الشَّافعيُّ: إن كان هدي تطوُّع كان له أن يفعل فيه ما شاء من بيع وذبح وأكل وإطعام وغير ذلك وله تركه، ولا شيء عليه في كلِّ ذلك لأنَّه ملكه. وإن كان هدياً منذوراً لزمه ذبحه، فإن تركه حتَّى هلك لزمه ضمانه كما لو فرَّط في حفظ الوديعة حتَّى تلفت، فإذا ذبحه غمس نعله الَّتي قلَّده إيَّاها في دمه، وضرب بها صفحة سنامه، وتركه موضعه ليعلم من مرَّ به أنَّه هدي فيأكله، ولا يجوز للمهدي ولا لسائق هذا الهدي وقائده الأكل منه، ولا يجوز للأغنياء الأكل منه مطلقاً، لأنَّ الهدي مستحقٌّ للمساكين فلا يجوز لغيرهم، ويجوز للفقراء من غير أهل هذه الرِّفقة ولا يجوز لفقراء الرِّفقة. وفي المراد بالرِّفقة وجهان: لأصحابنا أحدهما: أنَّهم الَّذين يخالطون المهدي في الأكل وغيره دون باقي القافلة. والثَّاني: وهو الأصحُّ، وهو الَّذي يقتضيه ظاهر الحديث، وظاهر نصّ الشَّافعيّ، وكلام جمهور أصحابنا: أنَّ المراد بالرِّفقة جميع القافلة لأنَّ السَّبب الَّذي منعت به الرِّفقة هو خوف تعطيبهم إيَّاه وهذا موجود في جميع القافلة. فإن قيل: إذا لم تجوِّزوا لأهل القافلة أكله وترك في البريَّة كان طعمة للسِّباع وهذا إضاعة مال. قلنا: ليس فيه إضاعة بل العادة الغالبة أنَّ سكَّان البوادي وغيرهم يتبعون منازل الحجِّ لالتقاط ساقطة ونحوه، وقد تأتي قافلة في إثر قافلة، واللَّه أعلم. والرّفقة بضم الرَّاء وكسرها: لغتان مشهورتان. (ج/ص: ٩/ ٧٨)