٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، ح، وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- قَالَ: " إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا" . فيه قوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: (بَدَأَ الإِسْلاَمَ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ، فَطُوبىَ لِلْغُرَبَاءِ، وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا) . وفي الرِّواية الأخرى: (إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا) أمَّا ألفاظ الباب ففيه أبو حازم، عن أبي هريرة، واسم أبي حازم هذا: سلمان الأشجعيّ، مولى عزَّة الأشجعيَّة، وتقدَّم أنَّ اسم أبي هريرة: عبد الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولاً. وقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: (بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيْبَاً) كذا ضبطناه بدأ بالهمزة من الابتداء. و (طُوْبَى) فعلى من الطِّيب، قاله الفرَّاء قال: وإنَّما جاءت الواو لضمَّة الطَّاء قال: وفيها لغتان، تقول العرب: طوباك وطوبى لك. وأمَّا معنى طوبى فاختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: {طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرعد: ٢٩] فروي عن ابن عبَّاس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أنَّ معناه: فرج وقرَّة عين. وقال عكرمة: نعمّ مالهم. وقال الضَّحَّاك: غبطة لهم. وقال قتادة: حسنى لهم. وعن قتادة أيضاً معناه: أصابوا خيراً. وقال إبراهيم: خير لهم وكرامة. وقال ابن عجلان: دوام الخير. وقيل: الجنَّة، وقيل: شجرة في الجنَّة، وكلّ هذه الأقوال محتملة في الحديث، واللَّه أعلم. (ج/ص: ٢/ ١٧٧) وفي الإسناد شبابة بن سوَّار، فشبابة بالشِّين المعجمة المفتوحة وبالباء الموحَّدة المكرَّرة، وسوَّار بتشديد الواو، وشبابة لقب واسمه: مروان وقد تقدَّم بيانه. وفيه: عاصم بن محمَّد العمريُّ، بضمِّ العين، وهو عاصم بن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-. وقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: (وَهُوَ يَأْرِزُ) بياء مثنَّاة من تحت بعدها همزة ثمَّ راء مكسورة ثمَّ زاي معجمة هذا هو المشهور، وحكاه صاحب المطالع (مطالع الأنوار) عن أكثر الرًُّواة قال: وقال أبو الحسين بن سراج: ليأرُز بضمِّ الرَّاء. وحكى القابسيُّ فتح الرَّاء ومعناه: ينضمّ ويجتمع، هذا هو المشهور عند أهل اللُّغة والغريب، وقيل في معناه غير هذا ممَّا لا يظهر. وقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: (بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ) أي: مسجدي مكَّة والمدينة. وفي الإسناد الآخر خبيب بن عبد الرَّحمن، وهو بضمِّ الخاء المعجمة وتقدَّم بيانه، واللَّه أعلم. وأمَّا معنى الحديث فقال القاضي عياض -رحمه اللَّه- في قوله (غَرِيْبَاً) : روى ابن أبي أويس عن مالك -رحمه اللَّه- أنَّ معناه: في المدينة، وأنَّ الإسلام بدأ بها غريباً وسيعود إليها. قال القاضي: وظاهر الحديث العموم، وأنَّ الإسلام بدأ في آحاد من النَّاس وقلَّة ثمَّ انتشر وظهر، ثمَّ سيلحقه النَّقص والإخلال حتَّى لا يبقى إلاَّ في آحاد وقلَّة أيضاً كما بدأ، وجاء في الحديث تفسير الغرباء وهم النزاع من القبائل. قال الهرويُّ: أراد بذلك المهاجرين الَّذين هجروا أوطانهم إلى الله تعالى. قال القاضي: وقوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: (وَهُوَ يَأْرِزُ إِلَى المَدِيْنَةِ) معناه: أنَّ الإيمان أوَّلاً وآخراً بهذه الصِّفة، لأنَّه في أوَّل الإسلام كان كلُّ من خلص إيمانه وصحَّ إسلامه أتى المدينة إمَّا مهاجراً مستوطناً، وإمَّا متشوِّقاً إلى رؤية رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- ومتعلِّماً منه ومتقرِّباً. ثمَّ بعده هكذا في زمن الخلفاء كذلك، ولأخذ سيرة العدل منهم، والاقتداء بجمهور الصَّحابة -رضوان الله عليهم- فيها ثمَّ من بعدهم من العلماء الَّذين كانوا سرج الوقت وأئمَّة الهدى لأخذ السُّنن المنتشرة بها عنهم، فكان كلٌّ ثابت الإيمان منشرح الصَّدر به يرحل إليها، ثمَّ بعد ذلك في كلِّ وقت إلى زماننا لزيارة قبر النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم- والتَّبرُّك بمشاهده وآثاره وآثار أصحابه الكرام، فلا يأتيها إلاَّ مؤمن، هذا كلام القاضي، واللَّه أعلم بالصَّواب.