإنها فرع وقوع الطلاق على تصريح صاحب القصة بأنها حسبت عليه تطليقة، والقياس في معارضة النص فاسد الاعتبار والله أعلم. وقد عورض بقياس أحسن من قياسه فقال ابن عبد البر: ليس الطلاق من أعمال البر التي يتقرب بها، وإنما هو إزالة عصمة فيها حق آدمي، فكيفما أوقعه وقع، سواء أجر في ذلك أم أثم، ولو لزم المطيع ولم يلزم العاصي لكان العاصي أخف حالا من المطيع. ثم قال ابن القيم: لم يرد التصريح بأن ابن عمر احتسب بتلك التطليقة إلا في رواية سعيد بن جبير عنه عند البخاري، وليس فيها تصريح بالرفع، قال: فانفراد سعيد بن جبير بذلك كانفراد أبي الزبير بقوله لم يرها شيئا، فإما أن يتساقطا وإما أن ترجح رواية أبي الزبير لتصريحها بالرفع، وتحمل رواية سعيد بن جبير على أن أباه هو الذي حسبها عليه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث بعد أن كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا يحتسب عليهم به ثلاثا إذا كان بلفظ واحد. قلت: وغفل رحمه الله عما ثبت في صحيح مسلم من رواية أنس بن سيرين على وفاق ما روى سعيد بن جبير، وفي سياقه ما يشعر بأنه إنما راجعها في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه " سألت ابن عمر عن امرأته التي طلق فقال. طلقتها وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلقها لطهرها، قال فراجعتها ثم طلقها لطهرها قلت فاعتددت بتلك التطليقة وهي حائض؟ فقال ما لي لا اعتد بها وإن كنت عجزت واستحمقت "وعند مسلم أيضا من طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه عن سالم في حديث الباب" وكان عبد الله بن عمر طلقها تطليقة فحسبت من طلاقها فراجعها كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم "وله من رواية الزبيدي عن ابن شهاب" قال ابن عمر فراجعتها وحسبت لها التطليقة التي طلقتها "وعند الشافعي عن مسلم بن خالد عن ابن جريج" أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه: هل حسبت تطليقة ابن عمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نعم ". وفي حديث ابن عمر من الفوائد غير ما تقدم أن الرجعة يستقل بها الزوج دون الولي ورضا المرأة، لأنه جعل ذلك إليه دون غيره، وهو كقوله تعالى (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) وفيه أن الأب يقوم عن ابنه البالغ الرشيد في الأمور التي تقع له مما يحتشم الابن من ذكره، ويتلقى عنه ما لعله يلحقه من العتاب على فعله شفقة منه وبرا. وفيه أن طلاق الطاهرة لا يكره لأنه أنكر إيقاعه في الحيض لا في غيره، ولقوله في آخر الحديث" فإن شاء أمسك وإن شاء طلق ". وفيه أن الحامل لا تحيض لقوله في طريق سالم المتقدمة" ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا " فحرم صلى الله عليه وسلم الطلاق في زمن الحيض وأباحه في زمن الحمل، فدل على أنهما لا يجتمعان. وأجيب بأن حيض الحامل لما لم يكن له تأثير في تطويل العدة ولا تخفيفها لأنها بوضع الحمل فأباح الشارع طلاقها حاملا مطلقا، وأما غير الحامل ففرق بين الحائض والطاهر لأن الحيض يؤثر في العدة فالفرق بين الحامل وغيرها إنما هو بسبب الحمل لا بسبب الحيض ولا الطهر. وفيه أن الأقراء في العدة هي الأطهار، وسيأتي تقرير ذلك في كتاب العدة. وفيه تحريم الطلاق في طهر جامعها فيه وبه قال الجمهور. وقال المالكية لا يحرم؛ وفي رواية كالجمهور، ورجحها الفاكهاني لكونه شرط في الإذن في الطلاق عدم المسيس، والمعلق بشرط معدوم عند عدمه صحيح مسلم بشرح النووي، الإصدار ٢.٠١ - للإمام محي الدين بن شرف النووي. الجزء العاشر >> كتاب الطَّلاق >> -٢٨ - باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، وأنَّه لو خالف وقع الطَّلاق ويؤمر برجعتها