ثُمَ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: "وَلاَ يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلاَّ أَذَابَهُ اللهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ، أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ" . قال القاضي: وهذه خصوصيَّة زائدة على الشَّفاعة للمذنبين أو للعالمين في القيمة وعلى شهادته على جميع الأمَّة. وقد قال -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- في شهداء أحد: "أنا شهيد على هؤلاء" فيكون لتخصيصهم بهذا كلّه مزيد أو زيادة منزلة وحظوة. قال: وقد يكون أو بمعنى: الواو فيكون لأهل المدينة شفيعاً وشهيداً، قال: وقد روي: (إِلاَّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعاً، أَوْ شَهِيداً) قال: وإذا جعلنا أو للشَّكِّ كما قاله المشايخ، فإن كانت اللَّفظة الصَّحيحة شهيداً اندفع الاعتراض لأنَّها زائدة على الشَّفاعة المدَّخرة المجرَّدة لغيرهم، وإن كانت اللَّفظة الصَّحيحة: شفيعاً فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادِّخارها لجميع الأمَّة أنَّ هذه شفاعة أخرى غير العامَّة الَّتي هي لإخراج أمَّته من النَّار ومعافاة بعضهم منها بشفاعته -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- في القيامة، وتكون هذه الشَّفاعة لأهل المدينة بزيادة الدَّرجات، أو تخفيف الحساب، أو بما شاء الله من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع من الكرامة كإيوائهم إلى ظلِّ العرش، أو كونهم في روح وعلى منابر، أو الإسراع بهم إلى الجنَّة، أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض، واللَّه أعلم. قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: (لاَ يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلاَّ أَبْدَلَ اللهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ) قال القاضي: اختلفوا في هذا فقيل: هو مختصّ بمدَّة حياته -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-. وقال آخرون: هو عامّ أبداً وهذا أصحُّ. قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: (وَلاَ يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلاَّ أَذَابَهُ اللهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ، أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ) قال القاضي: هذه الزِّيادة وهي قوله في النَّار تدفع إشكال الأحاديث الَّتي لم تذكر فيها هذه الزِّيادة، وتبيِّن أنَّ هذا حكمه في الآخرة. قال: وقد يكون المراد به: من أرادها في حياة النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- كفى المسلمون أمره واضمحلَّ كيده كما يضمحلّ الرَّصاص في النَّار. (ج/ص: ٩/ ١٣٨)